يوسف زيدان: الوصاية الدينية على الثقافة كارثة

الكاتب يوسف زيدان يسجّل رؤاه حول استمرار وصاية المؤسسات الدينية على الثقافة والفكر في رواية "فردقان"، واستدعى شخصية ابن سينا ليُمددها في عمل يواجه به إرهاصات التعصب العقائدي.
الجمعة 2018/12/07
زيدان: حال هذه الأمة لم يتغير منذ ألف عام

تفجر تصريحات الباحث المصري يوسف زيدان وقراءاته للتاريخ الإسلامي جدلا كبيرا، إذا كثيرا ما يتناول بجرأة تصل حد الصدمة الموضوعات الدينية الشائكة. فليس سهلا أن يخرج مثقف عربي وينتهك قدسية القائد صلاح الدين الأيوبي أو يقدم صورة مختلفة عن أبطال من التاريخ مغايرة لما ترسخ في الأذهان عبر الحكايات الشعبية والكتب التراثية وروايات جرجي زيدان ذات البعد التمجيدي. اختار يوسف زيدان مجال الرواية الواسع لتكون حاملة فكره النقدي، ويشير في حوار مع “العرب”، إلى إنه يسعى إلى تسليط الضوء على قامات مُضيئة في التاريخ العربي، بدلا من الانكفاء على السلاطين والقادة، الذين “تصورنا أنهم أبطال لأنهم نجحوا في الوصول إلى السلطة وانتصروا”.

القاهرة- ألف عام والعقل العربي كما هو لا يتطور؛ تعصب القاتل واستغلال سيء للعقيدة، ومؤسسات دينية تُهيمن على الفكر الشعبي وتؤثر في السياسات السلطوية وتُدافع عن العنف وتُمهد الأرض لقوى الظلام للتمدد والتوسع والانتشار، ومن تسوّل له نفسه التفكير خارج الإطار المسطّر، يسلّط عليه سيف تهمة ازدراء الأديان وتحرك تلك المؤسسات كتائبها الإعلامية والحكومية ضدّه.

يقدم الكاتب المصري والباحث في الفلسفة الإسلامية يوسف زيدان نموذجا لهذا الصراع الذي أخذ في السنوات الأخيرة منحى متصاعدا مع زيادة التضارب بين متغيرات الحياة، اجتماعيا وثقافيا، وأصبح “الوصيّون” على الدين أكثر تشددا في مواجهة أي مسعى للتحرر من قيود مؤسسات منغلقة تخاصم العلم وتتجاهل العقل وترفض الاجتهاد دينيا أو فكريا وتُمارس الوصاية على حياة الناس بصورة لا تتناسب مع التقدم الجاري في الألفية الثالثة.

يعتبر زيدان من أكثر المنتقدين لاستمرار وصاية المؤسسات الدينية على الثقافة والفكر في المجتمعات العربية. وشدّد على ذلك خلال حديثه مع “العرب” في بيته بحي الزمالك في وسط القاهرة والذي كشف خلاله رؤاه وفلسفته للرد على التعصب والتطرف الديني من خلال الإبداع.

وسجّل زيدان أحدث رؤاه في رواية اختار لها عنوانا “فردقان”، واستدعى من خلالها شخصية الشيخ الرئيس ابن سينا من التاريخ ليُمددها في عمل روائي يواجه به إرهاصات العنف والانغلاق والتعصب العقائدي السائد على الخارطة العربية، وليؤكد من خلالها على أن استمرار وصاية المؤسسات الدينية على الثقافة والفكر يمثل “كارثة”، وأن الإبداع يعاني بسبب شيوع التعصب والتطرف والإرهاب الفكري، و”الإبداع الحقيقي في هذا الوقت مغامرة غير محسوبة أمام جحافل الظلام ومؤسسات الجهل النشط التي تتصدر الساحة”.

“فردقان” هو اسم القلعة التي سُجن فيها الشيخ الرئيس ابن سينا سنة 412 هجري، وكتب فيها كتاب “الهداية”، “رسالة القولنج”، و”قصة حي بن يقظان”. وكأن زيدان يُريد أن يؤكد أن عصر ابن سينا وما شاع فيه من تعصب وصراعات مذهبية وطغيان يتكرر على نحو آخر بعد ألف سنة، وأنه لا سبيل لمواجهة شنائع العصر والإرهاب الديني دون استدعاء تراث وفكر وعقلانية عظماء الفكر وعباقرة العلم مثل ابن سينا.

