يوسف بن علوي المرور الصعب بين المحاور

الأحد 2015/11/01
"خصوصية" سياسة عُمان التي يسميها الخليجيون "تغريدا خارج السرب"

العرب - في حفل استقبال يجري عادة بعد انفضاض مجلس عُمان، وقف الوزير يوسف بن علوي مع بعض الصحفيين يتبادلون الأحاديث عن الوضع الإقليمي، بادر أحدهم ليسأل الوزير عن سبب التقارب الملحوظ مع إيران على حساب الكثير من العلاقات مع الدول العربية، فكان رد بن علوي أن إيران وقفت مع سلطنة عمان في وقت حرج من تاريخها، مطلع السبعينات، وساعدت في مواجهة القوات المعارضة التي كانت تسعى إلى إسقاط سلالة أل بو سعيد عن الحكم في عمان.

كان الرد غريبا، فإيران الشاه، هي التي كانت قد ساعدت القوات السلطانية على قمع التمرد وليس إيران الخميني وخامنئي، لكن يوسف بن علوي عاد ليؤكد بأن بلاده تتعامل مع الدول وليس مع من يحكمها، عمان إذن ترى أنها مدينة لإيران بغض النظر إن كانت السلالة البهلوية من يحكمها أم الولي الفقيه، ولعل هذه النظرة التي تضيع عادة في قراءة السياسة العمانية، هي ما تسميه عمان “الخصوصية في النظر إلى السياسة”، وهذا ما يسميه الأشقاء الخليجيون "التغريد خارج السرب".

مسقط ودمشق

وقبل ذلك بسنوات قليلة، اجتمع السلطان قابوس بن سعيد والوزير يوسف بن علوي، مع بشار الأسد رئيس النظام السوري ووفد مرافق، في مسقط، وكان السلطان ووزيره حذرين جداً في الجلسة، فهما على مسافة أمانٍ من توجهات دمشق، بسبب مواقفها أيام حافظ الأسد، في الوقت الذي لم تحرص فيه دمشق على تعيين سفير يمثّلها في مسقط حتى عقد التسعينات، بقدر ما حرصت على زعزعة استقرار السلطنة ودعم معارضيها، فقبل ذلك بعقود، كانت سوريا الأسد- الأب، تقف مع “جبهة تحرير ظفار والجبل الأخضر” ضد القوات السلطانية العمانية، وكان من مصادر غيظها، أن القوات الإيرانية الشاهنشاهية، ساعدت في قمع التمرد في السبعينات، ولم تتوقف سوريا عن تبني “الجبهة” إلا بعد أكثر من 10 سنوات على انهيار تلك الجبهة التي بقيت مكاتبها مفتوحة في دمشق حتى العام 1986.

النموذج العماني للدولة ودورها في الإقليم، يحاول أن يقدم نفسه مختلفاً، لكنه يتمكن من الصمود لعدة مئات من السنين حتى الآن، مقاوماً رياح تغيير هبت من كل حدب وصوب، وهو شكل من أشكال دول المشرق، له فلسفته الخاصة، التي قد لا تتطابق مع متغيرات الواقع، وربما تساهم في تسييرها كما يتوافق عليه كبار اللاعبين

بقي السلطان صامتاً غالبية الوقت، فتدخل أحد المسؤولين السوريين المرافقين لوفد بشار الأسد، والذي أصبح اليوم أحد أبرز وجوه المعارضة السورية، لتلطيف الأجواء وكسر الجليد، وذكّر الطرفين، بأن الأمويين ليسوا في دمشق الآن، وأن المهلّب بن أبي صفرة العماني جدّ السلطان قابوس، كان حامي الشام أيامها، والمدافع الأبرز عن الأمويين، وله الفضل في إنهاء تمرّد الخوارج، فالحجّاج الذي هاجم ساحل عمان أثناء حروب فرض سلطة الأمويين، عاد للاختلاف مع المهلّب وابنه في إمارة العراق وخرسان، وقال للسلطان ندعو جلالتكم أن تزوروا دمشق فلم يعد للحجّاج فيها أثر، فتنفس السلطان قابوس، ولم يدرك الأسد فحوى تلك الرسالة، وهي الرسالة ذاتها التي لم يدركها مرة أخرى، حين زاره الوزير يوسف بن علوي قبل أسابيع وهو في عزلته محاصراً في قصر المهاجرين بعد أن قرّر تدمير بلاد الشام وقتل مئات الآلاف من أجل الاستمرار في الحكم.

