يوسف الصديق: المفسرون الأوائل كانوا فقهاء سلاطين

الاثنين 2013/08/12
الصديق: النخب الثقافية العربية شاخت وتجاوزها الزمن

يعد الباحث الأنثروبولوجي والفيلسوف التونسي يوسف الصديق من أبرز المفكرين الإسلاميين التنويريين بفضل آرائه وأفكاره ومواقفه الجريئة التي كلما صدح بها أحدثت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والاجتماعية والدينية العربية، وكذلك بما راكمه من إنتاجات معرفية قيمة وإصدارات وترجمات نذكر منها ترجمته للفرنسية كتاب "نهج البلاغة" للإمام علي وكتاب "تفسير الأحلام" لابن سيرين، والسيرة النبوية "أقوال النبي محمد" دون أن ننسى ترجمته للنص القرآني.

رغم أن الأسئلة التي يطرحها المفكر يوسف الصديق والقضايا المهمة التي يتطرق إليها في كتاباته تمس صميم الإنسان المسلم وتتعلق بجوهر تراثه كالقرآن والسنة، إلا أن كل ذلك يتم بلغة فولتير وهو ما أبعده قليلا عن القارئ العربي وجعله يحتل مكانة متميزة في الأوساط الثقافية الغربية التي تتلقف كتاباته بلهفة واستحسان، خاصة مع إقامته الطويلة في باريس.

ولعل صدور كتابه "هل قرأنا القرآن؟ أم على القلوب أقفالها" منذ أسابيع في نسخته العربية يعد تفاعلا مهما مع القارئ العربي وفرصة جيدة للاقتراب أكثر من هذا المفكر العربي خاصة، والكتاب أحدث ضجة عند صدوره أول مرة باللغة الفرنسية سنة 2005.

الثورة ونخبتها

بدأنا حوارنا مع يوسف الصدّيق بسؤاله عن قدرة ثورات الربيع العربي على إنجاب أصواتها الإبداعية والفكرية والفلسفية، وهو ما أجابنا عنه بقوله: "ككل الأشياء في العالم النخب قد تشيخ وتتجاوزها الأحداث، وتبقى ثابثة على ما هي عليه أيام الدكتاتورية، الآن بعض النخب وبقطع النظر عن سن أصحابها، لازالت شابة ولازالت فتية، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين هي النخب الوليدة الشابة؟ أنا أعرف شبابا وشابات عمرهم 21 سنة مبرزين في الآداب والفلسفة والرياضيات، ولهم أفكار خلاقة ومميزة لكن توجد نخب تمنعها من البروز والظهور. ويمكن كذلك ملاحظة أن بعض المؤسسات البيروقراطية تمنع مثل هذا الشباب وهذه الطاقات من البروز. ولكن فيما مضى لم تكن الأمور هكذا، فمثلا وعلى سبيل الذكر، الطيب المهيري وغيره من الشباب ممن أسس بهم بورقيبة الدولة الحديثة، كانت أعمارهم في الثلاثينات. كما أن الشابي قال شعرا عظيما وعمره أقل من الثلاثين. هناك طاقات إبداعية شابة موجودة اليوم ولكن ممنوعة من الظهور".

ويضيف الصدّيق متحدّثا عن "شيخوخة" النخب الثقافية التي ينتمي إليها قائلا:"صحيح أنا أنتمي إلى هذه النخب ولكن من هم في سني نوعان: هناك من النخب من شاخت وماتت ولم تعترف بشيخوختها وموتها، والشق الثاني احتفظ بطفولته وشبابه… أنا عندما أضحك مع طفل عمره عامان أكون في سنه، وعندما أريد مساعدته يجب أن أتبع مسألة فهمه وطريقة ضحكته وتفاعله مع الأشياء، فما بالك بمن يكون سنه في الـ21. أعتقد أنني حافظت على شبابي وأنا في شيخوختي، كما أنني مازلت محافظا على فكر وقاد… ومستعد أن أتنازل للذين عمرهم 21 على روح الشباب فيّ… وهي روح مكّنتني من إصدار كتاب "المفاهيم والألفاظ" عندما كان عمري 25 سنة، وكلما أقرأ ما كتبته وأنا في تلك السن لا أنكر منه شيئا، وأستطيع أن أتوقعه.

