يوسف اليوسف: أكثر من حياة واحدة

الأحد 2013/08/18
لاجئ من طبريا إلى دمشق يلجأ إلى قبر في طرابلس

الناقد الفلسطيني الراحل عاش الشطر الأكبر من حياته في مخيم اليرموك، أرخ للشعر الجاهلي وترجم الشعر الإنكليزي وكان مولعا بإليوت، ولد في فلسطين وقضى لاجئا من مخيم في دمشق إلى مخيم طرابلس.

اتصل بي أحد الأصدقاء، ليقول لي إن هناك مخرِجاً فلسطينياً اسمه حسين الأسمر، موجود الآن في حمص ويرغب في لقائك. كان ذلك أواسط السبعينيات، بعد أن منعتني المخابرات السورية من العودة إلى بودابست لمتابعة دراسة الإخراج، وذلك بسبب موقفي المعارض لتدخل النظام السوري في لبنان، وبالتالي تم سوقي إلى الخدمة الإلزامية. نزلت إلى موعد اتفقنا عليه والتقيت بحسين. كان معه رجل رمحيّ القامة، سهميّ الملاحظة والتعليق، ومتشابك الأغصان في أفكاره وتنوعها أدبياً وفلسفياً ونقدياً وتصوفياً وعلم نفس إلخ. سألت حسين عنه فأجابني باختصار: إنه يوسف اليوسف «أبو الوليد»، ناقد عميق الأغوار وسيعجبك كثيراً. كنت حينها تحت دورة في كلية الدفاع الجوي في حمص، وكان من السهل عليّ تدبر أمور الهرب ليلاً من الكليَّة للقاء حسين ويوسف ولمّة الأصدقاء حولهما خلال أيام وجودهما في حمص.

لاحقاً تم فرزي للالتحاق بإحدى كتائب الصواريخ المتمركزة في غباغب، أي قريباً مما كان يسمَّى «الجبهة»، وقد استأجرت حينها غرفة في مخيم اليرموك. كان يزورني أصدقاء كثر من أمثال عبد القادر الحصني ونوري الجراح ومختار العلي، وكانوا يعرفون يوسف اليوسف، وأبلغوني أن بيته لا يبعد عن سكني سوى أمتار. زرته مع بعض الأصدقاء، وكم غمرتني حميميته وحميمية أم الوليد وأولادهما. أسرة فلسطينية حقاً وبامتياز.

كان أهداني في حمص كتابه «بحوث في المعلقات». لا أبالغ أبداً حين أقول إنه أهم كتاب قرأته في حياتي عن المعلقات، وإن شرح المعلقات السبع للزوزني، الذي اعتمدته جامعة دمشق مرجعاً لطلاب اللغة العربية، لم يكن أكثر من شروح ضحضاحة قياساً إلى بحوث يوسف اليوسف وغنها وعمقها وشموليتها وجمالياتها . كأني لأول مرة أصحو على حقيقة أن مراجعنا الأهم ليست في الماضي. لاحقاً قرأت كتابه «مقالات في الشعر الجاهلي». مع يوسف اليوسف تجدَّدَ الشعر الجاهلي بالنسبة إلي، فلم يعد غريباً عن عصرنا وفهمه ومعارفه ولغته وأدواته. بدا لي أن ذخيرة يوسف اليوسف عن الشعر الجاهلي غير قابلة للنفاد، وربما لا متسع معها لأي نقد أدبي آخر.

ولكن كتاباته اللاحقة عن الشعر العربي المعاصر، والشعر العذري، وأدب غسان كنفاني، والرواية العربية والعالمية، والنفّري وابن الفارض والتصوّف عموماً، بالإضافة إلى ما أسمعه منه في حواراتنا شبه اليومية لسنوات طويلة، جعلتني أدرك أن المرء قادر على أن يعيش أكثر من حياة وأكثر من عصر. مع مرور السنوات تنوعت أحاديثنا وانسربت إلى تفاصيل حياتية اجتماعية وشخصية. حدثني عن قريته لوبية، وعن مغارة العريس التي اقتضت الأعراف أن يستحمّ في نبعها «عينها» كل شاب لوباني قبل ليلة دخلته. ولكن تلك المغارة للأسف تحوَّل اسمها إلى مغارة الشهداء، بعد أن دُفن فيها سبعة وعشرون شاباً قتلتهم الهاغاناه، وهم في طريق عودتهم من العمل إلى قريتهم. وحدثني عما تعرّضت له القرية من قصف صهيوني في تلك الأيام، وكيف أُجبر الأهالي أطفالهم على الاختباء تحت الأسرّة.

