يوسف الشاهد سياسي طموح يكتوي بنار السلطة

السبت 2017/05/06
يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسي الذي يختبره الشعب

تونس- أول اختبار حقيقي واجهه يوسف الشاهد لحظة تعيينه لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية في أول بروز له بالمشهد السياسي في تونس كان بربط اسمه بالأسرة الحاكمة (إن جاز التعبير). وتم وصفه حينها بأنه “رجل المهام الخاصة لدى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي والمقرب من تخوم الأسرة وعالمها”.

قبل ذلك لم يكن يعرف عنه الكثير لدى فئات واسعة من التونسيين، لكنه مع أول ظهور له دخل عالم السياسة من أوسع أبوابها. يوصف بالشاب الخجول غير القادر على ترتيب أفكاره ولا الاسترسال في الحديث، لكنه يبدو عكس الصورة التي رسمها له خصومه تماما سواء وفق ما يقر به رفاقه في الحزب الجمهوري الذي كان من مؤسسيه في 2012 كعضو بالمكتب السياسي والهيئة السياسية قبل أن ينضم في 2013 إلى حركة نداء تونس ليكون عضوا في المكتب التنفيذي مكلفا بالبرنامج السياسي لحملة الانتخابات الرئاسية 2014، أو أثناء اللقاءات الصحافية والاجتماعات الحصرية التي يعقدها مع القنوات التلفزيونية والزيارات التي يقوم بها إلى أكثر من بلد.

من يتذكر أول خطاب للشاهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية في مجلس نواب الشعب (البرلمان التونسي) يوم 20 أغسطس 2016 أثناء عرض أعضاء حكومته لنيل الثقة، خطاب عميق جدا في كلماته ومعانيه. تحدث الشاهد، حينها، بلغة بسيطة وسلسة ومفهومة لدى شرائح واسعة من التونسيين. أول مرة في سجل الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011، على كثرتها، يتطرق الرجل إلى الكامن في عمق ما يحوم حول التونسيين من تحديات، ويشرح بالتفصيل مفاصل المخاطر المحدقة بالبلاد ويقف عند أدق الثنايا المؤدية إلى العلاج والتعافي.

خطاب لم يصل

يبدو أن ذلك الخطاب إما أنه فُهم مغلوطا، وإما أنه لم يصل أصلا إلى عمق شرائح واسعة من التونسيين؟ العودة إلى ذلك الخطاب مهمّة ولها أبعاد عديدة. أولا لجهة المصارحة التي تحدث بها أول رئيس حكومة حول الواقع والرهانات التي تنتظر التونسيين على مستقبلهم. ثانيا لجهة الالتزامات التي حددها ضمن أولويات برنامج حكومته ويأتي على رأسها محاربة الفساد والتشغيل والنهوض بالاقتصاد المتعثر. وثالثا لجهة التعويل على الطاقة الشبابية ومنحها حيّزا من برنامج نشاطات حكومته في المرحلة المقبلة وأولها التشغيل.

ما حصل في حكومة الوحدة الوطنية التي لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر لم تقدر على إنجازه ثماني حكومات سابقة وأولها حكومة الترويكا المحسوبة على الإسلاميين. كانت الفترة حافلة بالإنجازات والمشاريع التي أعاد يوسف الشاهد إحياءها وبعث الروح فيها من جديد على غرار مشروع المرفأ المالي، الذي تتولى تمويله دولة البحرين، وغيره من المشاريع. لكن لمن يضعون عصابة سوداء على عيونهم يقول لهم البعض إن مسار الإصلاح الفعلي في تونس بدأ يشق طريقه منذ قدوم هذا الرجل.

رجل المهمات الخاصة

رئيس الحكومة يستبق أحيانا الأحداث الجارية في بلده ليعلن شرعيتها ويطالب بالمزيد في كل التحركات المطالبة بالتنمية والتشغيل. تجلى ذلك في تعليقه على الاحتجاجات الجارية في محافظة تطاوين في جنوب البلاد بقوله إن "تطاوين لا تستفيد بالشكل الكافي من فرص العمل في القطاع النفطي"

ولد الشاهد في 18 سبتمبر 1975 بتونس. وهو يراوح بين خطتين مهنيتين، أستاذ جامعي وخبير دولي في السياسات الفلاحية. تحصل على الدكتوراه في العلوم الفلاحية من المعهد الوطني الفلاحي بباريس بعد أن نال شهادة العلوم المعمقة في اقتصاد البيئة والموارد الطبيعية. وتحصل على شهادة مهندس في الاقتصاد الفلاحي من المعهد الوطني للعلوم الفلاحية، ليشتغل من 2003 إلى 2014 كخبير دولي في السياسات الفلاحية لدى العديد من المنظمات الفلاحية الدولية كالاتحاد الأوروبي ومنظمة التغذية العالمية “فاو”.