امتناع القراءة

المفكرون القلائل اليوم لابد أن يعترفوا بموتهم، وأن يتركوا الشباب يحنطهم، وأن يحترمهم كأموات وكتراث. وبصراحة أنا مستعد للتنازل وتشجيع الشباب المبدع وأن أترك له فرصة النشر قبلي، كشاب اسمه كريم العبيدي، له روايات وكتابات كبيرة. وكثر هم الشباب الذين يتجاوزونني بإبداعهم هذه الأيام".

لمّا ذكرنا ليوسف الصدّيق أنّ عبارة "نحن لم نقرأ القرآن بعد" الواردة بكتابه "هل قرأنا القرآن" تعدّ مرتكز فكر الصدّيق وتشي بموقفه الخفي من القراءات القرآنية السابقة، بل إن في عنوان هذا الكتاب اتهاما لهذه الأمة ومفكريها وتاريخها المعرفي، أجابنا بالقول: "أولا من قراءتي يتبين في أوائل السطور أنني أنا أيضا داخل الامتناع عن القراءة، القراءة تمتنع عنا وأنا أتكلم من داخل النسق. سؤال فلسفي أنا ضمنه وأندهش الآن حين أتحدث عن جل المفسرين أو كلهم، فلم يقول الله في سورة التحريم: "أسر إلى بعض زوجاته ببعض الحديث وأخفى البعض"؟، المفسرون يفتحون المسألة. القرآن المصدر الأول والمصدر الأوحد بكل وضوح وبكل دقة قال إن هذه حميمية الرسول ولا يمكن حتى للإله أن يفضحها فتجد سورة تحكي عن زوجة غارت من زوجة زوجها فدست لها شحاء المراح في مضجعها … "أشتم رائحة كريهة" فكذا… فتجد أن التفسير كله قائم على أهم الأخبارعند الناس، وليس مرتكزا على إرادة الفعل وأنا ضمن هذا القسم".

ويضيف الصدّيق قائلا: "لئن وجدتني في إجابتي أتهم نفسي، فإني أقر بحقيقة أن المفسرين مؤسسات حكم، كل المفسرين مؤسسات حكم، فكان المأمون عندما لا يرضى على مفسر يمنعه من التفسير، و يدعو الوراق إلى أن لا يبع له الورق. والناسخ أيضا كان مؤسسة في الأدب العربي، فحين تفتح كتاب "البيان والتبيين" أو "الحيوان" تجد قال أبو عثمان الجاحظ… فمن يتحدث هو الناسخ الذي أملي عليه فقيل له كذا وكذا، ويُعتبر الوراق المؤسسة الأولى، إذ يأتي به الخليفة ويقول له ذلك الكافر ذلك الكذا ذلك الزنديق لا تبع له الورق ، فينتهي الكاتب لأنه لا يجد من يعطيه الأوراق.

المفسرون كانوا كلهم مؤسسات، الطبري ينتمي إلى نوعية الحكم أيام الخلافة، فيما تجد المعتز وقت المأمون، وتجد ابن رشد أيام حرية التعبير في الأندلس ينتمي إلى من تتنوع له أن يكتب فلا يظهر، تعرف أن الشيء المفزع والرهيب أنه لما كتب ابن رشد "فصل المقال" في ما بين الحكمة والشريعة، اختفى الكتاب عن الأفكار لا عن الأنظار لمدة 7 قرون فانتظرنا المستشرق الألماني مولار أن يظهره من المنسوخات العربية وبدأ الناس يتحدثون عن هذا الكتاب في القرن التاسع عشر … سبع قرون لم يتحدثوا فيها عن مأثور واحد. وما قيل عن علاقتنا بالقرآن هي لغة غيبية لا نستطيع أن نبت فيها نهائيا لا يمكن أن يقول إنسان قال الله تعالى في هذا القول وانتهى الأمر".