كما حدثني عن بطولات رجال القرية من أمثال أبو حسن رشراش الذي تمكن ببندقيته القديمة أن يطفئ برجكتور أحد القوارب الإسرائيلية في بحيرة طبريا، وكذلك من أمثال أبو رسمي عودة وغيرهما الكثير. حينها تشكَّلت في ذاكرتي قصيدة عن لوبية وكتبتها لاحقاً ونشرتها في ملحق الثورة الأدبي في تلك الأيام، فكرَّستني تلك القصيدة شاعراً فلسطينياً، حسب ما كتبه شوقي بغدادي عن القصيدة في الصفحة المقابلة في الملحق. فيما بعد التقيت الشاعر شوقي بغدادي وعاتبته على قوله إن حرارة القصيدة مفهومة كون الشاعر فلسطينياً، وواقع الحال أني سوري. قال لي شوقي إنه سأل ثلاثة أو أربعة أصدقاء عني وكلهم قالوا له إنني فلسطيني. في الحقيقة لم يكونوا مخطئين، تماماً كما أرى نفسي غير مخطئ حين رأيت ولا أزال أن الآلاف من أصدقائي الفلسطينيين إنما هم سوريون أيضاً، وذلك قبل الثورة وليس بعدها فقط.

بعد تلك القصيدة شعرت كما لو أن كنيتي في المخيم تغيَّرت من بيرقدار إلى اليوسف أو عودة أو اللوباني بصورة عامة.

أمّ الصديق علي الشهابي، الذي لا يخرج من اعتقال إلا ليدخل في مثله، وللأسف هو معتقل الآن، بحثت «ودقدست» كثيراً عني إلى أن وصلت إليّ، ودعتني إلى وليمة يصعب أن يحلم بها شخص مطلوب ومتخفٍّ من أمثالي، ثم رجتني أن أسمعها القصيدة.

آمل أن تعذروني على الاستطرادات..

إنها لوبية وأنا ابنها، كما أبو الوليد ابنها، وأمّ علي ابنتها.

لسبب ما، ولغامض علمه، صرت جزءاً من أسرة أخي أبي الوليد. لم يعد يختلف دخولي إلى بيتهم عن دخولي إلى بيت أهلي، وبخاصة بعد انتهاء خدمتي الإلزامية وبقائي في المخيم. أزعم أن تلك الفترة أعادت تكويني بالمعنى الثقافي، وجعلتني فلسطينياً أكثر مما كنت، وملأت حياتي، كما حياة الكثيرين، أشجاراً وطيوراً وأحلاماً وصُوىً وخيالات وعناقيد؟

يوماً ما قال لي أبو الوليد: ينبغي أن أبدِّل شيئاً في اسمي يا فرج، فماذا تقول؟ في الحقيقة لم أكن مرتاحاً للفكرة، ولكني سألته عن السبب، فقال لي: إن هناك ناقداً عربياً بنفس الاسم، ولا أريد أن أتعرّض لاحتمال أن يحملني بعض القرّاء مسؤولية كتاباته. سألته عن البديل، فقال: سأضيف اسم والدي الذي توفي شاباً وتركني صغيراً لنكبات لها أول ما لها آخر. فيما بعد صارت مقالات أبي الوليد وكتبه تصدر باسم: يوسف سامي اليوسف. قلبي على سامي الأب، ويوسف الابن وأمثالهما ممن اكتووا بجمر التغريبة الفلسطينية.

تغيَّرت الدنيا في سوريا كثيراً بعد عام 1982. قلت لأبي الوليد: لا أريد لك المزيد من وجع الرأس.. لقد أصبحتُ مطلوباً وحالي واحد اتنين تلاتة إلخ. قال لي: لا تقلق أبداً، فهذا بيتك، ونحن أهلك، ولست أنت من يحتاج لنصيحتي في كيفية مراقبة نفسك خارجاً.. أما في بيتنا فلا خوف.. للبيت منافذ عديدة للهرب عند الضرورة.

