يوسين بولت الرجل الأسرع في العالم الذي طعن قوانين السرعة والحركة

السبت 2017/08/19
البرق يخمد إلى الأبد في بطولة لندن لألعاب القوى

برلين - قبل أكثر من أربعة عقود برهن العالم الإيطالي غاليليو خطأ نظرية أرسطو حول الحركة والسرعة وصاغ نظريته وقوانينه الخاصة عن السرعة المنتظمة والتي تضمنت وصفاً دقيقاً للظواهر الفيزيائية في سرعة انتقال الأجسام وتسارعها.

ومنذ ذلك الحين لم يجرؤ أيّ من العلماء على الطعن بتلك النظرية رغم تطور العلم ووسائل التكنولوجيا إلى أن جاء العداء الجامايكي يوسين بولت ليحطم قوانين غاليليو ويطعن بنظرية السرعة والحركة عندما حقق رقماً قياسيا خارقاً لم تعهده البشرية من قبل بتجاوزه مسافة 100 متر بأقل من 9.60 ثانية، فكان على العلماء بعدها أن يلغوا نظرية غاليليو أو على الأقل أن يطوّروها ويضيفوا إليها قانوناً استثنائياً لظاهرة كونية فيزيائية استثنائية تدعى قانون يوسين بولت للعزيمة الخارقة التي تصنع المستحيل.

أصغر بطل عالمي

ولد بولت في الحادي عشر من شهر أغسطس عام 1986، في أبرشية تريلاوني شمال غرب جامايكا، والده ويلسيلي بولت كان يملك بقالية وكان على يوسين الجلوس فيها بعض الوقت هو وشقيقه ساديكي وشقيقته شارين في الوقت الذي يكون فيه والده مشغولاً في عمله الآخر في أحد المقاهي.

لكنّ بولت كان يتهرب في كثير من الأحيان من الجلوس فيها ويذهب للعب الكريكيت وكرة القدم مع أصدقائه في الحي لذلك كان دوماً يتعرض للضرب من قبل والده بالحزام الجلدي ليعيده إلى البقالية ويجبره على البقاء فيها، وكانت والدته جينيفر بولت تشكو باستمرار من يوسين فحتى عندما كان طفلاً لم يتجاوز الثلاثة أسابيع كان لا يتوقف عن الحركة، تَذكُرجيداً عندما تركت يوسين لبضع لحظات على السرير وعادت إليه بينما كاد يسقط على الأرض من فوق السرير، لقد كان سريعاً في نموّه رغم أنه تأخر عشرة أيام عن موعد ولادته الطبيعية.

ولم يكن بولت يميل للعدو وسباقات السرعة منذ صغره، فلعبة الكريكيت كانت لعبته المفضلة التي يقضي معظم وقته وهو يمارسها، وكذلك يحبّ لعب كرة القدم وكان يحلم أن يلعب في ناديه المفضل مانشستر يونايتد، المدرب الجامايكي بابلو ميكنايل نصحه عندما شاهده ذات مرة بالمشاركة في سباقات العدو وتنبأ له بمستقبل جيد، لكن بولت لم يكن مقتنعاً بذلك.

المعجزة البشرية جعلت من يوسين بولت رياضياً خارقا سجل اسمه بأحرف من ذهب كأسرع رجل في العالم عندما سجل في برلين عام 2009 رقمين قياسيين يصعب تحطيمهما

بابلو لم يكن الوحيد الذي لاحظ قدرة بولت على الجري السريع، لقد لاحظ ذلك أيضاً كاهن الحي الذي أراد أن يشاهد بعينيه ما سمعه من أبناء حيّه عن قدرته الخارقة في العدو وتغلبه على الشباب الذين يكبرونه سناً، طلب الكاهن من بولت منافسة صديقه ريكاردو المعروف بسرعة عدوه، إلا أن بولت رفض لأنه كان مزاجياً وكسولاً في بعض الأحيان، فوعده الكاهن بوجبة غذائية إذا ما تغلب على ريكاردو، هكذا اقتنع بولت وخاض السباق ونال الوجبة الغذائية باقتدار بعد فوزه على ريكاردو. حينها نصح الكاهن يوسين بولت بالمشاركة في سباقات العدو وقال له إن من يهزم ريكاردو قادر على هزيمة أيّ شخص.

