يوسف الشاهد في مهمة اقتصادية مستحيلة

الاثنين 2016/08/22

أول تحرك سيكون على رئيس الحكومة التونسية الجديدة يوسف الشاهد بعد إعلانه عن فريقه الوزاري، القيام به، هو إحداث اختراق، ولو بسيط، في جدار الأزمة الاقتصادية، من أجل ترجمة ما جاء في النقطة الثانية من وثيقة قرطاج على أرض الواقع.

رئيس الوزراء المغمور سيجد نفسه في مهمة اقتصادية مستحيلة؛ إذ أن خزينة الدولة تشكو الفاقة، ومعظم القطاعات التي كانت الداعم رقم واحد للمالية العامة مثل قطاعي السياحة والاستثمار في تراجع، رغم تطمينات المسؤولين بين الفينة والأخرى عن عودة نشاطها، لكن وفي ضوء الوضع الراهن ليس هناك ما يشير إلى أنها ستترك مربع الركود.

إن معظم المؤشرات الاقتصادية في تونس تدق ناقوس الخطر، وغياب الجرأة لدى الحكومة السابقة في تحمل مسؤولياتها جعل تلك المؤشرات سلبية، بل وكارثية، مما نتج عنه تعطل في أغلب شركات الإنتاج ولا سيما توقف إنتاج الفوسفات. وبالتالي كبّد البلاد خسائر فادحة.

أمام الشاهد أرقام مفزعة تنتظر حلولا عملية عاجلة، وليست شعارات أو تنظيرات. فنسبة النمو لم تتجاوز عتبة الواحد بالمئة في النصف الأول من 2016، وحجم الديون الخارجية تجاوزت عتبة الـ25 مليار دولار، أي نحو نصف الناتج الإجمالي الخام، كما أن البنك المركزي يملك احتياطيا من العملة الصعبة في حدود 6.3 مليار دولار فقط، بعد أن كان قرابة 13.5 مليار دولار في 2010.

ليس ذلك فحسب، بل إن تراجع قيمة الدينار أمام اليورو والدولار إلى مستوى تاريخي غير مسبوق، واللجوء إلى التداين من المؤسسات المالية الدولية إذ بلغت قروض تونس هذا العام وحده 20 قرضا باعتراف الرئيس الباجي قائد السبسي، يجعل من مهمة رئيس الحكومة الجديد صعبة للغاية.

كما أن صعوبات الإيفاء بالتعهدات المالية تجاه بعض النفقات نتيجة تزايد الحجم الجملي لكتلة الأجور من 3 إلى 6.5 مليار دولار سنويا مقابل تراجع الإنتاج، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة في الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 0.2 بالمئة بمقارنة مع الثلاثية الأولى من العام نفسه، لتصل إلى 15.6 بالمئة، سيترك آثارا سلبية عاجلا أم آجلا قد تطيح بالشاهد.

وبين هذا المؤشر وذاك يكتوي المواطن التونسي البسيط بلهيب نار الأسعار وانحدار مقدرته الشرائية بصورة غير اعتيادية، بما يترك الباب مواربا على مصراعيه أمام استفحال ظاهرة الاقتصاد الموازي المتمثل في أنشطة التهريب.

ورغم ضبابية الرؤية السياسية وتركة حكومة الحبيب الصيد “الملغومة”، إلا أن الحاجة إلى اعتماد استراتيجية واضحة المعالم أمر ضروري، بعيدا عن المحاصصة الحزبية ولوبيات الفساد التي تعهد الشاهد بإعلان الحرب عليها فور أخذ الضوء الأخضر من البرلمان.

هناك طرق يجب على رئيس الحكومة “الصغير” الأخذ بها لإنعاش اقتصاد بلاده المنكمش، فإلى جانب ما رشحت به خطط حكومة الصيد لتحفيز النمو، فإن استئناف خصخصة القطاع العام على سبيل المثال يبدو أمرا طبيعيا لتعزيز المالية العامة للدولة.

فنظام الخصخصة في تونس ارتكز قبل 2011 بالأساس على توفر عامل مهم وهو الاستقرار الأمني وذلك لضمان ديمومته مستقبلا، لكنه تطلب أيضا شجاعة من قبل الدولة والمستثمرين على حد سواء للدخول في مجازفة قد تنتهي أحيانا بعواقب غير متوقعة.

صحيح أن الوضع الأمني ليس مستقرا بالشكل الذي كان عليه قبل أكثر من خمس سنوات، لكن يبدو أنه في طور الاستقرار تدريجيا. وقد يكون ذلك دافعا لاتخاذ خطوة استئناف الخصخصة لدفع عجلة الاستثمارات باعتماد الدبلوماسية الاقتصادية مع حزمة الإجراءات المتوقع اتخاذها.

ومعلوم أن العلاقة بين الخصخصة والاستثمار في النظام الاقتصادي الرأسمالي علاقة بديهية إذ أن الهدف الرئيسي للخصخصة نظريا، هو دعم الاستثمارات المحلية واستمالة المستثمرين الأجانب لتحفيز النمو وتعبئة موارد إضافية للدولة. بيد أن هذه العلاقة عمليا معقدة للغاية فهي تتطلب رؤية ثاقبة من قبل السياسيين وخاصة وزراء الشاهد لتحقيق الأهداف التي من أجلها تتخذ خطوة “بيع الدولة”، كما يصفها الرافضون لمثل هكذا خطة، والخروج بأخف الأضرار في حالة الإفلاس.

مبررات اتخاذ مثل هذه الخطوة كثيرة، فالحكومة ببساطة قد تلجأ إلى ذريعة عدم جدوى القطاع العام وضعف مردوديته وأنه أصبح يشكل عبئا ثقيلا على الموازنة العامة للدولة. وبالتالي وجب تغيير المعايير الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تحكم القطاع العام بمعايير جديدة تعتمد على السوق وعلى منطق الربح.

وإلى حين بروز مؤشرات جدية في عمل الشاهد على خارطة الاقتصاد لا تزال تونس تدفع فاتورة الوضع الأمني المضطرب في محيطها، والذي يعدّ من أبرز التحديات التي تواجهها بسبب تنامي التهديدات الإرهابية. ورغم أنها سجلت استقرارا أمنيا طيلة الأشهر العشرة الماضية، لكن ذلك لم يشفع لها بالخروج من الدائرة السلبية حتى الآن.

صحافي تونسي

11