يوسف الصديق: لا يجب أن تقام المنظومة السياسية على أسس دينية

شكل الإنسان سؤالا بحث عن كنهه الفلاسفة والمفكرون على مختلف الأزمنة. ولم تكن مهمة الإجابة عن هذا السؤال سهلة، حيث يتعرض كل من يحاول التفكير خاصة في ما يخص علاقته بالمقدس أو تفسيره وطرح قراءة خاصة به، إلى المساءلة والنقد والاتهام بالإلحاد من قبل رجال الدين. وهو ما أفصح عنه المفكر التونسي يوسف الصديق في حواره مع “العرب”، لما تعرض له خلال مسيرته الفكرية من نقد لاذع من قبل المتشددين، موجهين له تهما بالإلحاد. ورأى أن طرح أسئلة جريئة من خلال قراءة النص القرآني دون الاكتفاء بالتلاوة، يجعلنا نصمد أمام القوى المعادية للعالم العربي الإسلامي، وهذا ليس بالغريب عن التراث الإسلامي، معلنا براءته من كل تهم الإلحاد التي نسبت إليه.
الجمعة 2017/06/09
يعتقدون أنني شيطان أكبر بينما أنا إنسان عادي أعتقد في القول القرآني

تونس - طالب الباحث والمفكر الإسلامي التونسي يوسف الصديق بألا تقام منظومة سياسية مهما كانت على أسس دينية لأن الأسس الدينية اتجاهها عمودي من فرد مفرد إلى متعال خالق، “بينما الذي يجمعني سياسيا مع الآخر فضاء أفقي أتواصل فيه مع بشر فهذا تناقض ميتافيزيقي جذري بين كلمة دين سواء تعلقت بمسلم أو مسيحي أو يهودي أو بوذي وبين كلمة سياسي”.

وشرح الصديق جوهر فكره لـ”العرب” قائلا “أنا لا أحمل فكرة عن القرآن الكريم. ولا أريد أن أحمل هذه الفكرة. كما لا أريد أن أخوض في مسألة المؤمن والملحد فمن غير اللائق أن يسأل إنسان عن رأيه في الحياة والموت والخالق لأن كل إنسان وكل مفرد له في العالم صورة خاصة به عن كل هذه المسائل. كيف يتصور الموت، والبعث والمعاد وكيف يتصور ما بعد الموت”.

ويرفض يوسف الصديق الذي صدرت له مجموعة من الدراسات التي أثارت جدلا دينيا وسياسيا تهم الإلحاد التي وجهت له باعتبار أن “لكل رأيه وأنا لا أعتقد أن هناك ملحدا في الدنيا. فما دام هناك أفق الموت برأيي ليس هناك ملحد، لأنه لا يوجد من لا يفكر في ما بعد الموت. فهو يفكر في الحساب ويفكر في ما فعله في حياته وأن هناك سائلا سيسأله عما فعله، لذلك أعتقد أنه لا يوجد أحد ملحد. وبطبيعة الحال إذا كان لا يوجد ملحد في العالم كما ذكرت فأنا لست ملحدا”.

ويعد الصديق، وهو الفيلسوف والعالم الأنثروبولوجي الـتونسي المتخصص في اليونان القديمة وفي أنثروبولوجيا القرآن، من أبرز المفكرين الإسلاميين التنويريين العرب، المثيرين للجدل بسبب أفكاره ومواقفه الجريئة في تعاطيه مع النص القرآني.

ويقول المفكر التونسي “أنا أفكر فقط، أشتغل بكل تواضع على مشاغل ربما هي من مشمولات طفولة القرآن وبداياته، حيث لا يمكن لنا بما تمليه الحداثة أن نتغاضى عن أسئلة بسيطة جدا انطلاقا من سؤال ما هو هذا المصحف الذي هو في متناول أيدينا وأنظارنا وعقولنا فنحن لا نميز بين القرآن والمصحف، بينما التراث الأول قال لنا إن هذا المصحف اشتغل عليه أناس أمثالنا”.

يشير المفكر التونسي إلى أن النص القرآني هو الأثر الوحيد الذي يؤسس للدين الإسلامي كما أنه “نتاج تاريخي باعتراف التراث القديم”. وإن “لم نتساءل عن نتائج هذا الطرح البديهي فسنبقى نتلاقف تهمة الإلحاد وإزاحة الآخر من الساحة”. ويعتقد أن هذا يعد “إجراما فكريا”.