كان يوسين طفلاً مشاكساً لا يقوم بواجباته المنزلية ويتهرب من مساعدة والده في البقالية، لذلك قرر والداه أن يتحملا تكاليف الدراسة رغم ضيق الحال وإلحاقه بإحدى المدارس الابتدائية لعلّ الطفل المشاكس يفلح في مجال الدراسة لكن نتائج يوسين كانت سيئة ومتوسطة في أحسن الأحوال إلا أنه كان محبوباً من قبل مدرّسيه فرغم كسله على مقاعد الدراسة إلا أنه كان متفوقاً في حصص الرياضة وهو ما جعله محطّ الأنظار عندما بدأ الدراسة في ثانوية وليام نيبال المشهورة بتنمية المواهب الرياضية.

وهناك في إحدى الحصص الرياضية بينما كان بولت يلعب الكريكيت مع زملائه نصحه المدرب داوين جاريت بممارسة رياضة العدو بعدما شاهد سرعته المذهلة والتي لا تلعب دوراً هاماً في رياضة كالكريكيت، ونجح داوين بإقناع يوسين وبالفعل لم تخب تنبؤاته ونال يوسين في أول بطولة مدرسية شارك فيها المركز الأول، وحصد ذهبية 100 متر وفضية 200 متر، هنا أعجب به أكثر المدرب ماكنيل وتعززت قناعته السابقة بقدرات بولت المذهلة في رياضة العدو وقرر الاهتمام به وتدريبه شخصياً ليدخل عالم الاحتراف الرياضي.

عندما بلغ بولت سن الخامسة عشرة، كان قد نال جرعات تدريبية وتكتيكية احترافية من مدربه بابلو ماكنيل وأصبح مهيأً أكثر من أيّ وقت آخر أن يسير بخطى ثابتةٍ خطوته الأولى في عالم الاحتراف، وظهر أمام حشد جماهيري في بطولة العالم للناشئين عام 2002، هناك حيث عرف العالم اسم يوسين بولت للمرة الأولى عندما أدهش الجميع بحصده ذهبية سباق 100 متر ليصبح أصغر بطل للعالم في بطولات الناشئين، وساهم مع الفريق الجامايكي في نيل ميداليتين فضيتين لسباقات 100 و400 متر، وجد إذن بولت أخيراً السكة المناسبة لقطار الأمجاد والشهرة، لكن القطار توقف مؤقتاً بسبب إصابته التي تعرض لها في الوقت الذي انتظر فيه الجامايكيون حصاداً ذهبياً جديداً.

واستمرت نكسة بولت الناجمة عن إصابته حتى عام 2007 حيث تمكن يوسين من كسر الرقم القياسي المسجل باسم دون كاوردي في سباق 200 متر والذي صمد نحو 36 عاماً دون أن يجرؤ أحد على كسره إلى أن جاء بولت وقطع المسافة بزمن قدره 19.75 ثانية بفارق 11 جزءا من الثانية عن رقم كاوردي، بينما حل ثانيا في بطولة العالم لألعاب القوى التي أٌقيمت في أوساكا عام 2007 خلف العداء الأميركي تايسون غاي في سباق 200 متر.

أداء بولت يعتبر ضربا من الخيال جعل العلماء في حيرة من أمرهم كيف يفسرون تلك المعجزة البشرية وهم الذين اتفقوا عقب أولمبياد أتلانتا عام 1996 على استحالة قطع الإنسان لمسافة 100 متر تحت زمن 9.60 ثانية، تلك المعجزة جعلتهم يطلقون على يوسين لقب البرق

معجزة برلين

عام 2008 قرر بولت خوض غمار تحدٍ جديد بالمشاركة في سباقي 100 و200 متر، ليتمكن في تجربته الرسمية الأولى من حصد ذهبيتي الألعاب الأولمبية في بكين لمسافتي 100 و200 متر محطماً الرقم القياسي العالمي بزمن قدره 9.69 ثانية.

