يوسف الشاهد في مواجهة لعنة الإصلاحات الاقتصادية المعطلة

شكك خبراء في قدرة رئيس الحكومة التونسي الجديد يوسف الشاهد، على تفكيك الانغلاق الاقتصادي وإخراجه من النفق المظلم، الذي يرزح تحت وطأته منذ أكثر من خمس سنوات، بسبب المعوقات السياسية والاجتماعية.
الخميس 2016/08/11
أموال لا تفي بالحاجة

تونس - تعترض يوسف الشاهد، سابع رئيس حكومة تونسي بعد الثورة العديد من العقبات لتنفيذ وعوده بدءا بخفض الإنفاق العام وحل ملفات التقاعد والقطاع البنكي والضرائب، التي تعطلت بسبب الاحتجاجات، فضلا عن ضغط النقابات وتصدي السياسيين لها.

ورغم التقدم على الصعيد الديمقراطي بعد ثورة يناير 2011، إلا أنه لم يتحقق شيء على المستوى الاقتصادي فلا فرص عمل للعاطلين ولا نمو يلبي مطالب اليائسين ولا إصلاحات هيكلية لسدّ العجز المتواصل في الموازنة حتى الآن.

ومع أن الشاهد لن يجد صعوبة على الأرجح في الحصول على ثقة البرلمان، لكن ستتعين عليه قيادة السفينة بتأن في مواجهة موجة صدّ نقابية واحتجاجات اجتماعية أسقطت محاولات الحكومات السابقة لتمرير حزمة من التضحيات “المؤلمة” لإنعاش اقتصاد البلاد.

وحتى قبل أن يشكل حكومته قدّم الشاهد وعودا جريئة، ولكن خدمات الدين الكبيرة التي يتعين على تونس تسديدها العام المقبل وضعف إيرادات الدولة بشكل غير مسبوق وعدم الاستقرار السياسي قد تجعل مصير رئيس الحكومة الشاب مشابها لمصير سابقيه.

وقال في مؤتمر صحافي بعد تكليفه من قبل الرئيس الباجي قائد السبسي بتشكيل حكومة تخلف حكومة الحبيب الصيد “نحن في مرحلة دقيقة. نحتاج إلى قرارات استثنائية وتضحيات” جسام.

وأكد على أن أولويته المطلقة ستكون مكافحة الفساد وكسب الحرب على الإرهاب ودفع النمو وإيجاد توازانات مالية، متعهدا بالكشف بصراحة للتونسيين عن حقيقة الوضع المالي والاقتصادي للبلاد.

الشاذلي العياري: عائدات الضرائب العام القادم لن تكفي لتغطية رواتب موظفي القطاع العام

وقد اتخذ السبسي خطوة تكليف الشاهد بتشكيل حكومة وحدة وطنية حتى تكون لديها الجرأة الكافية لتطبيق دولة القانون في مواجهة موجة الاعتصامات والإضرابات وتنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها المقرضون الدوليون مثل صندوق النقد والبنك الدوليين.

وعلق المحلل جمال العرفاوي على ذلك بالقول إن “الشاهد تلقى هدية ملغومة، والوضع المالي شبه كارثي. سيجد خزينة الدولة فارغة وسيواجه الكثير من المطالب والاحتجاجات في نفس الوقت الذي يتعين فيه عليه تنفيذ الإصلاحات”.

ويأتي تغيير رأس الحكومة في وقت اقتصادي شبه كارثي وحرج لتونس بعد أن أدّت ثلاث هجمات إرهابية العام الماضي إلى شلل في القطاع السياحي الذي يمثل 8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ناهيك عن تعثر الاستثمارات الأجنبية التي من شأنها توفير إيرادات مالية ضخمة لخزينة الدولة “الفارغة”.

وتسببت أشهر من الاعتصامات قام بها عاطلون عن العمل في تعثر إنتاج الفوسفات وهو مصدر هام لجلب العملة الأجنبية. وقال السبسي إن “تونس خسرت حوالي ملياري دولار في السنوات الخمس الأخيرة” بسبب تراجع صادرات الفوسفات بشكل حاد.

وحذر مسؤولون وخبراء اقتصاد من أن تونس ستواجه أوقاتا صعبة في 2017 مع تسديد ديون تصل إلى ثلاثة مليارات دولار العام المقبل. وأكد محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري الأسبوع الماضي أن موارد الدخل لن تكفي لتسديد رواتب موظفي القطاع العام.

وتمثل كتلة الأجور في القطاع الحكومي حوالي 13.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى المعدلات في العالم، حسب ما ذكرته كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي.

وقال العياري إن “عائدات الضرائب، العام القادم، لن تكون كافية لتغطية رواتب حوالي 700 ألف موظف في القطاع العام والبالغة مليار دينار شهريا (460 مليون دولار)”، مشيرا إلى الحاجة الماسة إلى تمويلات خارجية أكبر في ظل تراجع عائدات قطاعي السياحة والفوسفات.

ومنذ 2011 تواجه تونس ضغوطا من المقرضين الدوليين لدفع الإصلاحات الاقتصادية وخفض العجز في الميزانية وتحسين مناخ الاستثمار والقطاع البنكي. ولكن البعض من إجراءات التقشف واجهت اعتراضا قويا في قطاعات عديدة.

ويرفض المحامون والأطباء الانصياع لقانون ضريبي جديد يجبرهم على إظهار قدر أكبر من الشفافية في مداخيلهم. كما يرفض اتحاد الشغل، ذو التأثير القوي مشروع قانون للرفع الإجباري لسن التقاعد. بينما لا يزال قانون جديد للاستثمار قابعا في رفوف البرلمان منذ فترة طويلة.

وتعهد الشاهد بشن حرب بلا هوادة على الفساد الذي استشرى في البلاد وكان ذلك ضمن أولوياته التي عرضها في خطاب ألقاه عقب تكليفه الأسبوع الماضي. وتشير تقارير محلية ودولية إلى أن ظاهرة الفساد تفشت بشكل غير مسبوق وشملت كل القطاعات بما فيها القطاع الخاص وقطاع الخدمات والصحة والأمن والقضاء والجمارك.

وكان الصيد، رئيس حكومة تصريف الأعمال حاليا، قد قال أمام البرلمان في أواخر يوليو إن “الحرب على الإرهاب أسهل من الحرب على الفساد”، في إشارة إلى تغلغل هذه الآفة في أغلب مفاصل الدولة وفي العديد من القطاعات، مما يهدد الاقتصاد بفقد نقاط مئوية في النمو الاقتصادي.

كما حذر شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الشهر الماضي من أن تونس على وشك أن تتحول إلى “دولة مافيوزية” جرّاء استشراء الفساد في كل القطاعات. ولا تبدو وعود الشاهد بخصوص مكافحة الفساد تسير في طريق سالكة ولا تبدو سهلة المنال والتطبيق، وفق المحللين.

11