اختص في متابعة السياسات الفلاحية بتونس والمغرب بالتنسيق مع وزارتي الفلاحة في كلا البلدين. ثم تولى وضع وتخطيط سياسات التعاون في ميدان الأمن الغذائي وتطوير الشراكة الفلاحية بين تونس والولايات المتحدة. واشتغل أيضا على إنجاز المشاريع الفلاحية والدعم التقني وتدريب الإطارات. وإلى ذلك عمل الشاهد في مجال التعليم العالي، حيث شغل خطة أستاذ مساعد بجامعة ران واحد بفرنسا ثم أستاذا بالمعهد الأعلى الفلاحي بفرنسا. كما درّس بجامعات في البرازيل واليابان وله العديد من الإصدارات والمشاركات في المجلاّت والتظاهرات العلمية العالمية.

تطوّر السلم الوظيفي ليوسف الشاهد مرّ دون جدل، فالشاب الأربعيني يمتلك من المؤهلات والخبرة ما يجعله يتقلد أعلى المناصب. يملك الشاهد علاقات واسعة داخل تونس وخارجها ما أتاح له التواصل مع العديد من الرؤساء وأغلب الزعماء الدوليين في المحافل الدولية التي حضرها أو حضرها بالنيابة عنه ممثلو الحكومة. رفع الرجل في لقاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بألمانيا كل اللاءات دفاعا عن حدود بلاده وتمسكا بالمنهج الذي تسير عليه تونس.

في المقابل كان حضوره لافتا في المؤتمر الاقتصادي الذي احتضنته تونس العام الماضي، داعيا كل الحاضرين إلى مساندة ومعاضدة التجربة الديمقراطية الوليدة على الاكتمال والنضج.

بدوره يعلم الباجي قائد السبسي جيدا أنه أصاب الاختيار بتعيين الشاهد رئيسا للحكومة في ظرف يوصف بالحرج جدا. اختيار الشيخ الضالع في السياسة لم يكن اعتباطيا، رغم ما يحاك في الكواليس عن علاقة مصاهرة وتقديم الشاهد لخدمات للسبسي الابن في معركة هيمنته على حزب نداء تونس.

مدبرو المكائد والناشطون في الاتجاه المعاكس، خصوصا من الأحزاب المعارضة للائتلاف الحاكم، يبنون أطروحاتهم على علاقة ولاء مطلق تربط بين قصر قرطاج ورئاسة الحكومة بالقصبة، فيما ينبهر زائر تونس بمشهدية سياسية مبنية على نحو عال من التشخيص والتدبير بين المكوّنين في كل استحقاق هام وكلّ تملل شعبي على غرار الاحتجاجات الأخيرة في الجنوب التونسي.

مدبرو المكائد والناشطون في الاتجاه المعاكس يبنون أطروحاتهم على علاقة ولاء مطلق تربط بين قصر قرطاج ورئاسة الحكومة

وحش السياسة

كثيرا ما أخرجت تصريحات رئيس الحكومة عن سياقها الرسمي لتوظف بأسلوب القصّ والمراوحة والحبكة في الإخراج لإظهاره في مظهر الداعي إلى أن الباجي مثلا “وحش السياسية لأنه أنهى عهد الترويكا وتحالف المؤلفة قلوبهم”، في إشارة إلى إنهاء هيمنة حركة النهضة، ليعود ويصبح أبرز مدافع عن فكرة الائتلاف مع النهضة يعززها بقوله إن “الباجي خبير في السياسة لقيامه بهذا التحالف”.

