يوسف فاضل: النص المغربي صار مقروءا في أرجاء العالم

الثلاثاء 2014/02/25
يوسف فاضل: لم أوثق لسنوات الرصاص ولكني أدليت بشهادتي كروائي

الدار البيضاء- يوسف فاضل (64 عاما) الكاتب والسيناريست والروائي المغربي، يكتب بمتعة وبتأنّ ويكشف مواطن الحقيقة دون زيف أو قناع. وصلت روايته “طائر أزرق نادر يحلق معي” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية تجد في كتاباته عمق الهموم و”لذة” المعاناة والحنين الدائم إلى الماضي. ّالعرب" تحدثت إليه حول روايته الجديدة وملامح مسيرته الأدبية، في الحوار التالي.

بدأ يوسف فاضل حديثه إلينا، بتأكيده أن الكاتب مطالب بمواصلة إنتاجه وعدم الاكتفاء بما قدّمه، حتى وإن حقق النجاح تلو النجاح، "لأنك لو اقتنعت بأنك وصلت إلى القمة فلن تضيف شيئا ولن تُرضي ذاتك الأديبة”.

هدية للمغرب

يرى يوسف فاضل أن وصول روايته “طائر أزرق نادر يحلق معي” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر هو شرف بالنسبة إليه وبالنسبة إلى كل المغاربة، ويقول: “إن هذا التتويج هو في النهاية تتويج للرواية المغربية التي تستحق ما وصلت إليه اليوم، ووصولي إلى هذه المرتبة يشعرني بالفخر والاعتزاز لم أصب بالغرور لأن العمر تجاوز هذا الشعور، كما أن هذا التتويج هو أيضا مكافأة للمجهود المبذول طيلة عشرات السنين صحبة القلم والأوراق”.

ويتابع يوسف فاضل قوله: “أعتقد أن اختيار عملي ضمن القائمة الصغيرة هو خير هدية للنص المغربي، إن كان شعرا أو قصة أو رواية، وهو فرصة حقيقية لمزيد الاطلاع على الأدب المغربي باللغة العربية، خصوصا وأنه متهم بخروجه عن مسار الهوية الثقافية العربية وذلك لكثرة الأعمال المكتوبة باللغة الفرنسية. كما أن نجاح روايتي دليل قاطع على أن النص المغربي صار مقروءا في كافة أنحاء العالم”.


هاجس الكتابة


على غير ما يعتقد الكثيرون، بأن يوسف فاضل مختص في كتابة النصوص المسرحية والسيناريوهات، أكد لنا الكاتب أنه يكتب الرواية منذ سنة 1983، عندما صدرت له أول رواية بعنوان “الخنازير”، عن تداخل أجناس الكتابة عند يوسف فاضل وكيفية التوفيق بينها، يقول: “أنا أكتب كل ثلاث سنوات، أي أصدر عملي بعد تأن وإعادة قراءة، وبالإضافة إلى اشتغالي في ميدان المسرح وكتابة سيناريوهات عديد الأفلام والنصوص المسرحية، أصدرت إلى حدّ اليوم عشر روايات”.

روايتي"قط أبيض يسير معي" دخلت في عمق الحياة السياسية، وكشفت عن الممارسات المسكوت عنها

الرواية بالنسبة إلى فاضل تمثل هاجسا، وهي بالنسبة إليه الفضاء الأوسع للتعبير عن ذاته وعن الآخرين. يقول يوسف فاضل: “أنا مولع بتتبع معاناة الإنسان المغربي، وبنقل أوضاع عامة الشعب، ورصد التفاصيل الصغيرة، أنا عامل يومي بسيط، أشتغل من الساعة السادسة صباحا إلى منتصف النهار، ولم أشعر بأني صرت نجما، لأن التقدم في السن يقضي على كثير من الأشياء الثانوية”.


شهادة في رواية


جاء على ظهر غلاف روايته “طائر أزرق نادر يحلق معي”: في أجواء من الحاجة والهوان والقمع، تتفتح علاقة عشق بين زينة وعزيز: زينة التي تعاني وضعا عائليا مفككا وتنتهي متشردة في البارات، وعزيز الطيار الصامت، المرميّ في زنزانة، الذي يعشق التحليق، وينتهي مجهول المصير”.

