يوسف زيدان مفكر غاضب يصف الشعب المصري بالجاهل والعرب باللصوص

الأحد 2016/08/21
صاحب "عزازيل" يفتح النار على جزيرة العرب

باريس - نبطي قليل الكلام كثير التأمل. صامتٌ متأملٌ في سماء لا حامل لها. متفكّرٌ فيما حوله. زاهدٌ تاركٌ للدنيا بما فيها. متألمٌ لمشهد انتشار الدين الجديد، رافضا دخوله، دافعاً بإيمانه إلى عمق رأسه ومتمسكاً به، حزيناً، بنظراته لا أكثر، على القبطية الجارية، قبطية بيضاء شهية الملامح تساق كهدية إلى نبيّ “يثرب”، كما قال يوسف زيدان.

حافظ نبطي زيدان على “حنيفيته”. شرد في الصحراء رافضاً خيار أهله اتّباع الدين الجديد. بينما تبع أهله الإسلام رغبة في توسيع تجارتهم وطمعاً بالخير القادم مع قبائل العرب “الغازية”.

العرب سراقو الجمال

نطق النبطي بلسان زيدان أخيراً. أطلق النار على أهل جزيرة العرب في مهرجان “تويزا”. هو يوسف محمد أحمد طه زيدان، العارف بالصوفية ودروبها والرهبانية ومدارسها. الصعيدي العنيد المولود في نهاية يونيو من العام 1958، في سوهاج. والحاصل على لسانس الفلسفة من جامعة الإسكندرية، وحامل ماجستير الفلسفة الإسلامية من ذات الجامعة، بعنوان “الفكر الصوفي عند عبدالكريم الجيلي، دراسة وتحقيق لقصيدة النادرات العينية للجيلي مع شرح النابلسي” والحاصل على الدكتوراه أيضا من ذات الجامعة، بعنوان “الطريقة القادرية فكرا ومنهجاً وسلوكاً”، حامل درجة الأستاذية في الفلسفة وتاريخ العلوم.

بدأ زيدان الكلام بشعر محمود درويش دفاعاً عن اللغة العربية. كيف لها أن تكون لغة عقيمة وقد أخرجت مثل قصائد محمود درويش؟ وهي ذاتها اللغة التي تستخدمها “داعش” لفهم الإسلام. كيف لها أن تكون عقيمة؟ وعندما بحث منظمو المهرجان عن “كتبي في المكتبات وجدوها (خلصانة) وذات الشيء وقع معنا في تونس”.

يتابع زيدان دفاعه عن اللغة العربية من خلال كتاباته التي وصل عددها إلى ستة وستين كتاباً، وجميعها نفدت من الأسواق. يسأل “أليست هذه هي اللغة التي نكتب بها. أكيد الناس تشتري الكتب هذه لتقرأها فأين اللغة العقيمة؟”، تدخل أحد الحضور لنقد دفاع زيدان بأن “السعودية وطن اللغة العربية….”، فلم يدعه زيدان يكمل كلامه. وردّ على الفور مع نظرة غاضبة “من قال هذا؟ أعطني عالم لغة عربية واحد من هناك! لا يا رجل”، فعاد أحد الحضور ليصحح الموقف بأن “العرب انطلقوا من هناك”. رد زيدان “لا مش صحيح”. وشرح قوله بأن العرب عرقياً، كانوا من سكان اليمن، وعندما انهار سد مأرب هاجروا وانتشروا في الأرض وبعضهم ذهب شمالاً ولم يمرّ في “الحتة الوسطنية” أي جزيرة العرب.

تابع زيدان كلامه “عندما ظهر الإسلام كان يُنظر لسكان الجزيرة العربية بأنهم ‘سرّاق إبل’. عمر المنطقة دي ما كان فيها حضارة”.

