يوسف بن علوي.. "خنجر" الخارجية العمانية

السبت 2013/12/14
الوزير يوسف بن علوي يحمل الأسلوب العماني في الدبلوماسية

لم يكن "خنجرا" عمانيا ذلك الذي أطلقه مسؤول الشؤون الخارجية في سلطنة عمان، يوسف بن علوي بن عبدالله، حين أوضح في حديث صريح أن السلطنة تقف ضد "الاتحاد الخليجي" بل كان قوة الصراحة التي لم يعتدها أهل الخليج في مسائلهم وحساسيتهم في التعاطي مع بعض الأحداث.

يعكس في هدوئه سياسة وطنه، ويحترم بقوة شعار السلطنة ليظهر أصالتها وقوتها وطموحها، تتلمذ في منصبه على يد ممسك حقيبة وزارة الخارجية الفعلي السلطان قابوس بن سعيد، وجعل السلطان الدور الوظيفي للوزارة في يد السيد يوسف بن علوي، الذي أدار ملفات عديدة منذ العام 1997 حتى اليوم، وقاد سفينة السلطنة بمنهجية المحيط الهادئ.

كان بن عبدالله نجم الشباك السياسي في أسبوعه الماضي، وطغى حضوره على المشهد أكثر من مشاهد وفلاشات قمة قادة الخليج الأخيرة التي عقدت في الكويت، حيث مرر بذكاء الدبلوماسية القرار العماني في “حوار المنامة” السياسي الإقليمي، قبل عقد قمة الكويت بخمسة أيام وأعلنها صراحة أن بلاده تعارض إقامة "اتحاد خليجي" وأن عمان لن تكون جزءا منه في حال إقامته.

وهو ما جعل السلطنة في اتجاه الحضور الكبير للقمة، وسبق إقرار القمة لأية خطوة اتحادية وجعل الكويت تصيغ بنودا مختلفة لإعلان القمة بعد تصريح الوزير يوسف بن علوي، فتى ظفار الثائر السابق على حكم السلطان سعيد بن تيمور والد السلطان قابوس الذكي في تعامله العسكري والسياسي.


ثوار ظفار


يوسف بن علوي بن عبدالله، كان من ضمن ثوار ظفار قبل حكم السلطان الحالي، لكن بعد أن اتجهت الثورة إلى أخذ منحى الاشتراكية والتعاون مع الاتحاد السوفيتي وكذلك الانفصاليين في اليمن الجنوبي، آثر المغادرة إلى الكويت كاشفا عن توجهه الحقيقي وهو بناء إقليم أرضه الجنوبية مع السلطنة عامة، وبعد أن اطمأن لحضور السلطان قابوس في الحكم وعفوه عن كافة الخارجين السابقين.

واستطاع الوزير بن علوي إكمال مرحلته التعليمية، وبناء نفسه وتطوير قدراته شارحا للموغلين في بحث التفاصيل بعمله أنه يقف مع تحجيم الثورة بعد حسن النوايا القوية الصادقة من عرابه قابوس والتي تجلت مع بدايات العام 1970.

فتى ظفار ثائر سابق
*تم تعيين يوسف بن علوي وزيرا مسؤولا للشؤون الخارجية في ديسمبر 1997 إثر ترقيته من منصب وزير دولة للشؤون الخارجية. ويشغل الوزير بن علوي الدور الوظيفي لوزير الخارجيّة حيث أن الحقيبة هي فعليا بيد السلطان قابوس. ويتمتع الوزير بن علوي بمهارات دبلوماسية عالية وقد اضطلع بدور مفصلي في تطبيق السياسة الخارجية لسلطنة عمان.

*الوزير بن علوي من مواليد العام 1945 في صلالة وقد درس في الكويت ثمّ عمل لصالح العديد من الشركات والدوائر الحكومية الكويتية. وقد اتصل به السلطان قابوس في شهر أغسطس العام 1970 بعد شهر من تولّيه السلطة، شأنه شأن الكثيرين من الذين غادروا اليمن في ظلّ حكم السلطان سعيد، للدراسة والعمل في الخارج.

*وتم تعيين بن علوي عضوا في اللجنة العمانية للنوايا الحسنة الموفدة إلى العواصم العربيّة في العام 1971 لينتقل بعد ذلك إلى السفارة العمانيّة في بيروت حيث ترقى إلى منصب سفير في يوليو من العام 1973. وفي العام 1974، تم تعيينه نائبا لأمين عام وزارة الخارجية.

في ذلك العام استدعاه السلطان ليكون ضابطا في مقام الخارجية التي رسمها، وجاء محملا بخبرات قضاها في قطاعات حكومية وخاصة في العاصمة الكويت، بدأ بتولي عضوية لجنة عُمانية جابت الدول العربية، وحمله السلطان بعد نجاحه في لجنة "النوايا الحسنة" إلى منصب سفير السلطنة لدى لبنان، التي لم يطل مكوثه بين ضبابها وحسنها أكثر من عام، ليحل في منصب أمين وزارة الخارجية بمقر العاصمة مسقط وذلك في العام 1974.

