يوريكو كويكي حاكمة طوكيو الأولى في التاريخ

الأحد 2016/08/14
يوريكو كويكي يابانية تولعت بالثقافة العربية تنضم لنادي النساء القويات

لندن- “أريد طوكيو يلمع فيها الجميع، من الأطفال إلى المسنين والمعاقين، لتصبح حياة الجميع أفضل. سأتبع سياسة غير مسبوقة، ستصبح طوكيو كما لم تروها من قبل”.

بهذه الكلمات انطلقت اليابانية يوريكو كويكي مخاطبة الجماهير التي منحتها الأصوات في سباق الانتخابات على منصب عمدة العاصمة اليابانية طوكيو، لتكون بذلك المرأة الأولى في تاريخ البلاد التي تنجح بالوصول إلى هذا الكرسي الذي شابته صراعات سياسية حزبية أطاحت بالكثيرين قبلها بسبب اتهامات بالفساد.

كويكي الغارقة بالشرق البعيد عن اليابان كما يقول عارفوها عن قرب، تتقن العربية بطلاقة متحدِّثيها، فالمرأة تخرجت من قسم علم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاهرة العريقة في مصر. حيث وصلت إلى القاهرة مع مطلع سبعينات القرن العشرين لتتعلّم اللغة العربية بعد أن أقنعها والدها يوجيرو كويكي، الذي كان يشتغل بتجارة مواد الطاقة وخصوصاً البترول، بتعلِّم العربية نظراً لإيمانه بضرورة تعزيز العلاقات بين اليابان الفقيرة بالموارد الطبيعية مع الدول المُنتجة للنفط بوصفها مركز إمداد مستقر من الذهب الأسود.

في الخامس عشر من العام 1952 وُلدت كويكي في مدينة آشيا في مقاطعة هيوغو غربي اليابان. درست في منطقتها، قبل أن تنتقل إلى جامعة غاكوين في عام 1971 لدراسة علم الاجتماع. وبعد عام واحد فقط قادها الطريق العلمي نحو مقاعد اللغة العربية لتدرسها عاماً كاملاً في الجامعة الأميركية في القاهرة، ثم انتظمت بدراسة علم الاجتماع في العاصمة المصرية حيث أنهت دراستها الأكاديمية هناك عام 1976.

إتقانها للعربية والإنكليزية إلى جانب لغتها الأم مكنّها من الولوج إلى حقل الترجمة القانونية. فبرزت في هذا المجال عدة سنوات قبل أن تنتقل للعمل كمترجمة فورية ومذيعة في التلفزة الوطنية اليابانية، ومن هنا كان طريق الأضواء سالكاً لها حيث بدأ اسمها يتردد في الأوساط الشعبية وهذا ما دفعها إلى دخول اللعبة السياسية خاصة وأنَّ نشأتها كانت في بيت حمل طابع الممازجة بين الاقتصاد والسياسة معاً.

الاتجاه نحو الحملات الاجتماعية يمكن كويكي من كسب أصوات الملايين، تلك الحملات التي كانت أولاها في عام 2003، حين أطلقت دعوتها للمجتمع الياباني لارتداء ملابس أكثر تحررا في الصيف بهدف الحد من استخدام مكيفات الهواء ولمكافحة الاحتباس الحراري في اليابان. فضلا عن حملات النظافة والحفاظ على التراث الياباني

كويكي في البرلمان

مع مطلع تسعينات القرن الماضي انضمت يوريكو كويكي إلى حزب اليابان الجديد ليتم انتخابها في عام 1992 عضواً في مجلس مستشاري الحزب الجديد ولتكون هذه العضوية بوابتها لدخول البرلمان الياباني لدورتين متتاليتين كممثلة عن مقاطعة هيوغو الثانية، وفي الانتخابات النيابية عام 2000 دخلت يوريكو في الحزب المحافظ ممثلة عن مقاطعة هيوغو6 لتنتقل بعد عامين فقط إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي.

في تلك الفترة البرلمانية من حياة كويكي تنقلت بين العديد من المناصب الإدارية في لجان خاصة بالمجلس النيابي. لتبدأ بالاتجاه نحو الحملات الاجتماعية التي كانت أولها في عام 2003، حين أطلقت دعوتها للمجتمع الياباني لارتداء ملابس أكثر تحرراً في الصيف بهدف الحد من استخدام مكيفات الهواء ولمكافحة الاحتباس الحراري في اليابان. فضلاً عن حملات أخرى كانت تُعنى بالبيئة والنظافة والحفاظ على التراث الياباني من خلال التمسك بالأزياء التقليدية التي تحرص كويكي دوماً على الظهور بها خلال اللقاءات العامة التي تجريها ممثلةً لبلادها.

