يوسف وقاص: بطل روايتي الجديدة مهاجر مغربي

كاتب سوري مهاجر أعماله الروائية وترجماته جسر بين الثقافتين العربية والإيطالية.
الأحد 2019/08/25
رواية بثلاثة أبطال لكل منهم مصيره المختلف

يحلو للكاتب والمترجم السوري عماد الأحمد أن يُناديه بكُنية «عمّي أبوحسن»، ليس حباً به فحسب، بل أيضاً لما تبثّه نظرته من هيبة وإباء ٍحين يظهر في مجلسٍ ما؛ الكاتب والمترجم السوري يوسف وقّاص قليل الكلام، ثاقب النظرة وثابت الملامح، وقد يوحي ذلك للوهلة الأولى بأنّه شيّدَ متراساً يحتمي خلفه ليحول دون اقتحام الآخرين لعالمه، لكن، ما أنْ تتحدّث معه، حتى ولو كان للمرّة الأولى، حتى تكتشف أنّ وراء ذلك الثبات قلباً طريّاً، وما «التمترس» ذاك إلّا نتح زاهد لأهوال اختزنها في قلبه وعقله، كالملايين من السورّيّين والعراقيّين، وغيرهم من البشر الذين داستهم أهوال الحرب والصراعات والعنف، ومرّ الموت بجوارهم مرّات ومرّات.

يوسف وقّاص، جاء إلى الرواية المكتوبة بالإيطالية بالصدفة، ولضرورات يشعر بها المهاجر المنزوع من أيّ حقوق، “كنتُ في يومٍ من الأيام أشاهد برنامجاً تبثّه القناة الحكومية الثالثة (يساريّة الميول)، تضمّن دعوة إلى الكتّاب الأجانب المقيمين في إيطاليا، أو ممّن يعتقدون بامتلاك مَلَكة الكتابة، لإنجاز قصص قصيرة وإرسالها للمشاركة في مسابقة بهذا الخصوص، فتناولت دفتري في الحال وبدأت بالكتابة، دون أن أعلم إلى أين سأصل، وأن تلك الخطوة ستكون بداية لنشاطي الأدبي باللغة الإيطالية، وعرضت القصة على بعض الأصدقاء فأثنوا عليها، وأرسلتها إلى المسابقة؛ حيث فازت بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم. كانت هذه الجائزة حافزاً كبيراً لي لمتابعة كتابة قصص وتأملات عن حياة المهاجرين، حيث تكلّلت بمنحي ميدالية استحقاق ثقافي من قبل رئيس الجمهورية في عام 1998”.

الطريف في الأمر هو أنّ يوسف وقّاص، وبرُغم كونه مترجماً محترفاً أنجز الكثير من الأعمال المترجمة من الإيطالية إلى العربية، وحالياً من العربية إلى الإيطالية، مثل رسالة «حي بن يقظان» لابن طفيل التي انتهى من ترجمتها منذ فترة قصيرة، يكتب رواياته وقصصه بالإيطالية مباشرة، وهو يتردّد حتى الآن في ترجمة تلك الأعمال إلى العربيّة بنفسه!

وقد صدرت لوقّاص في الآونة الأخيرة رواية «الطريق إلى برلين»، يروي فيها يوميات مجموعة من السوريّين الفارّين من أتون الحرب ويسعون إلى الوصول إلى برلين “ليست الرواية عن الحرب ولا عن أحداثها” يقول يوسف وقّاص “بل هي إطار كامل للحرب، وليس لتفصيلاتها أو أحداثها”.

أبطالي من أصول رومانية وبولندية وعربية وأميركيّة لاتينيّة ومن بلدان الهجرة الأخرى، وغالباً ما أُسألُ عن التنوّع الواسع لشخصياتي الكثيرة ومتعدّدة المشارب

ويُضيف “هذه هي المرّة الأولى التي أتحدّث فيها عن بلدي سوريا في عمل كُتب بالإيطاليّة، بعكس جميع كتاباتي بالإيطالية والتي لم أتطرّق فيها إلى سوريا أبداً. لكنّي فعلت ذلك هذه المرّة، بعد أن عشنا فترة الحرب في حلب، وكانت فترة عصيبةً للغاية، ليس لي فحسب، بل لجميع سكان البلد، من نقص في الضروريات والمواد الغذائية والمحروقات وغيرها، وبالذات من غياب شبه كامل للأمن، إذْ لم يكن بإمكانك أن تتكهّن متى ستُصاب برصاصة أو تسقط قذيفة على منزلك أو تنفجر عبوّة إلى جوارك أثناء المرور في الشارع، وكلّ هذا كان يجعل الإنسان يشعر بالخطر في أي مكان، حتى لو كان متحصناً داخل جدران بيته”.