ثم عاد إلى اللغة، وزاد أن “اللغة العربية أولاً، كتبها عرب وفرس وأمازيغ طبعاً. المخطوطات الموجودة في الخزينة الحسنية 70 بالمئة منها مؤلفوها أمازيغ. والأزهر بطوره السني والشيعي كان له دور بارز في هذا الشأن، وهذه مصر”. مرّر أحد الحضور اسم الفراهيدي. فرد زيدان “الفراهيدي دا عربي”. وختم قوله بأن الحواضر العربية هي القاهرة والقرويين ودمشق وبغداد وفاس.

مثقفون عرب وخليجيون، يطالبون بضرورة مقاطعة زيدان بقرار جماعي من قبل السعودية ودول الخليج، بعد أن وصفوه بـ"السلبي الحاقد". حيث يؤكد الروائي الإماراتي عبدالله النعيمي، على ضرورة استبعاده، مضيفا أن "مثل (زيدان) سيستمر في غيه". بينما نعتته الشاعرة الكويتية سعدية مفرح بـ"الشعوبي"

من الباحث إلى الإقصائي

كلام زيدان ونقاشه في اللغة العربية يحمل بعض الدقة. العربية لغة احتضنت العشرات من الباحثين الفرس الذين كتبوا نحوها وصرفها وبعض فقهها. كان للآخرين دور كبير في تطوير العربية. لا شك بأن هذا القول فيه الكثير من الحق. لكن الحق عندما يغمس بما تبعه بأن العربية لم تعبر شبه الجزيرة، وأن سكانها سرّاق إبل، هنا يخرج زيدان عن طور الباحث ليأخذ دور الإقصائي في أكثر الأوصاف تهذيباً.

من أين خرج القرآن باعتباره نصاً أدبيا لا دينياً؟ مهرجانات الشعر العربية ومعلقات جدران الكعبة كتبت بغير العربية؟ مهرجان عكاظ للشعر والنثر والخطابة أين كان يعقد؟ لن نخوض في ردود وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الباحث الإشكالي الذي يحظى بمتابعة كبيرة في العالم العربي أين أراد الذهاب بهذا القول؟ ماذا أراد زيدان من هذا التهكّم؟ كيف له أن يخرج عن موضوعيته؟

أتابع زيدان منذ سنوات. كغيري بعد “عزازيل” غزوت كتبه جميعها تقريباً. تثيرني مواقفه الصارمة في كتابه “اللاهوت العربي”. عميق البحث غزير الأدلة. غاضب كحال المتألم لحال العالم الذي نحن فيه. يحاضر بهدوء ويغمر القاعة بالقصص والتفاصيل والتشبيهات لكل ما يقول. يحيل المجرد إلى حالة مصورة. كل هذه الصفات البهية التي يتحلى بها زيدان دفعت الكثيرين لمتابعته. “عزازيل” أثارت العشرات من الردود وتُرجمت على إثرها لعدد واسع من اللغات الأجنبية. جاءت “النبطي” أقل حضوراً. ربما لقلة الاهتمام. ربما لأن نقدها لموجة “الإسلام البدوي القاسي” كان موارباً. نبطي يوسف زيدان المتصوف خرج هذه المرة عن صمته وربما عن أدب الباحث.

كتب زيدان عن نفسه في موقعه الإلكتروني “كنت أعاني الوحدة القاسية في طفولتي، وضقت ذات يوم بوحدتي وبالحصار الصارم الذي يفرضه عليّ جدي لأمي.. فغافلت الجميع وتسللت إلى منطقة (غيط العنب) وظللت مصمِّماً على أن أصل إلى نهاية الكون. كان سني آنذاك سبعة أعوام، وفى أوان المغرب وصلت إلى مبتغاي الذي ظننته وقتها آخر العمران البشري: سور مهول، يمتد إلى ما لانهاية في آخر منطقة غيط العنب (أعرف الآن أنه سور شركة الغزل والنسيج). وأيقنت من وقتها، أن الإنسان إذا واصل سعيه دون كلل، فلا بد له أن يصل!”.