يبدو الرجل عقلانيا وهو يتحدث بصوت هادئ، زائغا بعينيه في الكثير من الأحيان وكأنه يقرأ من كتاب غير ظاهر، عاقدا ساعديه على مكتب صغير مضيء إضاءة خافتة في بهو واسع تُميزه رفوف الكتب والمجلدات واللوحات الفنية الجميلة وبعض التحف النادرة المُعبرة عن التاريخ الإسلامي، مثل السيوف والخناجر.

ويقدم روايته لـ”العرب” قائلا إن “استدعاء ابن سينا ضرورة للفت النظر لقامات مُضيئة في تاريخنا العربي، بدلا من الانكفاء على السلاطين والقادة، الذين تصورنا أنهم أبطال لأنهم نجحوا في الوصول إلى السلطة وانتصروا”.

صلاح الدين الأيوبي

استدعاء ابن سينا في رواية {فردقان} ضرورة للفت النظر لقامات مُضيئة، بدلا من الانكفاء على السلاطين والقادة، الذين تصورنا أنهم أبطال لأنهم نجحوا في الوصول إلى السلطة على غرار صلاح الدين
استدعاء ابن سينا في رواية "فردقان" ضرورة للفت النظر لقامات مُضيئة، بدلا من الانكفاء على السلاطين والقادة، الذين تصورنا أنهم أبطال لأنهم نجحوا في الوصول إلى السلطة على غرار صلاح الدين

ولد يوسف زيدان في مدينة سوهاج، جنوب مصر عام 1958 وانتقل إلى الإسكندرية وتخرج في كلية الآداب قسم الفلسفة من جامعة الإسكندرية عام 1980. وحصل على الماجستير في الفلسفة الإسلامية عن الفكر الصوفي عند عبدالكريم الجيلي، ثُم حصل على الدكتوراه عن الطريقة القادرية فكرا ومنهاجا سنة 1989. وأنشأ قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية سنة 1994.

خلال رحلته المهنية والفكرية ألف زيدان 75 كتابا في التراث والبحوث العلمية والأدب والفكر، كما قام بفهرسة العشرات من المخطوطات العربية النادرة، وأصدر عدة روايات كان أبرزها “ظل الأفعى” ثم “عزازيل” التي حصلت على جائزة البوكر العربية عام 2009 وترجمت إلى عدة لغات. وصدرت بعد ذلك رواية “النبطي” ثُم ثلاثيته “محال” و”جونتنامو” و”نور”.

كشف زيدان كواليس كتابته لرواية “فردقان” فقال لـ”العرب”، إن “توقيت قراره بالكتابة عن فترة اعتقال ابن سينا جاء في غمرة الصخب الإعلامي الهائج قبل عامين ضده بسبب آراء ذكرها في إحدى الأمسيات الثقافية أكد فيها أن صلاح الدين الأيوبي ليس بطلا وإنما قتل الآلاف ظلما وعدوانا انتصارا لعرشه”.

اعتاد يوسف زيدان على موجات الهجوم بسبب آراء قد تجرح صور بعض الشخصيات في أذهان العامة، لكنه لا يكترث لذلك، ويواصل رسالته لتحقيق ما يقول إنه “زيادة الوعي لدى الناس، رغم دخول المؤسسة الدينية على طرف الخلاف”.

وفي قضية أزمة التصريح حول صلاح الدين الأيوبي، هاله القدسية التي يضفيها علماء الدين على الأبطال التاريخيين، وعلق قائلا “كان رأيي في صلاح الدين مجرد مثال ضربته للإشارة إلى اهتمامنا بالساعين إلى السلطة أكثر من الاهتمام بالنقاط المضيئة العلمية والفكرية في تاريخنا”. وتابع “الناس لا تصدق إلا ما تم حشو أدمغتهم به، لذا قررت تقديم بطل حقيقي ونموذج حضاري عظيم من التاريخ الإسلامي لأؤكد أن هناك قمما وقامات كثيرة منسية”.

ويشدد على أن هدفه الوحيد هو أن يجعل المزيد من الناس تقرأ في هذا الزمن، وتكلم عن شاب عراقي يُدعى علي بعث إليه برسالة إلكترونية قال فيها كيف كان العراق يُحارب داعش في عدة مناطق، وكيف تعرض للخطر ليذهب لشراء مؤلفاته من شارع المتنبي ببغداد. وعلّق “مثل هؤلاء الناس الذين يتعرضون لخطر الموت بسبب الرغبة في القراءة يستحقون أن نكتب من أجلهم”.

تشابه بين عصرين

تبدأ رواية فردقان بالقبض على الشيخ ابن سينا وسجنه في القلعة الفارسية بأوامر من الحاكم ليستخدم علمه في تطبيب الحرس وتعليم الناس الطب، وتمضي الرواية لتسرد كامل فلسفة العالم الكبير وحياته وعصره بصراعاته ودسائسه.