ويقول الكاتب “لقد كتبتها عندما عُدت إلى إيطاليا في عام 2016”. ويُضيف “فكّرت بأن أفضل وسيلة للحديث عن تلك المأساة التي تعيشها هذه المجموعة والوصول إلى عقل القارئ هو استخدام تقنيتي الواقعية السحرية والسخرية السوداء، لأنّني كنتُ مقتنعاً، منذ البداية، أنّ بمقدور هاتين التقنيتين إثارة الكثير من الأسئلة، وأكّده لي ذلك عدد من الأصدقاء الذين قرأوا الرواية لاحقاً”.

ما يُميّز «الطريق إلى برلين» هو أن بإمكان القارئ أن ينطلق من أيّ فصلٍ من الرواية وأن يقرأه بمعزلٍ عن سابقه أو الذي يليه “على أنّ جميع الفصول مترابطة فيما بينها بشكلٍ وثيق”.

“بطل الرواية هو ميلاد بن كنعان”، يقول يوسف وقّاص، ويضيف “وقد اخترت هذا الاسم الحيادي بتعمّد لأُحرّر الشخصية من أيّ إسقاطٍ قومي أو طائفي أو عرقي وسياسي، ولكي تكون الشخصية ذات بعدٍ وعمقٍ تاريخيّين؛ اخترت حدثين تاريخيّين هامّين في العلاقة ما بين الغرب والعالم العربي والإسلام: الحدث الأول هو ‘معركة ليپانتو’ التي كانت حاسمةً للغاية، فقد كانت تلك المرّة الأولى التي اتّحدت فيها الرابطة الأوروبية، رُغم اختلافاتها وتضادّاتها، وهاجمت الأسطول العثماني معاً. وبلغت الرابطة الأوروبية هدفها المنشود بعد فترة بالقضاء على الإمبراطورية العثمانية، فقد دُحِرتْ تماماً بعد ذلك بحينٍ من الوقت إثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

تقارب بين الثقافات
تقارب بين الثقافات

أمّا المعركة الأخرى، فهي معركة ‘اليرموك’ وظهور القائد خالد بن الوليد، وتُشكّل هذه المعركة خلفية هامّة في المواجهة ما بين الغرب والعالم العربي، فقد كانت أولّ انتصار للعرب بالمعركة وغيّرتْ خريطة الشرق الأوسط، ولم يكن ذلك التغيير جغرافياً فحسب، بل ثقافيا ولغويا أيضاً، فقد أصبحت العربية، للمرّة الأولى في تاريخ المنطقة، لغة رسمية في بلاد الشام بعد ما كانت تُتداول فيها لغات عدّة مثل الآرامية واليونانية والرومانية”.

أبطالٌ مأساويون ووطنٌ جديد

ثلاثة هم أبطال الرواية الرئيسية، ولكلٍّ منهم مساره الخاص، ولدى الثلاثة هدف واضح، “نعم” يقول يوسف وقّاص، ويضيف ”لدى الثلاثة هدفٌ واحد، وهو ميلاد وطنٍ جديد يضمن الحقوق للجميع”، ويسعى كلٌّ منهم لتحقيقه على طريقته.

وبرُغم أن الكاتب اختار لشخصياته أسماءً حياديّة دون أيّ ظلٍّ للطائفة أو الدين أو الانتماء العرقي، فإنّ تلك الأسماء تحمل في طيّاتها تناقضاتٍ جوهرية، فـ«ميلاد» مهدّدٌ بالموت، و«عادل» ما هو إلاّ نموذج للعسف والانتهاك و«إسماعيل» الذي يمثّل في الأسطورة نموذج الضحيّة، ما هو في الرواية إلآّ جلاد، أسماءٌ تناقض كُنهها ومرجعيّاتها، “نعم هذا هو الحال بالضبط”، يقول يوسف وقّاص، مضيفا ”ولم يأتِ ذلك بالصدفة، ولقد أمعنت في التفكير في كلّ اسم قبل تثبيته على الشخصيّة، لكن حتى هذه الأسماء تتغيّر وتتلبّس الشخصيات أسماءً أخرى حسب الظروف التي تمرّ بها، ففي فصلٍ من الفصول أعود إلى طفولة ‘عادل’ لنجده، لدى وصوله من فلسطين برفقة عائلته، وهو يحمل اسم ‘كفاح’، وحين تفقد العائلة أيّ أملٍ في الكفاح وفي فلسطين، نجده يحمل اسم ‘عادل’، وليس ‘كفاح-عادل’ إلاّ ‘الأنا الأخرى’ لـ’ميلاد’، لكن لا يمكن فك رموز هذا التداخل إلاّ عبر إكمال القراءة حتى النهاية”.

التاريخ مُعلّمٌ نافذ

يوسف وقاص مأخوذٌ بالتاريخ ومولّهٌ فيه، وثمةَ للتاريخ حضورٌ واسع في أعماله، ويتحوّل التاريخ القديم إلى مكوّنٍ أساسي في تلك الأعمال، تأليفاً كان أو ترجمةً، وبعد أن أنجز ترجمة «بينوكّيو» -الصبي الخشبي- للكاتب الإيطالي كارلو كولّودي، انتهى قبل فترة من ترجمة «رسائل حي بن يقظان» لابن طُفيل إلى الإيطاليّة، ويعكف الآن على ترجمة رواية «القدس المُحرّرة» لتوركواتو تاسّو.

