يوسف عزيزي: عرب الأحواز نجحوا في تحدي الحفاظ على وجودهم

النخبة الأحوازية في حاجة إلى دعم معنوي واهتمام من المحيط العربي، والتكنولوجيا أحبطت مشاريع النظام الإيراني لعزلهم لغويا وثقافيا عن محيطهم العربي.
الأحد 2019/05/19
يوسف عزيزي: لا تنسوا الأحواز

مع تواصل الممارسات العنصرية بحق الأقليات في إيران وإصرار النظام على اضطهاد الأقلية العربية بصفة خاصة. يشعر عرب الأحواز بأن قضيتهم منسية ومغيبة أمام انشغال العالم بالقضايا الإقليمية الساخنة. وفي حواره مع “العرب” أكد الكاتب الأحوازي يوسف عزيزي أن قضية الإقليم في حاجة إلى المزيد من التعريف على الصعيد الدولي. محذرا من خطط النظام لـ”تفريس” المنطقة حيث ترصد إيران كل أدواتها الناعمة والخشنة بغاية الوصول إلى هذا الهدف الخبيث.

أبوظبي - تشكو الأقلية العربية المضطهدة في إقليم الأحواز تحت يد النظام الإيراني منذ سنوات طويلة من تهميش لقضيتها، وهي في نظرها مغيبة أو منسية.

ولعل مرور ذكرى احتلال الإقليم العربي الذي يوافق 22 أبريل من كل عام باختلاق النظام أزمة سيولة مفتعلة وإصراره على تسليط أقسى ممارسات القمع ضد الأقلية العربية أمام مرأى العالم، دليل على تجاهل دولي لانتهاكات النظام بحق الأقليات، ورغم التحذير الغربي من خطر السياسات الخارجية لإيران على استقرار وأمن العالم، إلا أنه يراقب سياساتها الداخلية القمعية بصمت ويكتفي ببيانات الشجب والتنديد.

ويرفض الكاتب الأحوزاي يوسف عزيزي الرضوخ لنظام له سجل طويل من المظالم والتهميش المتعمد للأقليات الممزوج بدوافع أيديولوجية، منتقدا الصمت الدولي. وعلى الرغم من ملاحقة النظام له وتعرضه للسجن لم يتراجع في الدفاع عن حقه شعبه رافضا المس بهويته العربية أو تفريسها كما تخطط له الحكومة الإيرانية.

ويوسف عزيزي كاتب ومترجم وناشط سياسي من مواليد عام 1951 بإقليم الأحواز جنوب غرب إيران وقد ناضل طويلا من أجل حرية الإقليم. يعمل في مجال الصحافة منذ 3 عقود، وصدر له حتى الآن 25 كتاباً والمئات من المقالات باللغتين الفارسية والعربية. وتشمل دراساته ومقالاته الشؤون السياسية والثقافية في إيران.

التقت “العرب” الكاتب يوسف عزيزي ضمن جلسات نقاش أقامها المركز العربي للأدب الجغرافي على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ29.

وجد الكاتب المتحصل مؤخرا على جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات لعام 2019، في اللقاء فرصة لتذكير العالم المنشغل بقضايا الشرق الأوسط الساخنة، بمعاناة الأحوازيين.

عرب الأحواز والمنطقة العربية في خطر لأن النظام الإيراني يستخدم أدواته الناعمة والخشنة بهدف تفريس المنطقة
 

تحدث الكاتب بداية عن وقع الجائزة في نفسه. حيث يقول “الجائزة عن أدب الرحلات الجغرافية، لكن يبدو أنها شملتني أيضا”.

ويشرح “صحيح لم أرحل طولا وعرضا في الأرض، ولكن في مكان ضيق يسمى الزنزانة الانفرادية التي تتشكل من مترين عرض وثلاثة أمتار طولا أو أقل من ذلك، سافرت وتعمّقت خلال الفترة التي قضيتها في السجن الانفرادي، وبحثت عن نفسي التي ليست في الفضاء الرحب والحرية الموجودة للناس.. إنها رحلة في الأنفس، التي حكي لنا المتصوفة عنها كثيرا”.

وخلال الأعوام الثلاثة (2005 - 2008) تم استدعاء يوسف عزيزي لوزارة الأمن والمحكمة الثورية في إيران لعدة مرات. وقد استمرت محاكمته في محكمة الثورة الإسلامية بطهران (الشعبة 15) لمدة 7 أشهر (من سبتمبر2007 إلى أبريل 2008) حيث صدر ضده حكما بالسجن لمدة 5 سنوات بتهمة تنظيم مظاهرات أبريل 2005 في الأحواز. وانتفاضة الأحوازيين في 15 أبريل عام 2005، هي إحدى أبرز محطات النضال ضد السياسات القمعية للنظام الإيراني.

