يوسف المحيميد: الروائي العربي يمشي دائما في حقل الأشواك

الخميس 2015/04/02
يوسف المحيميد يرعى زهرة الفن في صحراء التابو

الرياض - تتناول رواية “غريق يتسلّى في أرجوحه” للكاتب السعودي يوسف المحيميد حياة سينمائي سعودي شاب، يعيش وحيدا في الرياض حيث السينما فعل محرّم، لا يسمح بها، لكنه رغم ذلك يقوم بإخراج الأفلام السينمائية القصيرة بشغف، ويرى العالم من خلال عدسة سينما، ويشارك في المهرجانات والمسابقات الخليجية، فيعيش من خلال هذه الدراما في مفارقة غريبة يعيشها كفنان مقصيّ في الداخل، ومحتفى به في الخارج.

بعد رواياته: “لغط موتى”، “فخاخ الرائحة”، “القارورة”، “نزهة الدلفين”، و”الحمام لا يطير في بريدة”، تقدّم الروائي السعودي يوسف المحيميد مؤخرا لقارئه بروايته الجديدة “غريق يتسلّى في أرجوحه” عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء، والتي من المتوقع أن تثير الجدل في الأوساط الدينية والاجتماعية بسبب موضوعها المحرم في الداخل السعودي.

البطل والسينما

يستيقظ الشاب في شقته الجديدة بشارع العليا، التي كانت شرفتها تطل على مقبرة، ومن هنا تبدأ معاناة الخوف من الموت، رغم أن حياته تتقاطع مع فتاة يلتقي بها مصادفة في أحد المهرجانات، ويحضر معها الأفلام كل ليلة، عبر التواصل الإلكتروني، فهي في منزل أهلها بجدة، وهو في شقته بالرياض، يبدآن الفيلم في وقت واحد، ويتابعان أحداثه معا، كما لو كانا بجوار بعضهما البعض “كنت أسمع أنفاسه، وحين يريد أن يعلّق على مشهد ما، كان يفعل ذلك بهمس لا أكاد أسمعه، وحين أطلب منه أن يرفع صوته، كان يوشوش أذني: اششش، لا نريد إزعاج الآخرين. كان يوهمني أننا في قاعة سينما، وعلينا أن نحترم قوانين الصالة، فأسخر منه: قصدك قوانين اللعبة؟ فينهرني وهو يكتم بداية ضحكة مواربة”.

يشير الناشر في كلمة الغلاف “تتناول غربة الفرد ووحدته، في مجتمع مستبد، فلا يجد أمامه سوى مواجهة القبح بالجمال، ومقاومة القسوة والعنف بالفنون وحدها؛ فليس أمام فيصل، المخرج الشاب لأفلام سينمائية قصيرة، إلا رؤية هذا العالم الغريب عبر عدسة الكاميرا، حين يصبح العالم مجرد فيلم، هو أحد أبطاله”.

الكثير من النقاد والأدباء العرب يدركون أن الرواية السعودية قطعت خطوات واسعة من الحضور والانتشار عربيا وعالميا

الرقيب والتابو

مناخات الرواية السعودية محكومة بالرقيب السياسي والاجتماعي والديني، فتتسع أسئلتها وتضيق وفق فضاء هذا السقف، من هذا المنطلق سألت صحيفة “العرب” الروائي المحيميد، كيف يرى سلطة الرقيب عليه كمبدع، لا سيما وأن روايته الأخيرة مهمومة بمنطقة محرمة في السعودية؟ يقول المحيميد “أعتقد أن الروائي العربي، في مختلف الدول العربية، يمشي أثناء الكتابة في حقل من الأشواك، ومن الطبيعي أن تعامل الرواية السعودية ضمن هذا السياق، فالرقيب إن لم يبدأ من الكاتب نفسه، فهو قد يتسلل خلسة ممن يحيط به؛ من الأسرة وبيئة العمل والمجتمع، إلى درجة أن يتحول بعض الروائيين رقباء على زملائهم، وكأنما هم يجذبون بغباء سقف الكتابة إلى الأسفل. في نظري كلما تضخم التابو وتعملق في المجتمع، أصبحت سطوة الرقيب أكبر، وأكثر تبريرا من قبل الرقيب الرسمي”.