تحرير المقدس

حول حاجة الأمة إلى المناهج الفكرية الحديثة التي تمكّنها من تحقيق مصالحة مع النص المقدّس، يقول الصدّيق: "نحن نحتاج إلى أن يكون النص عنصر تحرر، لا عنصر سجن للفكر…عنصر حبس للأمن الاجتماعي (أسكت لا ما تتكلمش)، كما نقول في لغتنا الدارجة… هذا عنصر إساءة للأمن الاجتماعي، أنا استأت كثيرا حين علمت أن عائلة فقدت أحد أفرادها وقالو لها إنه سيدفن في الساعة العاشرة صباحا، عوض بعد الظهر أو العصر… وحين سألت لماذا؟ قالوا لأن الميت تارك للصلاة ولا تجوز له صلاة الجنازة … هذه إساءة … هذه قراءة منسكية خاطئة، تسيء للميت، وتسيء للنص القرآني وللعلم..فالله وحده من له الحق والقدرة على المحاسبة والمغفرة…وما أدرانا أن الله لن يغفر له.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى تقييد النص القرآني بآلية فهم وتأويل واحدة فيه إساءة كبرى إلى حرية الفكر… لقد أسأنا فيها إلى الفرابي وابن سينا وابن رشد … الخطر الوحيد والكبير أن نعتبر أن ابن سينا نهائي، وأن الفرابي نهائي، وهذا يندرج في إطار تهميش الفلاسفة، نحن لنا العديد من الفلاسفة وكل فرد يأخذ منهم موقفا خارج المنسك، وخارج التقوى، وخارج ما تعتقد أنه سيوصلك أمنا إلى لقاء الله عز وجل… أترك ذلك. هناك أربعة أو عشرة أشخاص اختاروا الفارابي، هناك حقبة فارابية معينة مثل الحقبة السقراطية والحقبة الأفلاطونية والحقبة الأرسطية، وكل هذا يذهب ويتلاشى كما يمكن أن تعود بعد 20 سنة وتجد إنسانا أفلاطونيا وهذا إثراء معرفي لا يضر".

وفي السياق ذاته، يرى الصدّيق أنّ "الذي يحرر النص من القراءة الدغمائية هو ما كنت أقوله، إنه قريب إلى التيارات الفكرية مهما كانت قديمة، تعود إلى إبن الرواندي، أو حتى صلاح عبد القدوس الذي ذبح من طرف والي الكوفة في ذلك الوقت لأفكاره. الأفكار هي أدنى من البعد الإداني، أنا أحيي الإيمان… وأجمل تعريف للإيمان هو ما قاله سيدنا إبراهيم "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" ما هو الظلم إذن؟ الظلم هو الإسراف، الظلم هو المغالاة، الظلم ليس عبث العدالة (لم تعطني ثمن الهنشير، أو أقرضتك مالا ولم ترجعه لي)، الظلم هو الإسراف بالمعنى القرآني "لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم"، مفهومنا للظلم ضيق والظلم أوسع من هذا بكثير.أنا ضد القراءات الأحادية التي تدخل القرآن في هذه الدغمائية الكبيرة.

يجب أن تنطلق الكلمة لتعطيها أبعادا ليست موجودة الآن، وربما توجد في وقت آخر. أترك الكتاب مفتوحا…تلك هي القراءة، خاصة وأن من أقرأك أكبر منك بالمعنى الكيفي، لا بالمعنى الكمي، أكبر منك ليس لأنه أكثر منك سنوات دراسة، إنما بمعنى لا تحديد له… ولذلك لا يمكن أن أدعي بأنه عندما قال لي كلمة ظلم، أو كلمة حق أنني فهمتها بطريقة نهائية، تلك هي القراءة في الخارطة الدينية، مفتوحة إلى يوم يبعثون، إلى الأبد".

نص للترتيل

وعن قصور القراءات القرآنية السابقة التي يعترض عليها الصدّيق، يفيدنا بقوله: "اعتراضاتي أنها قراءات متأخرة جدا، السبب الوحيد أننا مبكرا سجنا النص في المصحف، وسجنا معه إدراكنا وقراءتنا، وبذلك لم يبق النص صالحا إلا للتلاوة والترتيل، الآن يجب أن نخرج القرآن من سجن المصحف، لا أن نحرق المصحف أو نهدمه ونتناساه لا أبدا، المصحف وثيقة هامة جدا جمعها عثمان ابن عفان وهو مشكور، لكن إساءة الأمويين إلينا إساءة لا تغفر لهم، وأنا أعتبر أن الغفران من الله وحده لأن الله يغفر لمن يشاء …وهم بعد سجن المصحف سجنوا أيضا إدراكنا له، لم يعد إلا للتلاوة والترتيل والإعادة والحفظ، لم يعد للقراءة أبدا، ولست وحدي من أنادي بهذا، نادى بهذا محمد شحرور ونصر حامد أبوزيد والكثير من المثقفين، يا أخي المصحف ملك للقارئ وليس للفقيه فقط ولا للمرتل فقط، ولا للقرضاوي فقط .المصحف ملك لأي إنسان يستطيع فك الحروف وفك المعاني.

15