ورغم أن العمانيين باتوا يعرفون سوريا ـ بشار الأسد أكثر من ذي قبل، إلا أن إيران الولي الفقيه تقف منقذاً للأسد ذاته، وعُمان القريبة دائما من إيران، تلعب دور الوسيط الذي يحظى بثقة الإيرانيين، بل والمفوّض في إيصال وجهات نظرهم إلى الآخرين في الغرب والدول العربية التي ناصبت، كلٌ لأسبابه، نظام دمشق العداء، ذهب العمانيون اليوم إلى دمشق وهم يحملون حلاً تشاوروا فيه كثيرا مع أصدقائهم الإيرانيين.

الجار الفارسي والجار العربي

يوسف بن علوي، الذي بدأ حياته السياسية متمردا على السلطنة، لم يخف يوماً إعجابه بفكرة “آل البيت” التي تعتبر إيران نفسها الراعي الرسمي والوحيد لها. وقبل بضع سنوات افتتح مسجدا في صلالة أطلق عليه اسم “آل البيت” وهو شيء يسعد الإيرانيين تماما.

خصوصية عُمانية

ففكرة الهاشميين في جنوب الجزيرة العربية، في اليمن وعمان، هي مشروع لاستثمار طويل الأمد، فالاحتفاء الإيراني بـ”الهاشمي” علي سالم البيض زعيم ما كان يدعى باليمن الجنوبي لا يختلف كثيراً عن العمل مع الحوثيين على مدى عقدين، لتغيير طبيعة التوازنات في البيئة اليمنية. إيران أيضا مثلها مثل العُمانيين، لا تهتم بمن يحكمها منذ عهد الفرس الساسانيين إلى عهد الولي الفقيه، ولكن عينها تبقى على جنوب الجزيرة العربية.

وعلى مر العقود الأربعة الماضية، خالفت السياسة العمانية، الكثير من الاتجاهات السياسية العربية، وكانت من بينها الحرب العراقية الإيرانية، ورغم كونها انضمت رسمياً كدولة مؤسسة إلى مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها بقيت محايدة في الثمانينات، وكذلك فعلت في المراحل التالية، متحملة الكثير من الضغوطات، والمطالبات بتغيير عنادها على الثبات على مواقفها الخاصة.

بسبب طبيعة دور بلاده، برز دور يوسف بن علوي في الوساطات الدولية، في أكثر من منعطف، بدءاً من القيام بدور رئيسي في نزع فتيل الحرب العراقية الإيرانية، حينما استضافت المفاوضات التمهيدية لإنهاء الحرب في العام 1988. محطات وساطة عربية إيرانية عديدة، قام بها بن علوي، وصولاً إلى الدور العماني الأبرز في ترتيب الاتفاق النووي الغربي مع إيران، والذي جرت غالبية جولاته في مسقط، التي استضافت محادثات مجموعة 5+1 وأفضت لاحقاً إلى الوصول إلى الاتفاق.

عمان لا تخفي إعجابها بإيران لأسباب مختلفة، فهي متنفس سياسي ودبلوماسي لمسقط، في وقت أحس فيه العمانيون بأنهم تحت ضغوط كثيرة من الجار السعودي، فإيران لا تقول عن نفسها إنها دولة صديقة للعرب، لكنك يمكن أن تختار في العلاقة معها أشكالاً مختلفة، على رأسها العداء العلني، أو الانخراط الكلي في مشروعها، يبقى الأصعب، وهو أن تحافظ على علاقات تمنع إيران من التدخل في شؤونك، وفي الوقت نفسه تجعلها تعتبرك حاجة وضرورة، وهو ما تقول الدبلوماسية العمانية إنها تفعله، ولذلك كان لديها خط الحوار مع الحوثيين، فافتتحت مسقط منصة لذلك الحوار بالتوازي مع العمليات العسكرية التي مثلتها عاصفة الحزم.

العمانيون يعرفون سوريا ـ بشار الأسد أكثر من ذي قبل، فطهران الولي الفقيه تقف منقذاً للأسد ذاته، وعمان القريبة دائما من إيران، تلعب دور الوسيط الذي يحظى بثقة الإيرانيين، بل والمفوض في إيصال وجهات نظرهم إلى الآخرين في الغرب والدول العربية التي ناصبت، كل لأسبابه، نظام دمشق العداء

لا للاتحاد الخليجي

يتبادل الحلفاء في دول الخليج الأدوار، فمنهم من يتقدم كرأس حربة في صراع ما، ليتراجع دور دولة ما إلى التمهيد السياسي، بينما تقف دول في الوسط ممكنة الحلول من أخذ فرصها سواء بالحزم أو اللين، فمن وجهة نظر الوزير بن علوي، لا يحتاج الخليج العربي إلى قوة عسكرية موسعة، أكثر من درع الجزيرة، وهو يرى أن القوة في التقدم الاقتصادي والسياسي، لأن القوة “مجازفة” كما يقول.