بعد الفترة البرلمانية دخلت الحياة السياسية لكويكي بعداً آخراً حين تولَّت حقيبة وزارة البيئة في اليابان بعد ترشيح الحزب الليبرالي الديمقراطي لها وهو ذات الحزب الذي أوكل لها في وقت لاحق، حقيبة وزارة الدفاع في البلاد بعد الإطاحة بالوزير السابق بسبب فضيحة تنصُّت. وصفت يوريكو عملية تطويق تلك الفضيحة، حينها، بالمعركة الحقيقية. لتبدأ منذ أغسطس من العام 2007 مشروعها الخاص بوزارة الدفاع والقائم على تفعيل قوانين مكافحة الإرهاب في البلاد التي عانت ويلات الحرب العالمية الثانية. في سنوات اشتغالها في العمل الحكومي الوزاري حرصت كويكي على زيارات منتظمة إلى أقطار الوطن العربي، حيث سعت إلى بناء جسور التواصل اعتماداً على إتقانها للغة العربية و اقتناعاً منها بضرورة تعميق العلاقات بين طوكيو وعواصم البلاد العربية.

الطريق نحو الرئاسة

كويكي حريصة على التراث الياباني والثقافة العربية

في سبتمبر من عام 2008، أطلقت كويكي حملتها الانتخابية نحو رئاسة الحزب الديمقراطي الليبرالي الحرّ، وخطبت في كوادر الحزب بكلمات لم ينسها اليابانيون، حول استراتيجيتها التنموية للمجتمع الذي يعاني من الجمود، تلك الانتخابات التي أسفرت عن خسارتها لرئاسة الحزب وفوز تارو اسو بما يقارب من 351 صوتاً.

مع مطلع العام الحالي بدأت التجاذبات السياسية في العاصمة اليابانية تطفو على السطح، خاصة عقب الحديث عن فضائح مالية واختلاسات وتلاعبات تتعلق بتنظيم دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو 2020، العاصفة السياسية في العاصمة طوكيو بدأت عقب استقالة عمدة المدينة ناوكي إينوزيتول في ديسمبر من عام 2013، ليخلفه ماسوزوي الذي استقال في يونيو، حزيران من هذا العام، بعد أن تم تداول شُبهات بالفساد تحيط بولايته ومسؤوليته عن مخالفات تتعلق بتنظيم دورة الألعاب الأولمبية المقبلة في طوكيو.

في تلك الظروف وجدت كويكي الظروف مواتية لإعلان ترشّحها لكرسي حاكم العاصمة طوكيو، ترشيح لم يلق دعماً وقبولاً من الحزب الديمقراطي الليبرالي الحرّ الذي دعّم منافسها هيرويا ماسودا. مما دفعها لتخوض الانتخابات كمستقلة أمام 22 مرشحاً آخرين، ولتوصلها هذه المغامرة في نهاية المطاف إلى الفوز بأصوات الناخبين في الحادي والثلاثين من يوليو الماضي، ولتكون أول امرأة تعتلي هذا المنصب في تاريخ اليابان الضارب في التاريخ البعيد.

النتائج التي أظهرت فوز كويكي على أقرب منافسيها بنحو سبعمئة ألف صوت، وضعَتها أمام ملفات عالقة وقضايا متنوعة. ربما يكون أبرزها تحديات الإشراف والتنفيذ لأولمبياد طوكيو 2020، التي تحوم حولها اتهامات بالرشوة تخضع للتحقيق في القضاء الفرنسي الذي يتولّى هذه القضية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن للملف أبعادا اقتصادية، حيث تضاعفت الكلفة الإجمالية لتنظيم البطولة الدولية ما يقارب ثلاث مرات للكلفة التقديرية المالية الأوليّة التي تم على أساسها الاعتماد الداخلي لترشيح العاصمة اليابانية التي تعاني أساساً من التعرض الدائم للتصدُّعات الزلزالية الجغرافية.