أنا لا أحارب الإسلام. أنا أحارب 1400 سنة توقف فيها التفكير حيث وجهنا الاهتمام للمذاهب وأغلقنا باب الاجتهاد

وانطلاقا من هذا السؤال، يشرح يوسف الصديق قراءته للنص القرآني، ومنها مسألة تنقيط الحروف، ويلفت إلى تواجد حقائق ثابتة بخصوص هذه الإشكالية “إذ أنه لم يكن هناك تنقيط للحروف. ومن قام بالثورة الكتابية الذي جعل ‘الخاء خاء والجيم جيما والحاء حاء’ هو الحجاج بن يوسف وهذا حسب التراث الإسلامي. ومن الجيد أن نميز بين خرج وحرج مثلا حيث استطاع الحجاج أن يحل هذه المشكلة بطريقة مثلى”.

والسؤال الجريء والنافذ والمشروع وفق الفيلسوف التونسي هو “أين تقف الجملة في النص القرآني وهو ما أثاره الزمخشري، الأمثلة الكثيرة في النص أنها تستطيع أن تقف في احتمالين أو ثلاثة أو أربعة حيث أن المعنى يتغير وفقها تماما”.

ولفت الفيلسوف التونسي إلى أنه “لا بد أن نواجه هذه الأسئلة المحرجة التي يستغلها أعداء الإسلام ولا بد أن نجيب عليها حتى لا نستسلم لظرف تاريخي يرفض الحوار مع الآخر. كما أنهم لا يتحاورون مع أنفسهم ومع بعضهم البعض”.

ولذلك يشدد يوسف الصديق على التسامح في طرح أفكارنا لكن “دون المساس بالثوابت العقلية والنفسية والإيمانية”.

ويقول “أريد أن أجعل الكتاب قابلا للقراءة لذلك عنونت بكل جدية كتابي ‘نحن لم نقرأ القرآن بعد’ فنحن لم نحصل بعد على أدوات القراءة الحديثة. لدينا أدوات قراءة من القرن السابع من وقت أن وضع عثمان بن عفان المصحف. والقضايا الأخرى كثيرة كقضايا السهولة في ترتيب سور القرآن: الطوال مع الطوال والقصار مع القصار، وهذه ليست حجة معنوية نتبرك بها، إضافة إلى إشكالية التمييز بين الكلمات. كما أنني لا أدعي أن نصنع قرآنا جديدا”.

ويضيف “هذه الأشياء فقط التي أعتني بها، لا أعتني بمعتقدات الآخر، بمن كان حنفيا أو مالكيا، أدرسها أتمتع بها لكن لا أعتني بها وليست مشكلتي كمناضل. فأنا أعتقد كما قال شيخي ابن عربي ‘السبل إلى الله على قدر أنفاس الخلائق’. أؤمن أن كل إنسان مفرد في علاقته بالكون والخالق”.

وفي مسألة إعجاز النص القرآني يعتقد يوسف الصديق أن “إعجاز النص القرآني ليس في اللفظ ولا في الآية ولا في الجملة طبعا عربية القرآن راقية جدا ولا تضاهى، لكن الإعجاز في أن كتابا متوسط الحجم ماديا يجمع كل هذه العلوم وكل هذه الآفاق المعرفية حيث تجد أصداء لعلوم قديمة لم يعرفها الناس، لكن كانت موجودة وحاضرة في القرآن. هذا هو الإعجاز حيث لا يستطيع الإنسان أن يجمع بين كل هذه المعارف والعلوم”.

وعن رسالة كتابه هل “قرأت القرآن أم على القلوب أقفالها”، يقول الفيلسوف التونسي “كل تاريخ الإسلام عاش على سطوة التلاوة والترتيل. فالترتيل عملية لا تخرج من سياق ما رتبه القراء ترتيبا. كما منعنا الترتيل من أن نباشر مسألة القراءة. إذن القراءة ليست التلاوة ونحن اكتفينا بالتلاوة وأعرضنا عن القراءة التي هي أمر واضح في القرآن. فإذا لم تتجرأ ولم تقل بعد البحث هذا هو المعنى، فإنك لم تقدم خدمة للناس”.

