يوسف شاهين المخرج الضال الذي قاد مصر إلى العالمية

تعد تجربة المخرج المصري يوسف شاهين من أهم التجارب السينمائية العربية التي حققت العالمية، وقد خوله أسلوبه الفريد في المزج بين الماضي والحاضر واستنطاق التاريخ نقديا وبجرأة أن يكون التجربة المثيرة للجدل.
الأربعاء 2018/03/07
صنع الأفلام ممارسة سياسية وثقافية

القاهرة- “ليس هناك صانع سينما آخر في تاريخ السينما العربية، شهد وتأمل ثم صوّر في أعماله أوجها كثيرة جدا للتغيرات والهبات في العالم العربي المعاصر، مثل صانع الأفلام المصري يوسف شاهين”. هكذا يقدم مالك خوري يوسف شاهين في كتابه “المشروع القومي العربي في سينما يوسف شاهين”، الذي ترجمه حسن بيومي ليصدر أخيرا عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة.

ويقر الكاتب بأهمية وتميز سينما يوسف، مؤكدا أنه في مؤلفه هذا يحاول أن يعيد وضع علاقة شاهين بالسينما في بيئتها ومصادرها وجمالياتها العربية، وفي السياق الخاص بالمشروع القومي العربي، فهو يركز على “كيف ساهمت أعمال شاهين باتساق في هدم أسطورة الهوّية القومية العربية المتجانسة، وفي الوقت ذاته تعيد بناء مفهوم الأمة والهوية القومية العربية باعتبارها مفهوما غير متجانس ومكمل لمشروع التحديث طويل المدى”. فأعماله تشمل 44 فيلما تجسّد فحصا ثريا ونقديا للتاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين.

منعت بعض أفلام يوسف شاهين من العرض، ولكنه تخطى كل ذلك وليست مصادفة أن ينال جائزة اليوبيل الذهبي في مهرجان كان عن مجمل أعماله سنة 1997، وأن ينال رتبة ضابط في لجنة الشرف من قبل فرنسا وغيرها من التتويجات المرموقة

مشروع غير منجز

يضع الكتاب سينما شاهين تاريخيا داخل نطاق المشروع القومي العربي، إضافة إلى وعيه بتطور سينما شاهين وكيفية عكسها للنضالات الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية في أربع فترات تاريخية حاسمة.

فيبدأ بالتعامل مع المشروع القومي العربي باعتباره مشروعا غير منجز، ومسعى لم يتم، ويدرس سينما ما قبل يوليو 52، المتزامنة مع بدايات سينما شاهين، بعدها يتناول أفلام شاهين في الخمسينات واهتمامه المبكر بقضايا التغيير الاجتماعي وكيف تناول ذلك في أعماله، وكيف التقت السينما الشعبية عند شاهين بأفكار نضال ما بعد الاستعمار والوحدة العربية. وهي الأفلام التي شكلت شهرته باعتباره مؤيدا للتضامن العربي ولثورة عبدالناصر، ومن أشهر أفلام هذه المرحلة “الناصر صلاح الدين”.

وجاء فيلم “الناصر صلاح الدين” في سياق عزز اعتباره فيلما سياسيا، فبينما انطلق مشروع شاهين من دافع شخصي لتقديم ملحمة تاريخية شبيهة بملاحم هوليوود، فإن مغزى الفيلم يظل ملتزما بالخطاب السياسي لعصره، وقد مثل الفيلم بداية قوية للتطورات التقنية الخاصة بمشروع سينمائي عربي جديد، كما مثل تعبيرا قويا عن السينما في وقت دار فيه خطاب التحرر الوطني حول تقرير المصير، فالفيلم يعيد تقديم التاريخ وعينه على الحاضر “فلم يكن تعامل شاهين مع التاريخ بغرض تقديم الأحداث التاريخية بل كان يستخدمها كعدسات على الحاضر، وبهذا المعنى تنشأ ملاحمه كقصص رمزية”.