الجديد: ما السبب في اهتمامك الكبير بالتاريخ؟ ما الذي تجده فيه خاصّةً وأنّك تعاملت مع أحداث روايتك وشخصياتها من منطق الواقعيّة السحرية والسخرية السوداء؟

يوسف وقاص: إنّ آصرتي مع التاريخ إلى طفولتي، حيث كنت أعيش في بلدة مُتاخمة للحدود السورية التركيّة تبعد عن تركيا مسافة ثلاثة كيلومترات فحسب. وقد أثار اهتمامي تنوّع الاثنيات في تلك البقعة من الأرض، ودفعني إلى الاهتمام بالتاريخ القديم والتعمّق فيه، وصار ذلك الاهتمام مع الزمن، قناعةً مُطلقة بأنّ من يجهل تاريخه لن يكون له حاضرٌ أو مستقبل. والتاريخ معلّم حقيقي ونافذ، وليس بالضرورة أن تُكرّر ما حدث في التاريخ، بل أن تتعلّم من دروسه، وليس ما يحدث اليوم إلاّ تأكيد واقعيّ على مقدار جهلنا بالتاريخ.

هل غيّرت الطرق مساراتها؟

ترجم للكاتب الإيطالي كارلو كولّودي
ترجم للكاتب الإيطالي كارلو كولّودي

الجديد: لكن لماذا قرّرت أن تبعث "ميلاد" و"نادية" إلى برلين بالتحديد؟

يوسف وقاص: لقد وُجّه هذ السؤال إليّ من أكثر من قارئ، ومن الإيطاليين بالذات، وسُئِلت عن سبب عدم اختياري لروما، درجاً على المقولة الشهيرة «كل الطرق تؤدي إلى روما!» واخترت بدلاً منها برلين؟ السبب واضحٌ، وهو لأنّ مجموعة كبيرة من السورّيين وصلوا إلى برلين ما بين عامي 2015 و2016 بعد أن قطعوا مسافات طويلة عبر بلغاريا وهنغاريا وصربيا وسلوفينيا وكرواتيا والنمسا وصولاً إلى برلين، التي اخترتها أيضاً بسبب العدد الهائل من النازحين واللاجئين الذين وصلوا إليها، وأسميت الرواية «في الطريق إلى برلين»، أيضاً استيحاء من « الطريق إلى دمشق»، أي عندما ضرب البرق حواريّ السيّد المسيح بولص وهو في طريقه إلى دمشق، فانبثق فيه، كما تقول الأسطورة، نور الإيمان.

الجديد: لماذا قرّرت أن تكتب الرواية باللغة الإيطاليّة؟

يوسف وقاص: قراري الكتابة باللغة الإيطالية لا يعود إلى عام 2016 وإنّما إلى عام 1996، لأنّني شعرت في تلك اللحظة بأنّ المهاجرين مهمّشون بالفعل، فاخترت أن أتحدث عن بطلي، وهو شخصية شاب مغربي، بلغة من همّشوه وأقصوه، وهي القصة القصيرة التي بعثتها إلى مسابقة تُعنى بأدب المهاجرين، وفزت بها بجائزة لجنة التحكيم الخاصة.

الجديد: بالإمكان اعتبارك كاتباً إيطالياً بكل المعاني، تُعنى بأدب المهاجرين وبأوضاعهم في إيطاليا وفي أوروبا، فماذا تعتبر نفسك أنت؟

يوسف وقاص: يعتبرني الإيطاليون كاتباً إيطالياً من أصول سوريّة، ورُغم أنّني لم أنلْ الجنسية الإيطالية بعد، لكنّي أُوضَعُ في خانة الكتّاب الإيطاليّين، وذلك لأنّ جميع كتاباتي هي بالإيطالية؛ وتتناول جميع كتاباتي حياة المهاجرين في إيطاليا، فأبطالي من أصول رومانية وبولندية وعربية وأميركيّة لاتينيّة ومن بلدان الهجرة الأخرى، وغالباً ما أُسألُ عن التنوّع الواسع لشخصياتي الكثيرة ومتعدّدة المشارب، فأُجيب بأنّني لم أخترْ هذا التنوّع بالصدفة أو عن عبث، بل عبر المعايشة والتجاور مع الكثيرين من هؤلاء الناس لأتعرّف على تفاصيل حياتهم ومعاناتهم العديدة، سواءٌ في الضواحي التي يعيشون فيها أو في المصانع المهجورة التي اتّخذوها سكناً لمجاميع عديدة منهم. لم أرغب أبداً في الكتابة عمّا أجهل.

11