يوسف الشاهد والعودة المحسوبة

شهادة الشاهد مهمة لأن الرجل عاش مرحلة الصدام مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بسبب التباس الصلاحيات في الدستور واضطر إلى التحالف مع حركة النهضة لفرض صلاحيات رئيس الحكومة التي يتمتع بها.
الخميس 2021/06/03
يوسف الشاهد يعود إلى الواجهة

يعود رئيس الحكومة التونسي الأسبق يوسف الشاهد إلى الواجهة ثم يختفي ثم يعود ويطلق في كل مرة تصريحات قوية تجلب إليه الأضواء، ولكن دون أن تصدر عنه مبادرة واضحة يمكن أن تقود إلى تحريك الوضع السياسي المعقد، مع أن الرجل يفترض أن يكون محور الاستقطاب بسبب خبرته في الحكم لأكثر من ثلاث سنوات ولاعتبارات تتعلق بحاجة الطيف المحسوب على حزب نداء تونس القديم إلى شخصية جامعة تعيد تعديل المشهد.

منذ فترة ظهر الشاهد كرجل حكيم يدعو جميع الفرقاء إلى تحكيم العقل ويعتبر أن “الحل يكمن في الدخول في هدنة سياسية بين مختلف الأطراف لإنقاذ قطاعي الصحة والاقتصاد”، محمّلا أطراف الأزمة السياسية المسؤولية عن آلاف الأرواح من التونسيين الذين توفوا جراء الجائحة.

وفي حواره الأخير مع “بي.بي.سي” وضع الشاهد إصبعه على سبب الأزمة التي أوصلت البلاد إلى ما هي فيه منذ 2011، وهو النظام الانتخابي الذي قاد إلى ما أسماه تشتيت الحكم، مذكرا بأن الخلافات الحالية بين الرئيس قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي عاشها من قبل المنصف المرزوقي مع حمادي الجبالي، والباجي قائد السبسي مع الشاهد نفسه.

وقال إن الأولوية ليست في تغيير الدستور ولا تغيير نظام الحكم ولا تفعيل الفصول الملغومة، وإنما في توافق واسع يتولى حل مشكلة النظام الانتخابي بالشكل الذي يفضي في أي انتخابات قادمة إلى أغلبية تحكم وأقلية تعارض.

وشهادة الشاهد مهمّة لأن الرجل عاش مرحلة الصدام مع الرئيس الراحل السبسي بسبب التباس الصلاحيات في الدستور، واضطر إلى التحالف مع حركة النهضة لفرض صلاحيات رئيس الحكومة التي يتمتع بها.

يجب أن نعترف بأن النظام الانتخابي، الذي أقرته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، والتي تأسست في ظروف غامضة في 15 مارس 2011، أي بعد الثورة بأسابيع قليلة، هو سبب الأزمة، وأن واضعيه من سياسيين ورجال قانون كان هدفهم ليس المساهمة في تحريك دواليب الدولة بالسرعة والمرونة اللازمتين، ولكن الوصول إلى مشهد برلماني مشتّت لا غالب فيه ولا مغلوب.

وهذا النظام هو نفسه الذي تم إقراره بعد غزو العراق في 2003، وهو الذي يمثل مظلة للمحاصصة الطائفية والعرقية والفساد والميليشيات ويرهن البلاد ويمنع أي محاولة لتقدمها. والمشهد هو نفسه في تونس، ففي عشر سنوات توقفت كل مناحي التطور الاقتصادي وتراجعت المكتسبات الاجتماعية في مقابل تركيز كل الوقت والجهد على الصراعات السياسية.

ونجح هذا المشهد في جلب الاهتمام الإعلامي التقليدي والجديد، وباتت مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص مسرحا للإشاعات والحملات التي لا تراعي أي ضوابط في استهداف الخصوم، وهو أمر جعل القضاء عاجزا عن مواجهته بسبب كثرة القضايا وكثرة المتدخلين وتعقيدات الشبكات التي تدير هذه اللعبة الكبيرة القائمة على اختطاف الرأي العام في اتجاه معركة السيطرة على السلطة والتخلي عن معارك أهم وذات أولوية.

في خضم هذه المعركة، باتت الحكومات المتعاقبة تتحرك بحرية تامة في زيادة الأسعار خاصة المواد المشمولة بالدعم الحكومي، من مواد غذائية ونقل وبنزين، وتستمر الفجوة في الاتساع في مجال التنمية بين الجهات، حيث تستمر المدن الساحلية في الحصول على النصيب الأكبر من الاعتمادات فيما تغرق مناطق الهامش التقليدية في الأزمات، وهو أمر كشفته بشكل واضح إمكانيات المستشفيات المحلية في مواجهة الوباء.