وانطلاقا من الاضطهاد الذي تعرض له تطرق يوسف عزيزي إلى معاناة الأقلية العربية في إيران من تهميش متعمد كحال بقية الأقليات الأخرى وهم الأذريون والجيلاك والأكراد والبلوش والتركمان. محذرا من خطط إيران لـ”تفريس” المنطقة على حد وصفه.

قضية مازالت منسية

يوميات كانت منفي ينتمي إلى أرض عربية محتلة
يوميات كانت منفي ينتمي إلى أرض عربية محتلة

تواجه الأقلية العربية في إيران التمييز والقيود التعسفية في ما يتعلق بتلقيها التعليم، والتوظيف، والحصول على المسكن المناسب، وفي ما يخص تمتعها بحقوقها الثقافية واللغوية، كما مارست سياسات لتغيير الواقع الديموغرافي في مناطقها منذ 1928.

هذا الوقع الصعب يدفع بهذه الأقليات إلى الالتجاء إلى الاحتجاجات والمظاهرات السلمية المطالبة بالإدماج في المجتمع، غير أن السلطات ترد بالقمع والعنف كعادتها.

وقد رصد كتابه “في وراء الشمس – يوميات كاتب أحوازي في زنازين إيران السرية” معاناة الأقلية العربية. ومع ذلك يلفت عزيزي أن كل ما ذكره في كتابه عن الشعب العربي الأحوزاي هو قطرة من بحر، فالمأساة والكوارث التي يواجهها هذا الشعب منذ تسعة عقود أعمق وأوسع مما نقلته صفحات الكتاب.

 وحذر من أن عرب الأحواز والمنطقة العربية في خطر لأن النظام الإيراني يستخدم أدواته الناعمة والخشنة بهدف “تفريس” المنطقة. وحسب عزيزي تأتي أهمية إقليم الأحواز بالنسبة لإيران لأن المنطقة “تضم النفط الذي يشكل 80 بالمئة من إيرادات إيران، لذا بودها لو هاجر العرب من ‘عربستان’ أرض آبائهم وأجدادهم أو ‘يستفرسون'”، وهذه هي استراتيجية السلطة الإيرانية.

ويرى عزيزي أن القضية الأحوزاية في حاجة إلى جهد أكثر للتعريف بها فقد ظلت مغيبة، وفي اعتقاده لم يتم التعريف بها مثل القضية الفلسطينية على سبيل المثال.

ويضيف “منذ تسعة عقود فقدنا دولتنا الوطنية وحكمنا الوطني، ولم نستطع أن نتحرر بسبب تضييق النظام الإيراني علينا على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، فكنا خلال هذه العقود التسعة الماضية نصارع من أجل البقاء”.

 ويعتقد عزيزي أن الأحوازيين نجحوا في تحدي الحفاظ على وجودهم رغم جبروت النظام. ويقول لقد أثبتنا أننا نستطيع ذلك، والامتحان والاختبار لحد الآن كانا ناجحين.

وأعرب الكاتب الأحوزاي عن أمله في نجاح الأحوازيين مستقبلا في التحرر من قبضة النظام الإيراني نهائيا. ويرى أن مكامن النجاح متوفرة أبرزها وعي الإقليم بحقوقه المشروعة ورفضه للاضطهاد العنصري والقومي. وقد أسهمت التكنولوجيا وثورة المعلومات في تشكيل هذا الوعي بل إنه تم فضح نواياه الاستعمارية بحق المنطقة.

ومنذ أن أزاح آية الله الخميني نظام الشاه وإعلانه الثورة الإسلامية في البلاد تنصل النظام من وعوده تجاه الأقليات بل عاملها معاملة قاسية خاصة الأقلية العربية حيث عمد النظام إلى طمس هويتها حتى تكون في تبعية له.

ومن وسائل النظام الخبيثة استقطاب سكان الأحواز لإرسالهم بغرض التجسس والتشويش داخل الدول العربية. وهو ما لا ينكره يوسف عزيزي. ويقول “المواطنون العرب في إيران تشملهم القوانين الإيرانية، ومنها التجنيد الإجباري، والخدمة العسكرية، فإذا طلبوا من هؤلاء الناس الذهاب إلى سوريا كجنود تابعين للحرس الثوري أو الجيش أو أي مكان آخر، فهؤلاء الناس يجدون أنفسهم مضطرين لطاعة الأمر العسكري”.