إتقانها للعربية والإنكليزية إلى جانب لغتها الأم مكنها من الولوج إلى حقل الترجمة القانونية. فبرزت كويكي في هذا المجال عدة سنوات قبل أن تنتقل للعمل كمترجمة فورية ومذيعة في التلفزة الوطنية اليابانية، ومن هنا كان طريق الأضواء سالكا لها حيث بدأ اسمها يتردد في الأوساط الشعبية

الملفات العالقة

كويكي اليوم أمام اقتصاد تملكه العاصمة طوكيو يعادل في قدرته المالية اقتصاد سنغافورة ويمثِّل خمس اقتصاد اليابان، هذه الملاءة المالية الكبيرة التي تشمل أكثر من 80 ألف مصنع تقوم بتشغيل أكثر من مليون ونصف مليون عامل، يعملون في صناعات عديدة أبرزها الطباعة والنشر وعالم الإلكترونيات، تحتاج إدارة ملفات الاقتصاد فيها على جبهات متعددة إلى خطط عديدة تتعلق بالتنمية الداخلية والاجتماعية والصحية والخدَمية والتعليمية التي أعلنت الحاكمة الجديدة بأنها ستسعى للتصدي لنقص مدارس الأطفال في المدينة، واختصرت كلماتها حين تم إعلان النتيجة بقطع وعد للناخبين بأنها ستتولّى إدارة طوكيو بطريقة غير مسبوقة، وبأنَّ العاصمة ستكونُ كما لم يرها أحد من قبل.

مدينة يقطنها مع ضواحيها ما يقارب ربع عدد سكان اليابان، تقع شرق البلاد عند نهاية خليج طوكيو الشمالي الغربي الممتد على سهل كانتو، لتكون بين نهر آيدو شمالاً وشرقاً ونهر تاما جنوباً، مُقسَّمة على 23 حيَّاً، ولتمتد على أكبر رقعة منخفضة في البلاد حيث ترتفع فقط ما يقارب 24 متراً عن سطح البحر.

العدد الهائل من السكّان في طوكيو يسبب تلوُّثاً بيئياً كبيراً، ويمثل هذا التلوث تحدِّياً إضافياً على طاولة الحاكمة الجديدة كويكي، خاصة وأن الأخيرة ضمّت في خطة ترشُّحها للانتخابات، بيانات تتعلق بتطوير السياحة في العاصمة التي تضم معالم تاريخية مثل القصر الإمبراطوري وبرج طوكيو والمعابد البوذية القديمة، التي يمثِّلُ معبدُ كانون التاريخي جوهرتها الفريدة إلى جانب المتاحف المتنوعة.

كويكي تواجه اليوم اقتصاداً تملكه العاصمة طوكيو يعادل في قدرته المالية اقتصاد سنغافورة

العرب بعيون يابانية

قبل فترة وجيزة صدر كتاب عن دار الجمل بنسخة عربية للمستعرب الياباني نوبواكي نوتوهارا حمل اسم “العرب بعيون يابانية”. في فصوله العديدة قدَّم الكاتب سبراً للذات اليابانية التي يحملها في جيناته، في محاولة منه لإبراز آثار الثقافة العربية فيه. لا شك أنَّ كويكي اطَّلعت على ذلك الكتاب بخاصة أنها تخرجت من الجامعة المصرية ذاتها التي درس فيها نوتوهارا الذي وصل بعد ما يقارب نصف قرن من دراسته للعرب بأن اكتشاف الثقافة العربية لا يتم من خلال الكتب، بل من خلال الاحتكاك المباشر مع المجتمعات التي تحمل قيَم وعمق الثقافة العربية العريقة.

وهذا بالضبط ما فعَلَته عمدة طوكيو الجديدة حيث حرصت خلال مسيرتها السياسية على رئاسة لجانٍ عديدة لإدارة محاور الصداقة اليابانية مع أقطار عربية عديدة. وفي ذات الوقت اشتغلت خلال وجودها في البرلمان الياباني على إنجاز توأمة بين العديد من المُدُن العربية والعاصمة اليابانية، ذلك أن التوأمة بين المدن في العالم مشروع عظيم يستحق الدراسة والاستفاضة والبحث لما يحمله من أبعاد حضارية وتاريخية وتكنولوجية في ذات الوقت.

اليوم في العام 2016 دخلت يوريكو كويكي التاريخ بوصفها المرأة الأولى التي تحكم طوكيو في تاريخ اليابان، فهل تستطيع أن تنجح يوماً ما في تعزيز العلاقة التي تربطها بالعربية من خلال تنمية المجتمعات العربية وتعزيز الاتفاقات الكبرى بين مدينتها ومدن عربية كبرى لا تقل عراقة عن طوكيو؟
9