يوبيل قرطاج الذهبي ببريق خافت

الجمعة 2014/07/04

أيام معدودة تفصل على انطلاق الدورة الخمسين لمهرجان قرطاج الصيفي الدولي (10 يوليو الجاري)، خمسون سنة مرت على التأسيس (1964)، لثاني أعرق المهرجانات العربية بعد مهرجان بعلبك اللبناني (1956)، ما يعني احتفاء أحفاد عليسة وحنبعل هذا العام باليوبيل الذهبي لمهرجانهم التليد.

فهل ارتقت برمجة المهرجان إلى حجم الحدث؟ سؤال أسال الكثير من الحبر، وكان موضع جدل في الساحتين الثقافية والإعلامية التونسية.

بإلقاء نظرة سريعة، على برمجة هذا العام، يمكن القول أن يوبيل قرطاج الذهبي أتى هذا العام ببريق خافت. فلا أسماء كبرى بحجم الاحتفاء، باستثناء حفلي المؤلف الموسيقي اليوناني الشهير “ياني”، العلامة الفارقة في الموسيقى اللاتينية، وسهرة الافتتاح للتونسي-العالمي أنور براهم، أحد أباطرة الموسيقى العربية والعالمية المعاصرة.

أما ما تبقى فأسماء معادة ومكررة للمرة العاشرة، وأكثر، مع بعض الاستثناءات طبعا، لبعض الوجوه التونسية الشابة كنور شيبة ومنير الطرودي ورياض الفهري، وفقط.

وجوه تونسية عملت وثابرت لعشرية من الزمن على الأقل، لتستحق هذا التشريف البعيد كل البعد عن الترويج الذي لحق بعض الوجوه العربية النكرة في سنوات الانتكاس الترفيهي الصرف لقرطاج المجد والتاريخ!

كما غابت أسماء أخرى، خاصة منها النسائية التي انتظرها الجمهور التونسي بشوق وأمل في أن تكون فاكهة قرطاج في عيده الخمسين، لعلّ أبرزها على الإطلاق الفنانة التونسية منيرة حمدي التي راكمت تجربة فنية عمرها اليوم ربع قرن، فهل لا يحق لمنيرة أن تحتفل باليوبيل الفضي لانطلاق صوتها الرخيم في يوبيل قرطاج الذهبي؟

بعد الإعلان النهائي عن برمجة قرطاج هذا العام، أتت ردود الفعل متباينة بين مثمن للاختيارات وناقد لها، لكن الإجماع كان جليا، وخيبة الأمل كانت مريرة لدى التونسيين، بعد غياب النجمتين العالميتين شاكيرا وآدال، عن أجندة المهرجان، واللتان وقع الإعلان المسبق عن حضورهما السنة الماضية لقرطاج هذا العام، من قبل مراد الصقلي المدير السابق للمهرجان، ووزير الثقافة الحالي.

تونس بهذا الغياب التعاقدي مع نجمتين لامعتين، ضيعت على نفسها فرصتين ذهبيتين برمية واحدة من نيران صديقة، فحضور شاكيرا وآدال، مهما كلف من أموال، مهمّ في مثل هذا التوقيت بالذات، وطبعا ليس على نفس القناة!

فهو يعيد إلى قرطاج بعضا من بريقه الخافت الذي فقده في العشرية الأخيرة، كما يقدّم رسالة مضمونة الوصول إلى المجتمع الدولي، بأن “الخضراء”، ورغم ما عانته من أوجاع مخاض اقتصادي وأمني وسياسي بعد ثورة يناير 2011، ما تزال قادرة على صنع الفرجة وتأمين الدهشة للعالم.

ومهما يكن من أمر اختيارات إدارة مهرجان قرطاج، ومن انتظارات الجماهير العريضة التي ذهبت أدراج الرياح، فهناك بريق ضوء في العتمة، هذا البريق وإن أتى متأخرا، خير من أن لا يأتي أبدا.

فهيئة تنظيم المهرجان ارتأت أن تقوم بتجربة جديدة هذا العام تتمثل في “ذهاب قرطاج إلى الناس” في بعض المحافظات على غرار القصرين وسيدي بوزيد وجندوبة دون استثناء مناطق شعبية أخرى قريبة من قرطاج. ويكون ذلك باستغلال التطور التكنولوجي الرقمي، وبثّ سهرات المهرجان مباشرة عبر شاشات عملاقة بساحات عمومية كبيرة بمناطق محدودة سلفا.

وهذا ما يحسب لإدارة مهرجان هذا العام، فأن يذهب المهرجان إلى المناطق الداخلية، ففي ذلك فوائد عديدة، أهمها إنتاج جيل ثقافي متثوّق للفن ومعانيه، فحين يذهب قرطاج اليوم إلى الناس، يحجون غدا إليه رافعين رايات التسامح والتثاقف، منتصرين للفنون الجادة والرائقة.

كما أن انفتاح قرطاج هذا العام على السينما، أتى على غير عاداته التجارية السابقة، فيكفي أن نذكر أن عشاق الشاشة الفضية على موعد مع ثلاثة أفلام هامة، وفي عرضها الأول وهي تباعا: فيلم “الربيع العربي” للتونسية رجاء العماري، وفيلم “طريق طويلة نحو الحرية” تكريما للزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا، وأخيرا فيلم “عمر” للفلسطيني هاني أبو أسعد.

ويخامرنا سؤال متفائل غير متشائم هذه المرة، مفاده؛ ماذا ترك قرطاج الصيفي بهذا الاختيار السينمائي الموفّق، لشقيقه أيام قرطاج السينمائية الذي أضحى على الأبواب؟

17