ينبغي أن تقام السياسة على أرضية مادية موضوعية قابلة لأن ترقم وتحلل بوسائلنا البشرية ويمكن أن تطعم بأخلاقيات دينية

ويشرّع الفيلسوف التونسي للحق في التساؤل عن كيفية تناول المفسرين القدامى النص القرآني قائلا “كيف يأتي لنا بعد 1400 سنة شخص يكدس لنا من الأحاديث ما يناقض في الكثير من الأحيان النص القرآني حتى أن علماء يقولون إن الحديث ينسخ القرآن. هل هذا معقول أن ينسخ الحديث القرآن؟، وهذا يدرس وموجود في علوم الدين لدينا”.

ويضيف “أن ينسخ القرآن نفسه بنفسه معقول فكلمة نسخ موجودة في القرآن. وأيضا كلمة نسخ تتطلب البحث، لكن كل هذه الاسئلة توقفنا عندها منذ 1400 سنة”.

التشدد والإسلام السياسي

يهاجم رجال الدين يوسف الصديق خلال كل طرح فكري يصدر عنه. واعتبر الفيلسوف التونسي أنه “عانى خلال مسيرته من واجهتين الأولى واجهة الأئمة”. ويقول “يعتقدون أنني شيطان أكبر بينما أنا إنسان عادي أحب الخير وأعتقد في القول القرآني وفي الأديان جميعا فكل من عمل صالحا بالنسبة إلي هو أخ وصديق، لذلك أعلن براءتي تماما مما ينسب إليّ من تهم الإلحاد”.

ويضيف “عدّد الله الأشياء المعروفة، فالعمل الصالح هو الذي يقربنا من الله، لكن المتزمتين يقفون على ‘الحرف’. أما عن الواجهة الثانية فهي من بعض الحداثيين الذين يعتقدون أنني أحارب معهم الإسلام. أنا لا أحارب الإسلام. أنا أحارب ألف سنة وأكثر التي توقف فيها النظر والتفكر، حيث وجهنا الاهتمام للأربعة مذاهب وأغلقنا باب الاجتهاد، إضافة إلى التفرقة بين السنة والشيعة وغيرهما”.

ويفسر يوسف الصديق انتشار الفكر الظلامي بأنه يعود إلى “خوف كبير عمره 1400 عام بسبب الامتيازات لهؤلاء المتزمتين. فتونس مثلا لديها 95 من الأئمة دون المستوى باعتراف وزارة الشؤون الدينية”.

وأوضح أن “تربص القوى المعادية بالعالم العربي الإسلامي والهجوم عليه منذ اكتشاف الطاقة ومحاولة تمزيقه، كل هذا دفع بها إلى الاهتمام بأشياء لا يمكن حلها كالمسألة الدينية”.

وأشار إلى ضرورة الاعتقاد، كما اعتقدت أوروبا في القرن الثامن عشر، باعتبار أن “المسألة الدينية ليست من القضايا التي يشتغل بها المجتمع بل القضايا التي يشتغل بها الفرد باستقوائه بالأخلاق ومخافة الله. أما أن يهتم بما تعتقد به الشعوب والمجتمعات فهو يلهيه عما هو أهم”.

وعن ظاهرة الإسلام السياسي يرى يوسف الصديق أنه “لا يجب أن تقام منظومة سياسية مهما كانت على أسس دينية لأن الأسس الدينية اتجاهها عمودي من فرد مفرد إلى متعال خالق، بينما الذي يجمعني سياسيا مع الآخر فضاء أفقي أتواصل فيه مع بشر فهذا تناقض ميتافيزيقي جذري بين كلمة دين سواء تعلقت بمسلم أو مسيحي أو يهودي أو بوذي وبين كلمة سياسي”.

ولفت إلى ضرورة أن “تقام السياسة على أرضية مادية موضوعية قابلة لأن ترقّم وأن تحلل بوسائلنا البشرية ويمكن أن تطعم بأخلاقيات دينية”.