حالة غليان شعبي تعيش على وقعها تونس هذه الأيام نتيجة فورة من الاحتجاجات، يعكسها خطان متوازيان. الخط الأول مطلبي اجتماعي ينادي بالمزيد من الاهتمام بالجهات الداخلية ويطالب بالتنمية العادلة. فيما بدا الخط الثاني الأكثر جلبا لاهتمام الشارع التونسي بالنظر إلى أهميته وتوقيته بالموازاة مع ما تعيشه تونس من أحداث احتجاجية. يتمثل عنوان هذا الخط في مشروع قانون المصالحة الاقتصادية المثير للجدل لإعفاء مسؤولين ورجال أعمال من نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي متهمين في قضايا فساد مالي.

نجاحات وإخفاقات

اليوم يمرّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد بامتحان صعب يضاعف كمّ الأسئلة فيه المطلبية الاجتماعية الملحة في الداخل فيما الملفات الموضوعة على سلّم أولوياته كثيرة ومعقدة. يوسف الشاهد يدرك ذلك جيدا. يدرك أن الوضع المعقد في بلاده لن يحول دون مواصلة المهمة الموكولة إليه، لكنه في المقابل يعترف أيضا بالمقاربة التنموية والاقتصادية التي لم تفلح فيها بلاده.

يقول الشاهد في معرض حديثه أمام أعضاء البرلمان بعد تعديل وزاري أجراه على حكومته مؤخرا “إن بلاده بقدر ما نجحت في مسارها السياسي وانتقالها الديمقراطي فإنها أخفقت في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للتنمية”. لكنه أضاف أن “تونس على السكة الصحيحة لكن الوضع صعب لأن النمو الاقتصادي متعطل منذ 6 سنوات، ولأنه مازال عندنا أكثر من 600 ألف عاطل عن العمل، ولأن وضع المالية العمومية مازال دقيقا وحرجا”.

ما حصل في حكومة الوحدة الوطنية التي لا يتجاوز عمرها بضعة أشهر لم تقدر على إنجازه ثماني حكومات سابقة وأولها حكومة الترويكا المحسوبة على الإسلاميين

أزمة تونس عميقة في نظر الكثير من المحللين والدارسين للوضع الاقتصادي والاجتماعي. سقف المطالب في كل الجهات تجاوز حدا لا يمكن للدولة توفيره. لغة المصارحة والمكاشفة باتت الحل للوصول إلى مخرج من الأزمات، خصوصا الاجتماعية منها، التي ليس بمقدور الدولة أن تواصل غض الطرف عنها.

رئيس الحكومة يوسف الشاهد لم يحد عن هذا المنهج، حتى أنه يستبق أحيانا الأحداث الجارية في بلده ليعلن شرعيتها ويطالب بالمزيد في كل التحركات المطالبة بالتنمية والتشغيل. تجلّى ذلك في تعليقه على الاحتجاجات الجارية في محافظة تطاوين جنوب البلاد بقوله إن “تطاوين لا تستفيد بالشكل الكافي من فرص العمل في القطاع النفطي”، لكنه أوضح في المقابل أنه “من غير الممكن تلبية كافة المطالب”.

بالموازاة مع المكاشفة والمصارحة لا بد من مصالحة اجتماعية حقيقية بين جميع مكونات المشهد السياسي التونسي ومختلف الفاعلين فيه، لا بالتخفّي وراء الدعوات الاحتجاجية والعمل على تحريك المياه الراكدة التي وإن سالت فإنها تهدد بفيضان جارف سيأتي هذه المرة على الأخضر واليابس.

قانون المصالحة يأتي في هذا الإطار لجهة تنظيف الجراح المتعفّنة مما لحق بها، على غرار ما صرّح به زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي سابقا في وصفه لعملية المصالحة مع أعضاء النظام الأسبق والمنتسبين إلى نظام بن علي. الغنوشي قال في حوار تلفزيوني في قناة خاصة “يجب تنظيف الجراح مما لحق بها من تعفن وإعادة مداواتها لتلتئم من جديد”.

لكن الجروح سرعان ما اندملت ووقع ترتيبها بأفضل العمليات التجميلية إتقانا حتى أنها لم تعد ظاهرة للعيان عدا بعض الخدوش البسيطة في الكواليس يقودها منتسبون للراية الإسلاموية دفاعا عن توقهم للعودة من جديد إلى سدة الحكم، وما تحريكهم للاحتجاجات في أكثر من محافظة هذه الأيام سوى مظهر من تمظهرات اللعبة المسروقة آنفا من الذين يعتبرونهم خصوما إلى أن صاروا على خط واحد عنوانه “الصديق العدو”.

12