هذه الكلمات قد تلخص الرواية المرشحة لنيل جائزة البوكر هذه السنة، الرواية قد توهم القارئ بأنها نقل لأحداث تاريخية ووصف لسيرة ذاتية، إلا أن يوسف فاضل أكد أنه لم يقصد توثيق التاريخ، وأنه نقل شهادته كروائي.

يقول فاضل: “الرواية تمتدّ من فترة السبعينات إلى أوائل التسعينات، أي ما يسمى بسنوات الرصاص، إبان القمع السياسي والاعتقالات، إلا أنني حقا لم أقصد التوثيق لتاريخ هذه المرحلة التي عاشها المغرب، ولكني أدليت بشهادتي كروائي، وذلك من خلال الابتعاد عن السرد الذاتي، أو ما يسمى بالسيرة الذاتية، لأن هناك من الكتّاب من قاموا بذلك ونقلوا الأحداث بكل تفاصيلها، أنا تناولت الفترة منذ الانقلاب العسكري إلى السنوات الأولى من تسعينات القرن الماضي بصورة أدبية روائية”.

الرواية جريئة لأنها مست الجانب السياسي

وعن الذين قالوا بأن هذه الرواية جريئة لأنها مست الجانب السياسي، يقول فاضل: “لا، هي ليست جريئة بالمفهوم المعروف والمتداول، أو حتى في المعنى اللغوي للكلمة، لأن روايتي “قط أبيض يسير معي”، التي تتحدث عن أيام الحسن الثاني، أعتبرها أكثر جرأة، لأنها دخلت في عمق الحياة السياسية، وربما كشفت عن بعض الجوانب الخفية والممارسات المسكوت عنها، لتلك الحقبة الهامّة من التاريخ السياسي للمغرب، أنا لا أعتقد أن روايتي الأخيرة تنتمي إلى أدب السيرة الذاتية لأنها لا تنقل الأحداث بصورة مطابقة للواقع، بل تسعى إلى تجنب الوقوع في التفاصيل الصغيرة التي تبقى الذاكرة هي الضامنة لحفظها”.


هم لا يكذبون


المشهد الثقافي في المغرب صار كألوان الطيف في مختلف الميادين وفي كل مجالات الكتاب، وصل إلى مرحلة “الطفرة”، نظرا لغزارة الإنتاج، وهو دليل على خلوّ جسده من “الأمراض”، وسيره على الطريق الصحيح، هذا ما أكده يوسف فاضل عند تطرقنا إلى واقع الأدب المغربي وآفاقه، يقول فاضل: “هناك العديد من التجارب الجديدة في المغرب، خصوصا في ميدان القصة القصيرة جدا وفي الرواية حققت العديد من النجاحات، ورسمت صورة جميلة للذائقة الإبداعية وهذا يدل على ثراء الساحة الأدبية بمختلف منطلقاتها وأفكارها وتنوع مشاربها وأهوائها".

ويتابع فاضل قوله:" أنا أعتقد أننا وصلنا في المغرب إلى مرحلة وجب علينا فيها المواظبة على الكتابة دون انقطاع أو تقصير، فلا مجال اليوم للتراجع عمّا حققناه وأنجزناه من أعمال في مختلف مجالات الأدب والفنون.

الأدب صورة للمجتمع ومرآة يرى من خلالها الكاتب الحقيقة التي قد تغيب عنه في الواقع عند ممارسة حياته

نحن اليوم نرى عديد الروايات تخرج إلى النور من خلال دور نشر عربية وعالمية، وهناك العديد من الأسماء التي اختصت في إصدار أعمالها عبر دور نشر شرقية، وهذا يترجم نجاحها في الوصول إلى العالمية من خلال ما نراه اليوم من انتشار واسع تجاوز كل الحدود الإقليمية الضيقة، واستطاع كتابنا أن يكسروا حاجز المحلية وهذا نابع من إرادة قوية”.

ويضيف يوسف فاضل قوله: “الأدب صورة للمجتمع ومرآة يرى من خلالها الكاتب الحقيقة التي قد تغيب عنه في الواقع، عند ممارسة حياته اليومية، بضجيجها وضوضائها وصعوبتها، كما أن الأدب مجال للتعبير الحرّ دون خوف أو ريبة، وهو أيضا ميدان تسقط فيه الأقنعة وتهرب منه المراوغات، أنا مؤمن بأن الأدباء بمختلف أشكال كتاباتهم، ربما، هم الأشخاص الوحيدون الذين لا يكذبون”.

15