تلك القصة تعبّر عن روح زيدان العنيدة؛ باحث غزير الإنتاج. لا يعرف الملل. كرّس حياته للبحث في المخطوطات العربية. أسس مركز المخطوطات في مكتبة الإسكندرية التي أُبعد عنها نتيجة خلاف مع مدير المكتبة يومها. ألّف في الرواية “ظل الأفعى” و”عزازيل” و”النبطي” و”غوانتانمو”. نقد عميقاً في “اللاهوت العربي”. فند الكثير من النظريات العامة في الدين. دافع طويلا عن نتائج أبحاثه وآخرها كان ملف الإسراء والمعراج.

مهرجان "تويزا" في المغرب شهد إطلاق زيدان لتصريحاته الغاضبة والتي قال فيها إنه لم يخرج عالم واحد من الجزيرة العربية، مضيفاً أن الإسلام حين ظهر" كان يُنظر لسكان الجزيرة العربية بأنهم (سراق إبل). عمر المنطقة دي ما كان فيها حضارة".
أنكر وجود المسجد الأقصى من أصله. قال “يعني إيه القدس؟ دول جماعة يهود كانوا في بابل والملك بيضحك عليهم عملهم بتاعة كدة، حاجة سياسية، وإحنا عاملين من القدس حكاية، يعني إيه القدس؟.هي ليست إلا لعبة سياسية لعبدالملك بن مروان”.
قالها بكل بساطة، وتابع بأنه قادر على الدفاع عن هذه المعلومات والحقائق لأنها حقائق لا يد له فيها. لم يكن اسمها القدس يوم زارها عمر بن الخطاب. لم تُعرف بهذا الاسم إلا متأخراً. لم يكن فيها أيّ مسجد يوم كان الرسول على قيد الحياة. بناء المسجد جاء لمسألة سياسية تتعلق بخلافة الأمويين. الإسراء والمعراج جاءت في كل الديانات تقريباً. يقرّ زيدان، إذا ما جاء أي باحث بعكس ما أقول أتراجع عنه. هذه روح الباحث المنتفض.

تمرد المثقف

هذه الروح تاهت عندما أصرّ على الاستهزاء بمدير إحدى جلسات مهرجان “تويزا” وكانت بعنوان “في حاجة إلى التنوير”. شارك فيها يوسف زيدان مع بعض الشخصيات الأدبية الأخرى مثل يوسف الصديق وحسن الأوريد وأحمد عصميد. قدمها الإعلامي ياسين عدنان. الأخير تدخل بكلمات واضحة بأن التدخين ممنوع في القاعة. جاءت كلماته لحظة أشعل زيدان سيجارته وهو على المنصة. عزز الإعلامي موقفه بأن القانون يمنع التدخين في الأماكن العامة. سخر منه زيدان. “هو إحنا في درس دين، أخبرني بآية واحدة من القرآن الكريم تمنع التدخين”. انسحب زيدان من الجلسة لحوالي عشرين دقيقة ثم عاد إليها.

تابع تعليقاته الساخرة عبر صفحته على موقع فيسبوك “ومن لطائف ما جرى في طنجة، أنني عقدت ثلاث ندوات في ثلاثة أيام متتالية، وكلها شهدت حضوراً حاشداً غير مسبوق، مما أثار غيرة بعض الفاشلين هناك. وكانت الندوات تقام في فندق، وتستمر لساعاتٍ طوال، فكنت أدخّن كعادتي بعد ساعة أو أكثر، فلما كانت الندوة الثالثة التي يديرها شاب مغمور قيل لي إنه (مذيع) راح يصخب في الميكروفون صارخاً بهستيرية إن التدخين ممنوع! مع أننا في فندق سياحي ليست فيه إشارة واحدة تحظر التدخين. كان ينتظر مما فعله أن أغضب، لكنني استوعبت الحال وقابلته بسخرية خفيفة. ومرّ الأمر”.

مرّ الأمر! ربما برأي زيدان. أمر السيجارة مرّ. فهل تمرّ كلماته عن جزيرة العرب؟ اليوم تشهد الساحة الإعلامية ردوداً كثيرة على تلك التصريحات. لم يعد سكان جزيرة العرب “سارقي إبل” كما قال عنهم زيدان. لم يكونوا يوماً بجمعهم هكذا. فكيف سمح هو لنفسه أن يطلق على الجميع حكماً شمولياً كهذا؟ الشمولية طريقة الجنرالات. فهل بات زيدان كذلك؟ الأمل ألا نكون على حق. وألا يتملك زيدان شيطان الغرور بما وصل إليه. نأمل أنها شطحات لا أكثر.