واعتبر الصديق أن “الإسلام لم يأت دينيا بجديد بما أنه اعترف بما جاء به إبراهيم وموسى وعيسى اعترافا تاما، لكن الجديد أن سيدنا محمد جاء بالأخلاق وكرسها وربطها بمخافة الموت والمعاد والحساب، ومخافة المحاسب الأول الله عز وجل”.

إعجاز النص القرآني في أن كتابا متوسط الحجم يجمع كل العلوم والآفاق المعرفية حيث تجد أصداء لعلوم قديمة لم يعرفها الناس

ووصف يوسف الصديق تحالف حزب نداء تونس وحركة النهضة المنتمية إلى تيار الإسلام السياسي في الحكومة “بالمهلك للبلد حيث قام على شعب النهضة الذي لا يقترع إلا بالاتصال بالغيب. فأن تقترع لإسلامي دون آخر فهذا عين الدجل ولذلك لا أعتقد أبدا بحزب يقوم على أساس ديني”. واعتبر أن “التحالف مع النهضة لا ينفع الشعب ولا المسلمين”.

وأضاف المفكر التونسي أن “من الفضائح الكبيرة اليوم في العالم الإسلامي أن يشتغل الأئمة ضمن نقابات”، قائلا “أتذكر أنه في جيلي كان والدي يـؤمّ الناس، لكن دون مقابل مادي والآن أصبحت هناك نقابات. والغريب أن هذه النقابات تحتج على إمام ما فتعطل صلاة الجمعة فكيف تقوم بإضراب على الجمعة وتمنع الجمعة لأسابيع”.

وكشف يوسف الصديق عن تداعيات التشدد الديني على الفلسفة حيث رأى أنها “مريضة لأن صولة وسلطة الخطاب الديني جعلتاها مهمشة”.

ويقول الصديق إن الفارابي وابن سينا وابن رشد كانوا استحوا أن يقال عنهم فلاسفة. ولو اهتم هؤلاء بالمسألة الدينية لكنا وجدنا حلولا لإشكاليات عدة. ورغم أن ابن رشد عندما أصدر كتابه “الحكمة والشريعة ” عوقب تاريخيا عقابا شديدا. وفي المقابل ساهم هذا الرجل بعد أقل من قرن من شهرته في النهضة الأوروبية. وكان البابا يمنع تداول كتبه التي تداولها الناس خفية، وهي صنعت بمقدار كبير النهضة الأوروبية والانعتاق الأوروبي من الكنيسة، بينما نحن سكتنا عن فكره وفلسفته 7 قرون. وبدأنا في النصف الثاني من القرن العشرين بالاهتمام به وعلى مدى 7 قرون لم ننتبه إلى الرجل الذي ثور أوروبا ثورة صحيحة.

الإسلام والإنسان

ودعا المفكر التونسي إلى ضرورة أن نتجاوز مرحلة المؤمن المسلم إلى مرحلة الإنسان حيث أن “مرحلة الإنسان لو أقبلنا عليها ستطيح بالتمييز بين الأديان. ونلاحظ أنه ذكر الإنسان في القرآن دون وصف. كما أن الإنسان أقرب الكائنات إلى الخالق الذي طلب من الملائكة أن تسجد له”.

ويضيف الصديق “مرحلة الإنسان لا بد أن نواجهها بكل صدق وهي التي ستخول لنا مستقبلا أن نكون خليفة الله في أرضه. ولا بد لمرحلة الخلافة وهي المرحلة النهائية أن تمر بمرحلة الإنسان التي لم نواجهها إلى حد الآن. فالإسلام أن تكون ضمن سنة الله وألا تكون لسنة الله تبديلا وهذا الأقرب لمرحلة الإنسان فعندما تقرأ كلمة الإنسان في القرآن ترى من خلالها كل الكرة الأرضية دون صفة أو لون أو تمييز”.

وتطرق يوسف الصديق في ختام حواره مع “العرب” إلى رحيل المفكر التونسي محمد الطالبي، معتبرا أنه ترك في المسائل الدينية جدالات وأبلى بلاء حسنا في الكثير من المداخلات خاصة في تحديد حيرة المسلم، غير أن التراث الذي تركه في مجال الدين تراث جدالي ليس بالتراث العلمي وهو تراث إنسان مؤمن بما عليه مجاوزته من المستنقع الذي تعيشه العلوم الإنسانية اليوم.

12