ورغم هول وحجم الاضطهاد يتمسك عرب الأحواز بهويتهم العربية. ويؤكد يوسف عزيزي أن العلاقات العشائرية والقبلية، هي التي تحافظ على عروبتنا وثقافتنا وتقاليدنا قوية ومتماسكة.

ويوضح “نحن لم نخلق ثقافيا من العدم، لدينا تاريخ أدبي وثقافي عريق. وقد ظهر لدينا الفقهاء والشعراء والأدباء الذين لا تزال تطبع أعمالهم في العواصم العربية”.

 لكن ما يهدد الهوية العربية حسب عزيزي هو مساعي النظام منذ أكثر من تسعة عقود لـ”تفريس” كل ما يخص الأحواز. وما وقع أنه “لم يدرس أو يذكر أي شيء عن تاريخ أدبنا وثقافتنا وعن تاريخنا، وما يتم تعليمه لنا هو تاريخ إيران فقط”.

وحول تمكن الأحوازيين من اللغة العربية أوضح قائلا “عندما يدخل الطفل الأحوازي في سن السادسة إلى المدرسة يتم بتر لسانه العربي، ويمنع عنه التعليم باللغة العربية، كان ذلك في كلا العهدين الملكي وزمن الجمهورية الإسلامية  التي تدعي أن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة الإسلام، ورغم التعتيم والمنع فإن اللغة العربية هي اللغة الثانية في البلد”.

طمس الهوية العربية

إيران تسعى إلى "تفريس" الأحوازيين
إيران تسعى إلى "تفريس" الأحوازيين

خلال العقود الأربعة الماضية لم يسمح نظام الجمهورية الإسلامية للأقلية العربية بتعلم لغتها. وأشار عزيزي إلى أن إتقان اللغة كان بفضل الجهود الفردية.

 ويقول “نحن عشقنا لغتنا وأحببناها بجهودنا الفردية”، ويشير إلى أنه يترجم الأدب والشعر والرواية والفكر العربي، ويكتب أيضا القصة والبحث وغيرهما.

ويلفت أن النخبة الأحوازية ممثلة في الشباب تتقن العربية بجهودها وتتقن الفارسية المفروضة عليها أيضا، ويصفها بـ”سفراء الأدب العربي في إيران،
حيث يترجمون الرواية العربية إلى الفارسية”.

وحسب الكاتب الأحوازي فإن الحفاظ على اللغة من أهم مقاصد النخبة التي تترجم أو تكتب أو تعمل في الحقل الإبداعي والثقافي. ورغم خطط إيران لعزل سكان الأحواز عن محيطهم العربي.

يشير يوسف عزيزي إلى أن الشعب الاحوازي ينهل من الثقافة العربية من المحيط إلى الخليج بفضل وسائل الإعلام وأيضا عبر استفادته من التطورات التكنولوجية ووسائل التواصل الحديثة. ويؤكد أنه “بفضل التكنولوجيا أحبطت مشاريع النظام الإيراني لعزلنا لغويا وثقافيا عن محيطنا العربي”.

يوسف عزيزي يقول إن الفرس والعرب هم شعوب متجاورة ولا بد لهم من فهم متبادل، والأحسن أن يكون عن طريق الأدب باعتباره الكاشف عن الروح الإنسانية

ويكشف عزيزي عن حجم التمييز الذي يتعرض له الكاتب الأحوازي في حين أن من يكتب بالفارسية يتوفر له الدعم والإمكانيات لكن إذا كتب باللغة العربية يحرم من الدعم.

ومع ذلك يبقى عرب الأحواز صامدين أمام هذه الممارسات العنصرية والاستفزازية بحقهم. ويخوضون يوميا معركتهم الثقافية حفاظا على هويتهم العربية. ويتابع في استياء “نحن نصارع العنصرية يوميا في وسائل الإعلام الإيرانية. يهاجموننا بشكل يومي. لا نسلم حتى من كتابهم ومثقفيهم”.

 ويستحضر يوسف عزيزي تجربته كعضو في اتحاد الكتاب الإيرانيين. ويقول “رغم أنه اتحاد معارض، أستطيع القول بيقين إن أغلب كتابه وشعرائه عنصريون تجاه العرب”.