لكن الشاهد اكتفى فقط بالدعوة إلى تغيير النظام الانتخابي، وهو ما يجري تنفيذه في البرلمان بالتحالف بين حزبه المنضوي تحت كتلة الإصلاح وحركة النهضة وتحالفها التقليدي مع قلب تونس وائتلاف الكرامة. لكن لم يقل لنا ما فائدة تغيير النظام الانتخابي، هل الهدف منه الاستعداد لانتخابات 2024، وهي التي لا تزال بيننا وبينها ثلاث سنوات ونصف السنة، ويمكن إجراء هذه التعديلات في السنة الأخيرة ولا داعي للاستعجال.

هل أن الحرص على هذه التعديلات التي تتم على قدم وساق في البرلمان من تحالف يضم أكثر من 140 نائبا هدفها هو الاستعداد لأي خطوة مفاجئة بالإعلان عن انتخابات مبكرة، وهو مسار متوقع وتدفع باتجاهه مساعي الحل من الأزمة.

عبير موسي قد تكون مستفيدة من راديكالية خطابها تجاه النهضة
عبير موسي قد تكون مستفيدة من راديكالية خطابها تجاه النهضة

وكانت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل قد تضمنت في جزء منها حديثا عن تعديل القانون الانتخابي، لكن الخطوة الأهم هي متى تتم الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وهل ستكون برلمانية أم تشمل الانتخابات الرئاسية، ومن سيتولى هذه الدعوة رئيس الحكومة أم رئيس الجمهورية كما تستدعي الأصول، وهل سيقبل قيس سعيد بدعوة إلى انتخابات تصب في خدمة خصومه؟

وسيكون من المهمّ أيضا أن تكون الدعوة إلى تعديلات في القانون الانتخابي جزءا من رؤية لأفق المشهد بالنسبة إلى الشاهد، فالمشهد بوضعه الحالي يقول إن أي تعديلات تخص أكبر البقايا أو العتبة الانتخابية ستكون بالشروط الحالية خادمة لحركة النهضة التي هي الحزب المنظّم الوحيد بالرغم مما تحمله استطلاعات الرأي من ترشيح للحزب الحر الدستوري بقيادة عبير موسي.

قد تكون عبير موسي مستفيدة من راديكالية خطابها تجاه النهضة، لكن ذلك لا يعني آليا أنها ستكون الأولى، وهو أمر حدث بنفس التوقعات في فترة الاستعداد لانتخابات 2019، لكن عبير لم تحصل سوى على 19 مقعدا. مع الإشارة إلى أن صعود الحزب الحر الدستوري كان على حساب الأحزاب التي تتحرك في فضائه السياسي، أي مكونات نداء تونس.

وسيحتاج الشاهد ومختلف اللاعبين داخل فضاء المنظومة الحزبية الدستورية بمن في ذلك عبير موسي، والأميرال كمال العكروت، والمجموعات الصغيرة القريبة منهم إلى البحث عن أرضية تحالف أوسع بعيدا عن صراع الرموز، فلا موسي قادرة على التجميع، ولا الشاهد، ولا العكروت، فليس أحد منهم بمنزلة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي.

وإذا كانت الأمور الآن هادئة بسبب غياب الرهان السياسي، لكن مع اقتراب الانتخابات، فإن الخلافات داخل منظومة الدستور ستطفو إلى الواجهة مجددا مثلما حصل خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين الشاهد وعبدالكريم الزبيدي اللذين قطع ترشحهما معا الطريق أمام صعود مرشح للمنظومة في الانتخابات.

ويجري حديث خافت عن صراع خفي على جمهور عبير موسي بين مكونات المنظومة، وهو ما لم تخفه رئيسة الحزب الحر الدستوري في أكثر من تصريح لها، متحدثة عن “مؤامرات” تستهدفها، وآخرها بيان للحزب الثلاثاء يتحدث فيه عن تهميش رئيسته في الإعلام.

إن أهم مستخلصات أزمة السنوات العشر الأخيرة هي غياب كتل سياسية صلبة بخلفيات فكرية وسياسية قادرة على مواجهة النهضة، وليس مجرد تجمعات قائمة على الأشخاص تكون مرتهنة للأزمة وللحسابات الداخلية والخارجية.

وهذا لا يتوفر حاليا لأن ما يحكم المنظومة الدستورية هو ترشيحات فردية براغماتية وليس التقاء سياسيا على أرضية يمكن أن تستعيد جمهور نداء تونس القديم المتناثر بين المجموعات والزعامات. يضاف إلى ذلك ضعف الفريق الثالث الذي يفترض أن يضم قوى وسط اليسار والرئيس سعيد نفسه، وهو تيار يمتلك فرص نجاح جدية لكنّ أداءه المتواضع إلى الآن لا يؤشر على قدرته على أن يتحول إلى قوة أولى.

8