كما عكس فيلم “الناس والنيل” نقطة تحول أخرى في مسيرة شاهين، حيث لعبت رؤيته الذاتية للأحداث دورا في تعريفه السينمائي لها. فالفيلم يعكس رؤيته للمشروع القومي برسمه صورة غير متجانسة للمجتمع المصري، كما أنه قدم صورة بديلة للأمة تجاوزت الرؤية الرسمية للوحدة الوطنية، فأظهر خاصيتي التنوع والوحدة معا.

أما فيلم “الأرض” فعاد فيه شاهين إلى اهتمامه القديم قبل ثورة يوليو بقضايا الفلاحين، وإذا كانت القصة الأصلية مروية بضمير المتكلم لراو واحد، فإن الفيلم أظهر وجهات نظر متعددة تتيح له التركيز على الجوانب البصرية لبيئة أحداث الفيلم، كما أن كل شخصية في الفيلم توظف كامتداد لفعالية طبقية واجتماعية وثقافية.

كتاب عن الواقع السياسي والاجتماعي والنضالي في سينما شاهين
كتاب عن الواقع السياسي والاجتماعي والنضالي في سينما شاهين

المخرج الضال

أحدثت هزيمة 1967 تغييرات سياسية تلمّسها شاهين في ثلاثية أفلام الهزيمة، وهي تضم أفلام “الاختيار” و”العصفور” و”عودة الابن الضال”. ويقارن شاهين بينها وبين فيلم الأرض فيقول “الأرض عن قصة رجل يختار المقاومة ويرفض الاستسلام، بينما فيلم الاختيار يتناول قصة رجل يقرر الاستسلام ويقبل بالهزيمة، لكنه مع مرور الأيام يكشف خيانته لذاته”.

وزادت حدة التغييرات لدى المخرج بالرحيل المفاجئ لجمال عبدالناصر، وقد مثلت الفترة التالية مباشرة لرحيله مرحلة جديدة بالنسبة إلى الصناعات الثقافية، ومرت السينما المصرية بأزمات ناتجة عن انحسار عدد دور العرض إضافة إلى التأثير المتزايد للتليفزيون، فلجأ البعض إلى الإنتاج الأجنبي كما فعل شاهين في فيلمه “العصفور” و”عودة الابن الضال”، وهي التجربة التي عاد لها مع أفلام “وداعا بونابرت” و”إسكندرية كمان وكمان” وفي أفلام أخرى تالية.

ورغم منع عرض فيلم “العصفور” في مصر وهجوم الدوائر اليمينية عليه، إلا أن الفيلم مازال يحظى بتقدير كبير منذ عرضه في مهرجان سينمائي بلبنان في سبتمبر 1973، وقد اعتبره الناقد علي أبوشادي بداية مرحلة جديدة في تطور لغة شاهين السينمائية، خصوصا في ما يتعلق باستخدامه لزوايا تصوير غير مألوفة، وطريقته في تطوير الشخصيات وتوظيفها رمزيا، إضافة إلى الاستخدام الفعال للموسيقى. أما من حيث المضمون فقد مثل الفيلم أول محاولة سينمائية عربية جادة للتعامل مع آثار الهزيمة.

وعموما مثل الفيلم استهلالا لمرحلة جديدة في سينما شاهين، حيث أنه أدخله مرحلة الاستقلال المؤسساتي عن الحكومة المصرية، وهو الأمر الذي أصبح عنصرا مكمّلا في الأفلام التالية للمخرج. وأولها “عودة الابن الضال” الذي عكس قلق صانعه إزاء ما يحدث في مصر من تغييرات سياسية واجتماعية، أما أسلوبيا فقد ابتعد الفيلم عن تقاليد السينما الشعبية مصريا وعربيا، فقد مزج بين أنماط الفيلم الموسيقي والفيلم البوليسي، وهو مبني على التعبير التصويري للشخصيات والأحداث من خلال مونتاج قلق.

وفي أواخر السبعينات مزج شاهين بين الذاتي والتاريخي في “إسكندرية ليه”، وبدأ في تقديم معالجات سياسية وجمالية جديدة لقضية الهوية القومية العربية. وتكشف فصول الكتاب عن فهم يوسف شاهين لصنع الأفلام على أنها ممارسة سياسية وثقافية تعيد تفسير الواقع والتاريخ الاجتماعي من خلال إحساسه بالهوية العربية، والمشروع القومي العربي.

14