انتقد زيدان الإخوان والمتشددين، وكان شجاعاً في مواجهتهم، لكنه واصل انتقاده هذا ليشمل العرب عموماً هذه المرة، فكتب عنه النقاد المصريون أنه يعتمد الأسلوب الديكارتي التشكيكي، وحينها علقوا بالقول “زيدان يسيء إلى سمعة الأسلوب الديكارتي ذاته” خاصة حين جادل في قصة يوسف في الكتب المقدسة، محتجاً على فكرة أن يغري راعي غنم أسمر زوجة عزيز مصر. وفي برنامج الإعلامي محمود سعد على فضائية “النهار” قال زيدان غاضباً “هذا الشعب جاهل. جهلة. هؤلاء جهلة يا أستاذ محمود”.

مهرجان "تويزا" في المغرب شهد إطلاق زيدان لتصريحاته الغاضبة والتي قال فيها إنه لم يخرج عالم واحد من الجزيرة العربية، مضيفاً أن الإسلام حين ظهر" كان يُنظر لسكان الجزيرة العربية بأنهم (سراق إبل). عمر المنطقة دي ما كان فيها حضارة".

عدو الجميع

ردّ كثيرون على زيدان وحديثه عن جزيرة العرب، كان من بينهم الدكتور عيد اليحيى معد ومقدم برنامج “على خطى العرب” على قناة العربية، من خلال برنامج “تفاعلكم” للإعلامية السعودية سارة الدندراوي، بالقول “الجزيرة العربية مصدر اللغة العربية، فكيف ليس بها علماء للغة العربية؟ الإمام علي (رضي الله عنه) أبو اللغة العربية وصاحب النحو، وأبو الأسود الدؤلي هو عربي وهو الذي نحا النحو بأمر من الإمام علي بن أبي طالب، ثم الأصمعي. ثم من جاء بعدهم من الموالي مثل سيبويه وابن جني. ومن ليس من الجزيرة فقد تعلم فيها”، وأكد اليحيى أن “علماء الغرب يرون أن جميع الهجرات السامية خرجت من الجزيرة العربية، وليس بعد انهيار سد مأرب كما زعم زيدان”. لأن سد مأرب كان “حديثا” وليس “قديما”، وهذا يوضح جهلا كبيرا وفقرا في المعلومات لدى زيدان.

وطالب مثقفون عرب وخليجيون، وفقاً لصحيفة عكاظ السعودية، بضرورة استبعاد يوسف زيدان بقرار جماعي من الفعاليات الثقافية في السعودية ودول الخليج وعدم دعوته، بعد أن وصفوه بـ”السلبي الحاقد”. وأكد الروائي الإماراتي عبدالله النعيمي، على ضرورة استبعاده وعدم دعوته قطعياً لأيّ فعالية، مضيفاً أن “مثل (زيدان) سيستمر في غيّه”. الشاعرة الكويتية سعدية مفرح قالت إن “زيدان يعود لشعوبيته، وهذه المرة يحاول ضرب السعودية والعرب في قلب الجزيرة العربية”.

الصوفي المريد يطلب منه أن يهذب نفسه بالعمل والقول والصوم. يصمت كثيرا ويأكل وينام قليلاً. تكلم زيدان كثيراً جداً فأخطأ وأصاب. الصمت سمة العارفين. وزيدان خير العارفين بهذا القول. فهل يصمت زيدان عن الكلام السياسي والتهكم؟ هل يعود إلى مكتبته وبحوثه وينفع الناس بما تريد وترغب؟ الراهب في سن الابتداء يدربه السابقون بأن الغوايات الشيطانية لها صنوف كثيرة. أبشع تلك الغوايات وأخطرها الغرور بما نحن عليه من حسن الخلق وسعة المعرفة.

8