أكد يوسف زيدان أن هناك تشابها كبيرا بين عصر ابن سينا وعصرنا الحالي، خاصة في ما يتعلق بالحروب الدائرة والصراع على السلطة تحت زعم رفع راية المذهب أو العقيدة. وأشار إلى أن ذلك التشابه له دلالة خطيرة وهي أن “هذه الأمة منذ ألف عام لم تتغير ولم تتحرك إلى الإمام ولو خطوة واحدة”.

كذلك لفت إلى أن شخصية ابن سينا مليئة بالدراما في الوقائع التاريخية التي رويت عنه أو في المساحات الغامضة من حياته والتي تمنح الروائي القدرة على تغطيتها بفن إبداعي يحاول استقراء الواقع. وأضاف أن ابن سينا، ذلك العالم العبقري، بدا منبوذا ومضطهدا ومطاردا من محمود الغزنوي، غير أنه ظل يرفض الانهزام أمام عصره ليكتب ثم يكتب.

استند زيدان إلى الخلف قليلا، وكأنه يتذكر أمرا ما قبل أن يقول “لا نعرف قدر ابن سينا كما ينبغي، ويكفي أن تحتفي الحضارة الغربية بهذا الرجل لدرجة أن تطلق جامعة السوربون اسمه على إحدى قاعاتها الرئيسية، وأن تحتفل شركة غوغل العالمية بذكرى ميلاده كل عام”. وبدا متحسرا وهو يقول “مُجمعات اللغة العربية ووزارات الثقافة في كافة الدول العربية لم تحتفل بميلاد أو وفاة الرجل”.

في رواية “فردقان” تتضافر الوقائع التاريخية مع الخيال لرسم زمن أججته الصراعات واضطهد فيه العلماء، واستغل المؤلف شخوصا حقيقيين ليرسم بهم نصا جذابا يدفع الناس إلى محاولة استكشاف ابن سينا والبيروني وأبوسهل المسيحي وغيرهم بشكل أفضل.

كما استنسخ زيدان شخوصا آخرين ليؤنسن بهم العالم المحيط بابن سينا، فتحدث باستفاضة عن حبيباته مستندا إلى ما رواه تلميذه عنه بأنه كان شغوفا بالنساء وبعشقهن؛ وهو يرى أن أفضل ما تبقى من ابن سينا يتجاوز الجانب الطبي والفلسفي، ممتدا إلى طريقة التفكير نفسها والالتزام بالمنهج العلمي والاتجاه العقلاني والنقدي.

وساق مثلا على ذلك بحديثه في كتاب القانون عن الأمراض النفسية، خاصة مرض “المانوخليا” إذ يقول “قد زعم البعض أن المرض يقع عن الجن، ونحن من حيث أننا نتعلم الطب فلا يعنينا إن كان يقع عن الجن أم لا وعلينا أن نبحث عن السبب القريب”.

الإبداع الحقيقي في هذا الوقت مغامرة غير محسوبة أمام جحافل الظلام ومؤسسات الجهل النشط والتي تتصدر الساحة وعباقرة الإسلام ومفكروه منسيون على حساب تقديس السلاطين والقادة العسكريين

وأوضح زيدان أن هذا النهج المتقدم في التفكير نجده أيضا عند علاء الدين ابن النفيس، والذي عاش بعد ابن سينا بنحو قرنين من الزمان في عبارات أكثر عمقا وبلاغة. ولفت النظر إلى أن وول ديورانت في موسوعة “قصة الحضارة” خصص جزءا كاملا للحديث عما أسماه بـ”عصر ديكارت”، مستغربا أننا لم نسم أي عصر باسم جلال الدين الرومي أو الفارابي أو ابن رشد رغم عظمة ما تركوه للبشرية.

واستغرب الباحث المصري أن تختار وزارات التعليم في بعض الدول العربية قصص المتصارعين على السلطة لتقررها على الطلبة، مشيرا إلى أنه لا يستوعب فكرة أن يدّرس تلاميذ المدارس في مصر سيرة شجر الدر، وقطز وغيرهما.

وأوضح أن هؤلاء لم يرسموا تاريخا وإنما رسموا عروشا، أما التاريخ الحقيقي فرسمه رجال مثل الفارابي والكندي وابن النفيس وابن سينا وابن رشد. وأكد أن الغريب في الأمر أن تندهش الحكومات في ما بعد وتتعجب من تحول الشباب إلى الإرهاب والقتل والتخريب، واصفا ذلك بأنه “جريمة وحالة من الخبل العام”.

