يوتيوب ينصب ويكيبيديا "حامية" الإنترنت دون علمها

عمالقة التكنولوجيا يستخدمون الموسوعة العالمية لإخفاء فشلهم في كشف التضليل على منصاتهم الاجتماعية.
الأربعاء 2018/03/21
الشركات تستخدم محتواها ولكنها لا تستثمر في مستقبلها

لندن - أعلنت المديرة التنفيذية لشركة يوتيوب، سوزان وجسيكي، الأسبوع الماضي في مؤتمر "جنوب الجنوب الغربي"، أن شركتها ستباشر بإضافة "إشارات للمعلومات" على مقاطع الفيديو التي تعنى بنظريات المؤامرة، تحتوي على روابط نصية تهدف إلى تزويد المستخدمين بمعلومات أكثر دقة حول المحتوى الذي يشاهدونه.

في هذا السياق، يندرج موقع ويكيبيديا ضمن المواقع التي تنوي إدارة يوتيوب استعمالها. ومثل الإعلان، وفق موقع وايرد، مفاجأة بالنسبة لمنظمة ويكيميديا نفسها، حيث أعلن القائمون عليها في بيان أنه “في هذه الحالة، لم تكن ويكيبيديا أو مؤسسة ويكيميديا جزءا من شراكة رسمية مع يوتيوب. ولم يتم إعلامنا مسبقا”.

ويوتيوب ليست أول شركة تكنولوجية، أو حتى أول منصة اجتماعية، تستعمل محتوى موسوعة ويكيبيديا لخدمة أهدافها الخاصة. إذ تستخدم ألفابت، الشركة الأم لمحرك البحث غوغل وموقع يوتيوب، محتوى ويكيبيديا بصفة كبيرة في نتائج محرك البحث غوغل.

وقد انضمت شركة فيسبوك إلى ركب المستفيدين من ويكيبيديا، حيث يعمل عملاق شبكات التواصل الاجتماعي على تجربة اعتماد الموسوعة الرقمية لمحاربة مشكلة المعلومات المضللة الخاصة بها.

لكن المسؤولين العاملين مع مارك زوكيربرغ قاموا بإطلاع منظمة ويكيميديا بنواياهم منذ البداية.

 

مقالات ويكيبيديا التي يتجاوز عددها 44 مليونا تستخدم دون إذن من عمالقة التكنولوجيا على غرار غوغل وفيسبوك. وانضم موقع يوتيوب أخيرا للمتربحين من المقالات وهو ما أثار دهشة القائمين على الموسوعة الذين نفوا أن تكون “مؤسسة ويكيميديا جزءا من شراكة رسمية مع يوتيوب"

لا يخفى على أحد أن الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يعتبرون الموسوعة الرقمية التي تشهد 20 ألف مقالة جديدة في الشهر، ملاذا لهم لتطبيق الخوارزميات أو تعليم المساعدات الرقمية الذكية.

وارتأت شركة يوتيوب التي تبلغ قيمتها السوقية المليارات من الدولارات، والتي تتعرض لدفق من الأموال المتأتية عن الإعلانات، تفريغ مشكلتها التضليلية بصفة جزئية في موسوعة غير ربحية قائمة على العمل التطوعي، دون الرجوع إليها وإعلامها بهذا القرار.

بصفتها محررة منذ زمن طويل بين صفحات موسوعة ويكيبيديا، تساءلت أماندا ليفاندوفسكي، وهي مدرسة مساعدة في كلية الحقوق بجامعة نيويورك الأميركية، عما إذا كان يوتيوب قد فكر بعمق في التأثير الذي سيخلفه الاعتماد على ويكيبيديا لمكافحة المعلومات المضللة في مقاطع الفيديو المعروضة على اليوتيوب، على ويكيبيديا ومجتمع المحررين.

وأفادت ليفاندوفسكي بأن شركة جيغساو التابعة لألفابت تستعمل صفحات نقاش المقالات الخاصة بويكيبيديا بصفة جزئية لكي تدرب برمجيات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر التي تهدف إلى محاربة متصيدي الإنترنت.