الوزير المحبوب خليجيا وعربيا وإقليميا، يوسف بن علوي بن عبدالله ألقى في "حوار المنامة" كلاما تعلمه مصادر الصحافة الصادقة قبل أكثر من عام، إذ قالت عن تحفظ عُماني حول ملف الاتحاد الذي أطلقه العاهل السعودي الملك عبدالله أواخر العام 2011 في قمة الرياض، لكن وقع كلماته وموقف بلاده التي تُتهم بأنها في سياق الصمت جعلها موطن احترام وتقدير على سياسة الوجود والفعل.

فهو وإن ابتسم فذلك سياسة محنك، وإن تحدث كان شفافا في بلاد العرب التي تمرر تحت الطاولة كلامها الكثير دون توضيح، وهو من تقف بلاده وتشرف على مضيق هرمز المثير الذي تستخدمه إيران كثيرا في تهديداتها للمنطقة، في ظل صمت عُماني، لا يعرف الكلام وإنما الفعل، حيث تشكل سلطنته ثاني أقوى قوة عسكرية دفاعية في محيط الخليجيين، وتقف بفخر وقوة على ناصية هرمز سلاما وحفاظا على اقتصاد المنطقة والعالم.

في مناسباته الصحفية التي يتحدث بها، يلمّ كافة الإجابة في كبسولة تعالج القلق، خاصة من خطر جمهورية إيران الإسلامية على الخليجيين الذين ينادون باسمها في كل ما يعكر صفو الخليج، فيعتبر دائما أن "الأمن مستقر في دول الخليج العربي" وأن ما يردده البعض ليس سوى اضطرابات "نفسية" ليست لها أسس، وهو متفائل بموقف ومستقبل بلاده والمحيط الذي يعرف وجود الخريطة العمانية على الوجود.

يعد الوزير يوسف بن عبدالله، رجل وساطات بامتياز، لا ينافسه في ذلك الدور سوى أمير الكويت الشيخ صباح الصباح


رجل وساطات


يعد الوزير يوسف بن عبدالله، رجل وساطات بامتياز، لا ينافسه في ذلك الدور سوى أمير الكويت الشيخ صباح الصباح، إثر وساطاته التي يكتبها الإعلام الغربي أكثر من إعلام الخليج والمحيط، أبرزها الإفراج عن الأميركية سارا شاورد التي احتجزتها إيران في العام 2010 وكذلك المساهمة بقوة في الإفراج عن الدبلوماسي الإيراني نصرة طاجيك، الذي كان موقوفا في بريطانيا أواخر العام الماضي.

وفي ما يتصل بوساطاته التي نقلها الإعلام المحلي الخليجي بين إيران والبحرين في العام 2011 قال إن الأمر “لا يحتاج إلى وساطة” لإيمانه الكبير بأن إيران لا تعتبر بعبعا لهذا الحد الذي يقف على خط مواجهة مع دول الخليج الأخرى.

ويحمل الوزير يوسف الأسلوب العماني في الدبلوماسية التي تعتمد على “إصلاح ذات البين” فكان له الأثر الكبير تحت إمرة السلطان في دخول اليمن في لجان معدودة داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، أبرزها الصحة والتعليم، في خطوة متأنية لنقل اليمن إلى مرحلة بناء اقتصادها التي تمكنها من التواجد في كل ملفات الخليج بالتمثيل الكامل.

ولا يرى الوزير أن الخليج بحاجة إلى قوة عسكرية كبرى موسعة بعيدا عن قوة "درع الجزيرة"، التي تشكل القوة السعودية فيها أكثر من 70 بالمئة، حيث يرى أن توسيع القوة مجازفة ولا حاجة إلى ذلك خاصة بعد زوال "النظام العراقي" عاكسا المسير الخليجي في حديثه أنه يجب التركيز على "التطوير الاقتصادي".

سياسة بن علوي بن عبدالله بعيدة المدى، لا تريد القياس على الواقع فقط، وبمنهج سلطنته يرى أن الشباب هو وقود التنمية، فيقترب من الشباب العماني، في مراحل دبلوماسية داخلية، وأن المستقبل العماني بيد أبنائه، متجاوزا كل ذلك لأداء أعمال إنسانية واضحة في كيان دولته، فهو وإن كان سنيّ المذهب لكنه يؤمن بالتعايش بين المذاهب جميعا على أرض مشتركة، لحكاية عمانية تنصهر فيها أغلب المذاهب (شيعة وسنة وإباضية) في وطن واحد.

يوسف بن علوي بن عبدالله، صاحب "قنبلة" لا "اتحاد خليجي" التي أقلقت صحافة مواطن بعض الخليج، يدعو دائما إلى أهداف إستراتيجية من شأنها تمكين منظومة الخليج الخجولة من تحقيق الأحلام الشعبية، كصوت يأتي مع هبوب نسائم جبلها "الأخضر" لنشر ثقافة التسامح والسلام والتعايش السلمي واقتلاع جذور العنف والإرهاب، ويمثل ذلك أسسا تربت عليها سلطنة عمان بدستور سلطانها قليل الظهور كبير التاريخ.

15