يوسف الشاهد عراب التحالفات السياسية الجديد في تونس

رئيس حكومة تصريف الأعمال مصر على أن يخلف قائد السبسي سياسيا وينتزع منه لقب "رجل التوافقات" لقدرته على عقد صفقات في محطات مهمة.
الأحد 2020/01/26
الشاهد الممسك الآن بخيوط اللعبة السياسية

تونس – لا يزال المشهد السياسي في تونس يعيش على رمال متحركة بالرغم من مرور ما لا يقل عن ثلاثة أشهر على الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

لكن شكل سقوط حكومة الحبيب الجُملي في البرلمان وتكليف عضو حزب التكتل من أجل العمل والحريات ووزير المالية السابق إلياس الفخفاخ قبل أسبوعين بداية تشكل ملامح هذا المشهد الجديد.

فرئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد الذي نصبه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي يبدو أنه تمكن من الإمساك بخيوط اللعبة السياسية من خلال القيام بدور بارز في الإطاحة بحكومة الجُملي رغم عدم امتلاكه كتلة برلمانية مؤثرة.

الشاهد الوافد الجديد على السياسة، الذي منحه قائد السبسي رئاسة الحكومة و“انقلب عليه” وتمرد على حزبه نداء تونس، يمثل اليوم تحديا لخصومه لاسيما بعد أن أوكلت إلى مرشح حزبه تحيا تونس، إلياس الفخفاخ، مهمة تشكيل الحكومة من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد.

ليس هذا فحسب، إذ تروّج عدة أوساط سياسية في تونس أن الشاهد سيكون ضمن فريق قيس سعيد في ديوانه الرئاسي بعد تفرغه من أعماله الحكومية، وهو ما يؤشر على أنه سيكون من بين مهندسي سياسات تونس في الفترة المقبلة.

وكانت لقاءات الشاهد بسعيد وتحركاتهما معا تشير بالفعل إلى تفاهم بين الرجلين.

المستفيد من تحركات الشاهد هو قيس سعيد الذي يرى في اللجوء إليه لتكليف شخصية برئاسة الحكومة فرصة يغتنمها للمرور إلى نظام رئاسي

ولكن يبدو أن التساؤل الملح الذي لم يجد له بعض التونسيين أسئلة منذ تكليف الفخفاخ يتمحور بالأساس حول ما إذا كان الشاهد قد “غدر” مرة أخرى بحلفاء الأمس الذين ساهموا في الإطاحة بحكومة الجُملي.

للإجابة على تساؤل التونسيين لا بد من التطرق إلى الكتل البرلمانية التي سيمد الفخفاخ يده إليها لتشكيل حزام سياسي لفريقه الحكومي.

ففي أول ظهور له بعد التكليف اختار الفخفاخ أن يعطي لمحة عن هذه التحالفات التي أقصت كتلتي قلب تونس (الكتلة الثانية في البرلمان بعد كتلة حركة النهضة الإسلامية) و الحزب الدستوري الحر، وسيكون الحزام السياسي للحكومة الجديدة متألفا من حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة تحيا تونس وحركة النهضة وكتلة الإصلاح الوطني.

وبالرغم من حديثه عن إقصائه لا يمكن اعتبار الحزب الدستوري الحر الذي تتزعمه عبير موسي تعرض لتهميش رئيس الحكومة التونسية المكلف حيث أعربت موسي منذ صدور نتائج الانتخابات عن ولوج حزبها إلى المعارضة.

معارضة يبدو أن الفخفاخ حاول رسمها كذلك على نحو يساير به المزاج الشعبي التونسي العام من خلال إقصاء حزب قلب تونس الذي يتزعمه قطب الإعلام ورجل الأعمال نبيل القروي، وهو حزب تطاله انتقادات كبيرة بشأن محاولته توظيف العمل الإنساني والجمعياتي لمآرب سياسية.

لكن التخمينات تشير إلى أن هذا الإقصاء يقف وراءه حزب يوسف الشاهد الذي ظل يخوض معركة شرسة طيلة الأشهر الأخيرة ضد القروي.

ورغم المصالحة التي تم الترويج لها قبل إسقاط حكومة الحبيب الجُملي يبدو أن الشاهد أراد كسب ود سعيد مجددا بالعمل على استثناء قلب تونس من “حكومة الخط الثوري” باعتبار أن زعيم قلب تونس قد انهزم أمام سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.

بهذه المقاربة يكون سعيد قد تمكن من إرضاء القاعدة الجماهيرية التي أوصلته إلى دفة الحكم بإقصاء حزب تطاله انتقادات واسعة بشأن قضايا فساد وغيرها.

وهذه الانتقادات جعلت أغلب شباب تونس، بل وحتى الشعب التونسي، ينحازون في الدور الثاني من رئاسيات 2019 إلى سعيد المستقل وغير المسنود من حزب أو جبهة أو ائتلاف انتخابي على حساب القروي.

 إقصاء قلب تونس من الحكومة القادمة يقف وراءه حزب يوسف الشاهد
 إقصاء قلب تونس من الحكومة القادمة يقف وراءه حزب يوسف الشاهد

وبهذه المقاربة أيضا يكون الشاهد قد ساهم في نجاح أولي للرئيس سعيد الذي انتشى أنصاره بتكليف الفخفاخ معتبرين إياه “رجل المرحلة” رغم حصيلة حزبه السابق السيئة في المحطات الانتخابية السابقة وكذلك غياب إنجازات تذكر للرجل عند توليه حقيبتي وزارة السياحة ووزارة المالية في حكومات الترويكا في الفترة الممتدة من 2012 إلى 2014.

وتؤكد هذه التخمينات تصريحات رفاق الشاهد في حزب تحيا تونس حيث علق عضو الحزب والنائب في البرلمان التونسي مروان فلفال على الخيارات التي أعلنها الفخفاخ بالقول إنه “اختار منهج الوضوح بتحديد طبيعة الحزام السياسي والتأكيد على حكومة سياسية مصغّرة لتنفيذ الإصلاحات الكبرى“.

بصرف النظر عن حظوظ حكومة الفخفاخ في المرور أمام مجلس النواب التونسي من عدمه فإن الشاهد لن يخسر نفوذه بل سيكون أحد أهم المتحكمين في المشهد القادم لقدرته على عقد تحالفات مصيرية. فالشاهد تمكن في 2018 من استمالة قيادة حركة النهضة من أجل الإفلات من استقالة كانت “حتمية” بعد دعوة الباجي له إلى فعل ذلك.

لم يتوقف الشاهد عند هذا الحد بل واصل مسيرة عقد تفاهمات حيث نفى حزبه، مع صدور نتائج الانتخابات التشريعية، فرضية مشاركته في الحكم. لكن ذلك لم يدم طويلا حيث أسهم تحيا تونس، عبر عقد تحالف مع كتلة الإصلاح الوطني المتكونة من نواب متحزبين وآخرين مستقلين، وحزب قلب تونس، في الإطاحة بحكومة الجُملي.

إن الشاهد نجح نسبيا في تجاوز أول امتحان عسير بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي خرج منها مكسورا هو وأنصاره، لكنه بحنكة معلمه قائد السبسي تمكن من إعادة حزبه إلى الواجهة ليصبح محط أنظار كل الأطياف السياسية في تونس.

في المحصلة لا يمكن اعتبار الشاهد رجل ظل في تونس إذ لن يستأثر بمكاسب سقوط الجُملي وتكليف الفخفاخ وحده، لكن يبدو أنه مصر على أن يخلف قائد السبسي سياسيا وينتزع منه لقب “رجل التوافقات” لقدرته على عقد صفقات في محطات مهمة.

4