من الجيد الاعتراف بأن ويكيبيديا تبلي بلاء حسنا في المجمل، حيث أن الولوج إلى الموقع لا يكلف شيئا، ويمكن التعويل على المحتوى الذي يقدمه، فضلا عن كونه مصدرا كبيرا للمعلومات.

لكن هذه الإيجابية لا تنفي السلبيات التي تشوب هذه الموسوعة الرقمية العملاقة، نظرا لكون العنصر النسائي يمثل 16 في المئة فقط من إجمالي المحررين، وفقا لدراسة أجريت سنة 2013.

إلى جانب أوجه القصور الحالية، تقتصر نصف المقالات التي تعنى بتحديد المناطق الجغرافية على محررين من خمس بلدان فقط، وهي المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وذلك بالرجوع إلى دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد سنة 2015. وقد أوردت هذه الدراسة أن مجموع التعديلات التي أجريت من هولندا تتجاوز التعديلات التي أجرتها البلدان الأفريقية مجتمعة.

كاثرين ماهر: موسوعة ويكيبيديا تعكس التجربة الحياتية للعالم، بما يتجاوز النوع واللغة والجغرافيا
كاثرين ماهر: موسوعة ويكيبيديا تعكس التجربة الحياتية للعالم، بما يتجاوز النوع واللغة والجغرافيا

عموما، تؤدي هذه التباينات إلى عواقب ملموسة على مستوى نوع المحتوى الذي ينتهي به المطاف بين صفحات موسوعة ويكيبيديا الرقمية، وعلى طريقة كتابة هذا المحتوى. وفي حين تقدم ويكيبيديا نفسها كمصدر للحقائق، فإن هذه المقالات قادرة على امتلاك منعطفاتها الخاصة بها.

 وقالت المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيميديا، كاثرين ماهر “لقد كان تنوع وتمثيل مجتمع المحررين مجالا من مجالات التركيز الحاسمة لحركتنا على مدى السنوات العديدة الماضية. ولكي تكون حقا مصدرا مجانيا للمعرفة ومتاحا للجميع، يجب أن تعكس ويكيبيديا التجربة الحياتية للعالم، بما يتجاوز النوع واللغة والجغرافيا أو أي شيء آخر. ونحن نلتزم في مؤسستنا بدعم التنوع في مجتمع المحررين في ويكيميديا، ودعم جهود أولئك الذين يعملون لجعل ويكيبيديا أكثر تمثيلا”.

مع ذلك، تمثل الجهود المبذولة لتنويع قاعدة المساهمين في ويكيبيديا تحديا في حد ذاتها، خاصة عندما تستخدم الشركات محتواها، ولكن في المقابل لا تستثمر في مستقبلها، أو عندما يختارون أن يعاملوها على أنها “مورد متجدد بلا نهاية بعمالة مجانية”، على حد قول المحررة الأقدم في ويكيبيديا وأمينة المكتبة، فويب آيرز.

وفي هذا السياق، أكدت غوغل لمجلة نيويورك بأنها لا تقدم أي مساهمة مالية لمؤسسة ويكيميديا.

يقول خبراء إن من أبرز نقاط قوة ويكيبيديا، إتاحتها لأي شخص إمكانية المساهمة في تعديل محتواها، وهي ميزة لطالما كانت محل انتقادات واعتبرت من أكبر السلبيات لدى آخرين.

ولقد سلطت وسائل إعلام في العالم أكثر من مرة  الضوء على أشخاص نافذين يغيرون في محتوى الموسوعة لتتناسب مع مصلحتهم الخاصة، أو لتحريف التاريخ أو تبرئة أنفسهم من جرائم الماضي.

في المقابل، لم تدّع موسوعة ويكيبيديا أبدا أنها مثالية، وهي ليست كذلك. لكن عمالقة التكنولوجيا مازالوا يستخدمونها كقوة لا يمكن تجاوزها، في محاولة منهم لإخفاء فشلهم في التشبث بالوسطية.

18