مرّت سنوات والأمور على ما يرام، إلى أن جاء ذات يوم الصديق السيناريست حسن سامي اليوسف، أخو أبي الوليد الأصغر. كان هادئ الملامح، رغم تلاهث أنفاسه بسبب المسافة الفاصلة بين منزلي أبي النور وأبي الوليد، وهو يبلغنا أن الضابطة الفدائية وربما فرع فلسطين، أو كليهما معاً عند أخيهما الأكبر أبي النور ويسألون عن فرج بيرقدار، وأضاف أن أخاه أبا النور قال لهم إنه لا يعرف شيئاً عن فرج بيرقدار، ولكن لو كان يعرف فإنه لن يدلَّ عليه. مشتاق إلى الغاليين حسن وأبي النور، وللأسف أني لا أعرف أخبارهما في هذه الأيام. جرت «مراسيم» تهريبي من عند أبي الوليد عبر السطوح المتلاصقة في المخيَّم، ولم يعد في وسعي بعدها لقاء أخي أبي الوليد إلى أن أُفرج عني بعد 14 عاماً. كان أبو الوليد بعد كل ذلك الزمن متعباً.. في الحقيقة كان متعَب القلب، متقّد الذهن والذاكرة. يا لقلبه كم تحمَّل.

في عام 2004 كنت أدرِّس الأدب الجاهلي في جامعة ليدن في هولندا.. ولم يكن لي مسعف أكبر أو أهم من كتب صديقي أبي الوليد عن الشعر الجاهلي، وكم كان ذلك يجعل حنيني إليه آهلاً بالطراوة والندى.. أعرف أن قاموس أخي أبي الوليد يميل إلى استخدام لفظة الطراء بدلاً من الطراوة، ولكني حين قلتها له فيما بعد، إنما قلتها بطريقة أهلي.

الآن، أعني في شهر أيار 2013، وبكامل بساطة الحياة والموت، والقوة والضعف، والحلم والواقع، والحرية والقسر، والورد والشوك، يرحل أبو الوليد. كم كان زاهداً في الشهرة، دؤوباً على ما يمكث في الأرض، مترفعاً عن دكاكين السياسة والثقافة، ولهذا لم تكترث مؤسسات منظمة التحرير به في حياته الإبداعية، وبالطبع لم تكترث مؤسسات النظام السوري. قد يكون أول اكتراث رسمي به جاء بعد رحيله عبر رسالة من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لأسرته. لا أدري إن كان الرئيس عباس قد سمع بهذه القامة الفلسطينية والعربية والإنسانية العملاقة قبل رحيلها، ولا أدري إن كان حاول دعمها أدبياً أو معنوياً أو حتى مادياً.. إن كان لم يدرك ولم يفعل سابقاً فليتفضّل الآن بإنصاف هذه القامة تكريماً ونشراً وإعلاماً وغيره مما يليق برموز فلسطين، بل برموز الثقافة العربية الكبار.

منذ شهور زرت مدينة مالمو في جنوبي السويد، والتقيت بمروان ابن أخي أبي الوليد. كان مروان صغيراً في تلك الأيام التي أتحدث عنها، وقد فشلتُ في أن لا أكسر صورة الماضي، إذ كسرتها قامة مروان الرمحية كأبيه. وتواصلتُ عبر الزاجل السحري مع الوليد، الابن الأكبر لصديقي يوسف، وقد جرشت روحي أخبارهما عن اضطرار الوالد والوالدة إلى ترك مخيم اليرموك بعد قصف شارع الجاعونة، حيث بيتهما، وقصف غيره من شوارع المخيم، إلى الرحيل مجدداً إلى مخيم نهر البارد في لبنان.

كم تمنيت لو استطاع أبو الوليد انتظار حلم المخيَّم، أو حلم سوريا، أو حلم فلسطين.

لم يستطع قلب أبي الوليد المزيد، ولكني آمل لمحبيه، وأنا أو نحن منهم، أن يستطيعوا.

11