لغة القرن الخامس الهجري

أمر آخر بدا فريدا في الرواية الجديدة ليوسف زيدان تمثل في استنطاق لُغة القرن الخامس الهجري من خلال مقولات وكتابات ابن سينا الحقيقية، ورغم ذلك فإن لغة السرد بعيدة عن التعقيد، وفي متناول القراء كما يقولون.

وفسّر زيدان ذلك بأنه يكتب الرواية بخط يده نحو عشر مرات ويُبدل في الكلمات والحوارات في كل مرة حتى يتمكن من التقريب بين عصر الرواية ولغتها، بحيث يدلف القارئ إلى العمل وكأنه ينتقل بنفسه إلى عصره وأحاديثه وشخوصه.

استغرقت كتابة رواية “فردقان” عامين كاملين، وهي فترة أطول من المعتاد لدى الكاتب، غير أن محاولات التعديل والتعامل مع الشخصية العبقرية لابن سينا دفعه إلى التجويد. وقال زيدان “أما معارف العصر وتفسيراته وأحداثه فهي شيء أعرفه بفضل عملي كباحث في التراث لنحو أربعة عقود”.

ويعتبر الكثير من النقاد روايته “محال” أكثر عناوين روايات زيدان إعجازا إذ تُشير إلى ثلاثة معان مختلفة كلها تتفق مع الرواية. أول تلك المعاني “محال” بفتح الميم بمعنى أماكن لأن الأحداث تمت في عدة أماكن. وثاني المعاني لو كُتبت “مُحال” بضم الميم بمعني غير ممكن وهو ما يتماشى مع سعي البطل لإمساك اللحظة طول أحداث الرواية دون تحقق. والثالث “محال” بكسر الميم بمعنى العنت الشديد وقسوة الحياة. وردا على سؤال عن أي المعاني الثلاثة كان يقصد، قال “الثلاثة معا”، وترك لكل قارئ حرية اختيار العنوان الذي يتناسب مع تذوقه للرواية.

عصر ابن سينا وما شاع فيه من تعصب وصراعات مذهبية وطغيان يتكرر على نحو آخر بعد ألف سنة
عصر ابن سينا وما شاع فيه من تعصب وصراعات مذهبية وطغيان يتكرر على نحو آخر بعد ألف سنة

يختار زيدان عناوين رواياته بعناية شديدة، وقال إن تلك العناوين تولد أثناء العمل، ويكتب في أي وقت وفي كل حال، “أكتب صباحا ومساء، وفي السفر وفي البيت. أكتب في الإسكندرية وفي القاهرة اللتين أتنقل بينهما. ليس لديَ طقوس بعينها. أشرب القهوة وأدخن وأضع الأوراق أمامي وأكتب بالقلم”.

يبدو يوسف زيدان قريبا من الشباب، ويجلس معهم كثيرا ويشارك في ندوات وأمسيات ثقافية متنوعة ويتحاور مع الكثير منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولفت إلى أن حملات الهجوم عليه من جانب بعض الأصوات والمنابر بسبب أفكاره وآرائه سببها ضيق الرأي العام الجمعي بالآراء المختلفة وبمن يكسر موروثات يظنون أنها “مقدسة”، غير أن ذلك لا يُفتت من عزيمته وهمته في عرض ما يؤمن به ويكرر في ثقة مقولة الشاعر محمود درويش “لن أعتذر عما فعلت”.

كان يوسف زيدان عُرضة لحملات عنيفة في بعض وسائل الإعلام المصرية، بعد قوله في إحدى الأمسيات إن “إسرائيل عدو عاقل، وإنه لا يوجد التعاون مع إسرائيل في المجال الثقافي، وإنه يجب أن نفكر في ذلك”.

وعلق لـ”العرب” قائلا: “بالفعل إسرائيل عدو عاقل، لكن لم أدع إلى التطبيع، وإنما على المجتمع الثقافي العربي أن يبحث إذا كانت المصلحة تقتضي التعاون مع إسرائيل في المجال الثقافي أم لا”؟ مؤكدا أنه لن يقوم بذلك بشكل منفرد أبدا.

وكشف أن ذلك جرى بمناسبة قيام إحدى الدول العربية (يقصد قطر) بدعم إرهابيين واحتضان جماعات عُنف وتخريب، نشرت الفزع في الكثير من الدول العربية.

وعرّج على قضية التطبيع بالتأكيد على أن الصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعا دينيا ولا ينبغي أن يكون كذلك، والمسجد الأقصى غير موجود في القدس ولا يُمكن أن يكون المسجد القائم في القدس محل الإسراء والمعراج كما يقول بعض المشايخ لأن المسجد بُني سنة 70 هجرية وفي تلك الأثناء كان اسم مدينة القدس هو إيلياء.

12