ويتابع المحيميد “في روايتي الأخيرة كانت الصعوبة في أن تنبت زهرة الفن في صحراء التابو، فعيش فنان ومخرج سينمائي في مجتمع يمنع السينما في الواقع، هو عالم فانتازي غريب، فكيف يصنع الأفلام في مجتمع لا يقبل الكاميرا، ولا يرضى لها بأن ترصد مرارة الواقع؟ هكذا يعيش غربته الخاصة بين أفراد يراهم مجرد موتى يمشون بأكفان بيضاء”.

الرواية السعودية

القليل من المثقفين العرب من يهتم بمعرفة حقيقة المنتج الروائي السعودي خارج “الصندوق” الذي يفرض -مسبقا- بأن “مثقفي النفط” لا يمتلكون أسئلتهم ورؤيتهم العميقة للكون وللحياة. وهنا، تكمن المفارقة الكبيرة التي يقع فيها بعض المثقفين العرب حين يقتربون من المنتج الثقافي الخليجي في العموم، والسعودي بوجه أخص. وهم متورّطون بالنسق الجاهز، ليجدوا أنفسهم مندهشين “معقول أنت سعودي؟”. وتعدّ تجربة المحيميد الروائية مع عبده خال ورجاء عالم بصمات فارقة في الذاكرة الأدبية بالمنطقة.

"غريق يتسلى في أرجوحة" مهمومة بمنطقة محرمة في السعودية

ضمن هذا النسق توقفنا مع المحيميد لنستمع إلى رأيه كروائي عربي سعودي له حضوره العربي والعالمي، يجيب المحيميد: “شخصيا، لا أعاني من مثل هذا الاستعلاء الذي يطرحه السؤال، ولو وجد فهو لدى الجهلة ممن لا يقرأون، لأن الكثير من النقاد والأدباء العرب، الذين أعرفهم، يدركون أن الرواية السعودية قطعت خطوات واسعة من الحضور والانتشار عربيا وعالميا، ولكن، ما يواجهني أكثر من هذه الدهشة التي يفترضها السؤال، هو سؤال الغربيين لي باستمرار: هل مازلت تعيش في السعودية؟ لشعورهم أن هذا الأدب الذي ننتجه، وما يحمله من أسئلة ورصد لواقع مأزوم وخانق، هو بسبب عيشنا في الخارج، وامتلاكنا لحرية مفقودة في الداخل”.

وعن جديده السردي بعد روايته “غريق يتسلى في أرجوحه” يقول المحيميد لـ”العرب”: حتما لا تكف الشخصيات الجديدة عن محاصرتي، وهي من تحفزني لأن أناولها أصابعي لزمن، كي تكتب تجاربها وأحلامها نيابة عني، فقط أستأذنها عادة بعد إنجاز أي عمل، لأتنفس قليلا؛ أنا الآن في مرحلة تأمل وتنفس هواء غير مستعمل.

الجدير بالذكر أن يوسف المحيميد، روائي قد اتخذ لنفسه موقعا على المستوى العربي والعالمي، حيث يقبل القرّاء على أعماله الروائية، التي ترجمت إلى سبع لغات، ونالت جوائز أدبية رفيعة، منها جائزة أبوالقاسم الشابي للرواية العربية عام 2011، عن روايته “الحمام لا يطير في بريدة”، وجائزة الزياتور الإيطالية للأدب العالمي في نفس العام، عن روايته “فخاخ الرائحة”، وجائزة وزارة الثقافة والإعلام لمعرض الرياض الدولي للكتاب عام 2013، عن روايته “رحلة الفتى النجدي”.

15