 أمام الممارسات الإيرانية العنصرية بحق الأقلية العربية داخليا، وعبر انتهاج دور تخريبي عقّد الأوضاع الإقليمية وأسهم في توتير العلاقات العربية الإيرانية يثق الكاتب الأحوازي في قدرة الأدب على تخفيف التشنج بالمنطقة. ويقول إن الفرس والعرب هم شعوب متجاورة ولا بد لهم من فهم متبادل، والأحسن أن يكون عن طريق الأدب باعتباره الكاشف عن الروح الإنسانية. ويشرح قائلا “الإبداع الشعري والقصصي والروائي هو من يعرّف الناس ببعضهم البعض”. وهذه المهمة على عاتق الترجمة.

وحول دور الأدباء والمترجمين والصحافيين الأحوازيين في ترجمة الأدب الفارسي إلى العربية، حيث يوجد عمل مزدوج، يؤكد عزيزي أن “الأحوازيين يلعبون دور الجسر الثقافي والحضاري لنقل الأدب العربي إلى الفارسية وفي نفس الوقت نقل الأدب الفارسي إلى العربية”.

وفي ختام حواره مع “العرب” يشير الكاتب الأحوازي يوسف عزيزي إلى أن النخبة الأحوازية العربية في حاجة إلى دعم معنوي عربي كأن يتم دعوتها إلى المؤتمرات والفعاليات الثقافية والإبداعية والسينمائية لمزيد الاندماج والانفتاح على محيطها العربي.

يوسف عزيزي

وراء الشمس يوميات أحوازي في زنازين إيران

فاز كتاب الكاتب الأحوازي العربي يوسف عزيزي “وراء الشمس – يوميات كاتب أحوازي في زنازين إيران السرية” والذي ترجمه عن الفارسية عائض محمد آل ربيع، بجائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات المترجمة للعام 2019. وكشفت لجنة الجائزة في تقديمها للكتاب الصادر بالتعاون بين مركز ارتياد الآفاق للأدب الجغرافي ودار المتوسط عن معالمه وأشارت إلى أنه يوميات لكاتب منفي ينتمي إلى أرض عربية محتلة، هي أرض الأحواز التي كانت حتى ثلاثينات القرن الماضي من ضمن البلدان المستقلة، ولها كيان سياسي معترف به إقليميا ودوليا.

لكن السياسات الاستعمارية البريطانية قادت إلى اقتطاع تلك الأرض العربية المتاخمة للعراق، والمطلة على الخليج العربي وضمتها إلى مملكة في الجوار، وجعلتها جزءا مما سيعرف لاحقا بالشاهنشاهية الإيرانية التي يحكمها الشاه رضا بهلوي. وناضل يوسف عزيزي كاتب هذه اليوميات هو وجيله ضد السياسات العنصرية للشاه الفارسي، وقد عرف التوقيف شابا بسبب مطالبته بالحقوق العربية للأحواز

واعتقل في سجون ضمت نخبة من الأحوازيين والأكرد واللوريين والبلوش وغيرهم من أبناء القوميات غير الفارسية المطالبين بحقوقهم القومية. وعندما قامت الثورة على الشاه في أواخر السبعينات، وقد شارك فيها الكاتب، كان قادتها قد وعدوا القوميات غير الفارسية بإعادة الحقوق المسلوبة. لكن النظام الجديد الذي شكلت نواته النخب الثائرة ونادى الأحوازيين كما نادى أبناء القوميات الأخرى إلى المشاركة في الثورة على الشاه، سرعان ما تنكر لمبادئ الثائرين، ولم تف الثورة الإسلامية بوعدها، لا بل سارت على نهج الشاه نفسه في قمع الشعوب الأخرى، وزج المعارضين لها في السجون.

وكان يوسف عزيزي من بين الآلاف من الكتاب والمفكرين والمثقفين والفنانين والطلاب الذين شاركوا في الثورة ثم عرفوا المعتقلات ويوميات عزيزي أوسع وأكثر أهمية من أن تروي وقائع حياة شخص واحد، فهي أولا تروي جانبا من حكايته وحكاية جيل المثقفين المعبرين عن الشعوب الإيرانية المضطهدة من قبل النظام الثيوقراطي العنصري العسكري المتسلط في إيران.

ومن ناحية ثانية تشكل وثيقة فريدة من نوعها من الداخل الإيراني تكشف طبيعة التحولات التي وقعت ما بين وصول آية الله الخميني من منفاه الباريسي مع نهاية السبعينات محمولا على أكتاف من سيصبحون ضحاياه وضحايا نظامه إلى سدة الحكم، مرورا بالمحاكمات والإعدامات الميدانية الجائرة للنظام الإسلامي، وصولا إلى مطلع الألفية الثالثة التي مهدت وقائعها ليتدخل النظام الإيراني وحرسه الثوري في الشؤون العربية عبر انتهاج دور تخريبي معاد لدول المنطقة.

 

7