وهنا يبدو مكسر العصا، في مشروع “الاتحاد الخليجي”، الذي رفضته عمان، وقال عنه الوزير بن علوي بالحرف “لا للاتحاد الخليجي”، رغم إجماع بقية أعضاء المجلس وعلى رأسهم السعودية، لكن هذه المرة، تبدو عمان متشددة أكثر مما يجب، في التمسك بموقفها الرافض للاتحاد الخليجي، الذي بقي مشروعاً مؤجلاً، وإن كان سيعود ولو بأشكال أخرى مع الوقت، فالتوازن مع إيران، لا يعني بالضرورة طمأنة طمأنتها بإضعاف الذات.

في المسألة السورية، رفضت عمان قطع علاقاتها مع نظام الأسد، كما فعلت دول الخليج، وأبقت الباب مفتوحاً، رغم تورّط الأسد في جرائم لم تعد بحاجة إلى دلائل أو شهود، لكن مسقط تمكنت من العبور خلال هذا الممر الضيق، محافظة على تحالف استراتيجي مع دول الخليج وعلى علاقة استراتيجية مع إيران حليف وداعم الأسد، فاستضافت مؤخراً لقاءات سرية وعلنية، قابل فيها الوزير بن علوي عدداً كبيراً من أطراف الصراع، من وليد المعلم وزير خارجية النظام السوري وعلي مملوك الرجل القوي في المخابرات السورية، إلى خالد خوجة رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض، وتوّج تحركاته تلك بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي قال المتحدث باسم الخارجية فيها إنها لم تتفاجأ بزيارة بن علوي إلى دمشق، وأنها تترك لعمان أن تعلن عن تفاصيل ما جرى في ذلك الاجتماع الذي ضم الأسد وبن علوي.

النموذج العماني يحاول أن يقدم نفسه مختلفاً

وكان بن علوي قد عبّر عن موقف حاد في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي تم فيه تسليم المقعد السوري للمعارضة، بدلاً من النظام، ورفض مصافحة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي في صورة شهيرة، تعبّر عن موقفه الجاد تجاه الانحياز ضد الدولة، حتى لو كانت في حالة مثل الحالة السورية، لأن هذا سيشكّل سابقة قد تتكرر، وتطالب معارضات عربية أخرى بتسليمها مواقع الحكومات في بلدانها.

عواصم عربية تحت الاحتلال الإيراني

دول الخليج كانت قد قدّمت لعمان مساعدات بقيمة عشرة مليارات لمعالجة البطالة ومشاكل الشباب، ولتحصينها من آثار موجة الثورات، ورغم ذلك فإن عمان لا تتحرج من التغريد خارج السرب كل مرة، وصولاً إلى رفضها توسيع مجلس التعاون، وانضمام الأردن والمغرب إليه، الوزير بن علوي كان هو الناطق باسم عمان، حين قال بوضوح إن بلاده لا تؤيد ضم أحد إلى النادي الخليجي “المغلق” كما وصفه.

النموذج العماني للدولة ودورها في الإقليم، يحاول أن يقدّم نفسه مختلفاً، لكنه يتمكّن من الصمود لعدة مئات من السنين حتى الآن، مقاوماً رياح تغيير هبّت من كل حدب وصوب، وهو شكل من أشكال دول المشرق، له فلسفته الخاصة، التي قد لا تتطابق مع متغيرات الواقع، وربما تساهم في تسييرها كما يتوافق عليه كبار اللاعبين، أكثر من التدخل المباشر فيها، فكما قال الوزير يوسف بن علوي أكثر من مرة “لسنا أغبياء حتى ندخل في حرب شيعية سنية، حتى لو جررنا لها جرّاً”، لكن هل من قائل للوزير إن حليفته إيران هي من تسعّر الحرب الشيعية السنية في الشرق الأوسط، وأن كبار مسؤوليها لم يخجلوا من القول إن أربع عواصم عربية هي اليوم تحت الاحتلال الإيراني؟ وأن حليفها الأسد الذي زاره بن علوي هو من قال إن دول الخليج مجرد “ممالك على الرمال؟”.

7