يوسف شاهين وصلاح أبوسيف

الأربعاء 2015/06/24

بعد هزيمة 1967، ساد الخطاب الأيديولوجي النقد السينمائي العربي، وكانت صحف بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد، ترحب به وقتها، طالما أنه يصب في خدمة “القضية”.

وأرجو ألاّ تسألني عما هي القضية، فقد كان لكل من تلك الأنظمة العربية، قضيته، ولكن “القضية” في مصر كانت ترتبط بالتوجهات “الاشتراكية” التي ألحق بها البعض صفة “العربية” تارة، أو “الناصرية” تارة أخرى.

ومع هيمنة الخطاب الأيديولوجي اليساري على الصحف وأجهزة الإعلام عموما، سواء عن “تصديق” كما حدث في حالة كثير من الكتاب الذين كانوا قد غادروا معتقلات عبدالناصر حديثا، أو عن انتهازية كما فعل كثير من أهل اليمين الذين أصبحوا فجأة يظهرون في صورة أهل “اليسار”.

سادت النقد السينمائي نبرة أيديولوجية تصنف الأفلام إلى أفلام تقدمية وأخرى رجعية، أي تحكم على الأفلام طبقا لمضمونها الفكري، أو ما تتضمنه من رسالة سياسية “تقدمية” تتسق مع التوجهات الرسمية. لذلك ساد اعتقاد روّج له أصحاب تلك الأقلام، كان يرى أن أفلام يوسف شاهين أهم كثيرا من أفلام صلاح أبوسيف وكمال الشيخ.

وكلاهما كان يتمتع بموهبة سينمائية رفيعة، ورؤية سينمائية خاصة، لم تكن بعيدة عن هموم الناس والحياة، لكنها لم تكن تزعم أنها تعبر عن “ضمير الأمة” مثلا، بل واجهت محاولة صلاح أبوسيف تقديم رواية نجيب محفوظ “القاهرة الجديدة” مشاكل مع الرقابة على السينما، التي اعترضت أولا على اسم الرواية، فتم تغييره في الفيلم إلى “القاهرة 30″ للتأكيد على أنه يتناول مجتمع الماضي، كما استبعدت منه شخصية أو أكثر، لكي لا يفهم أنه يتعاطف مع تيار سياسي معين كانت ترمز إليه الشخصية.

أما كمال الشيخ فكان يتم تجاهل قيمة أفلامه الفنية الرفيعة، ويتم تهميشه لأن آراءه السياسية كانت متحفظة أو محافظة، ولم يكن من أصحاب الصوت العالي في تأييد النظام أو صنع أفلام تروّج للخطاب الأيديولوجي السائد.

أما شاهين فمنذ أن صنع “الأرض” (1969)، ثم “الاختيار” (1970) أصبح ينظر إليه باعتباره السينمائي صاحب الفكر النقدي الاجتماعي الأول، خصوصا بعدما مدّ تجربته على استقامتها في أفلامه التالية مثل “العصفور” و”عودة الابن الضال”.

وإن كان الفضل في وضوح الرؤية السياسية في هذه الأفلام، يعود إلى استنادها على سيناريوهات كتبها عدد من كتاب اليسار مثل عبدالرحمن الشرقاوي وحسن فؤاد (الأرض)، ولطفي الخولي (العصفور)، وصلاح جاهين (عودة الابن الضال)، قبل أن يبدأ شاهين مرحلة جديدة في مسيرته الفنية بأفلام السيرة الذاتية بدءا من فيلم “إسكندرية ليه” (1978).

ومع ذلك فالملاحظ أن بعض أفلام صلاح أبوسيف ويوسف شاهين تعرض لغضب السلطة، فقد تعرض فيلم أبوسيف “القضية 68″ مثلا لهجوم حاد من صحف التنظيم السياسي أي الاتحاد الاشتراكي، وكاد أن يمنع من العرض، كما تعرض فيلم “العصفور” للحظر من جانب رقابة السادات التي لم تسمح بعرضه إلّا بعد حرب أكتوبر 1973 حيث عرض في العام التالي.

ولم تكن العلاقة بين شاهين وأبوسيف على ما يرام، بل كانت علاقة شدّ وجذب، وصلت إلى نهايتها كما أتخيل، بعد أن أنتج شاهين فيلم “السقا مات” أحد أفضل أعمال صلاح أبوسيف، ولم يكن شاهين سعيدا به، بل كان يتشكك في ما يمكن أن يكون ردّ فعل الجمهور تجاهه، وربما شعر أيضا بنوع من الغيرة، ولا شك أن الغيرة الفنية كانت موجودة بين العملاقين، وهي غيرة مشروعة تدفع إلى التجديد والتجويد، فأين نحن اليوم من هذا العصر؟

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16