في برلين عام 2009 حدثت المعجزة البشرية والتي جعلت من يوسين بولت ليس فقط رياضياً خارقاً سجل اسمه بأحرف من ذهب كأسرع رجل في العالم بل طعن في نظريات العلوم الفيزيائية وضرب بقوانين السرعة والتسارع عرض الحائط عندما سجل رقمين قياسيين يصعب تحطيمهما بزمن مقداره 9.58 ثانية في سباق 100 متر وسجل رقم جديداً في سباقات 200 متر بزمن مقداره 19.19 ثانية.

لقد كان ذلك ضرباً من الخيال جعل العلماء في حيرة من أمرهم كيف يفسرون تلك المعجزة البشرية وهم الذين اتفقوا عقب أولمبياد أتلانتا عام 1996 على استحالة قطع الإنسان لمسافة 100 متر تحت زمن 9.60 ثانية، تلك المعجزة جعلتهم يطلقون على يوسين لقب البرق.

تابع بعدها يوسين مسيرته بثبات وأصبحت سباقات 100 و200 متر ماركة مسجلة باسمه، حتى اعتاد الجمهور على العلم الجامايكي وهو يرتفع بينما بولت يعتلي منصة المركز الأول ويحطم الأرقام القياسية تحت قدميه، وأصبح أول رياضي يفوز بثلاثة ألقاب أولمبية في سباق 100 متر بعد حصده الميدالية الذهبية في أولمبياد ريو 2016 متفوقاً على الأميركي جاستن غاتلين، بينما تحمل سجلاته حتى لحظة كتابة هذه السطور ثماني ذهبيات أولمبية و11 ذهبية في بطولات العالم لمسافات 100 و200 متر و100 متر تتابع.

الأعرج السريع

معجزة برلين فتحت الباب أمام العلماء لطرح أسئلة كثيرة من شأنها تفسير ظاهرة البرق يوسين بولت، لذلك اجتمع فريق من الباحثين الأوروبيين لتفسير الظاهرة الاستثنائية التي قدمها بولت، ووفقاً لحساباتهم فإن الوقت الذي قطعه يوسين تحقق بالوصول إلى سرعة 12.2 متر في الثانية وهو ما يعادل نحو 27 ميلا في الساعة، وإن أقصى سرعة بلغها كانت بعد بدء السباق بأقل من ثانية.

كاهن الحي الذي عاش فيه بولت أراد أن يشاهد بعينيه ما سمعه من أبناء حيه عن قدرته الخارقة في العدو وتغلبه على الشباب الذين يكبرونه سنا، فطلب من بولت منافسة صديقه ريكاردو المعروف بسرعة عدوه، فوعده الكاهن بوجبة غذائية إذا تغلب على ريكاردو قائلا "من يهزم ريكاردو قادر على هزيمة أي شخص"

وكان فقط في منتصف سرعته القصوى وهو ما يوضّح التأثير شبه الفوري لقوة السحب التي تحدث عندما تبطئ مقاومة الهواء للأجسام المتحركة، وإنّ أقلّ من ثمانية في المئة من الطاقة التي أنتجتها عضلاته استخدمت من أجل الحركة، وباقي الطاقة امتصت عن طريق السحب، وبالمقارنة بين كتلة جسد بولت ومدى ارتفاعه عن مضمار السباق ودرجة حرارة الهواء فإن معامل السحب الخاص به وهو قياس قوة السحب لكل وحدة مساحة من الكتلة كان أقل من ناحية الدينامية الهوائية مقارنة بأيّ رجل عادي.

وأضاف الباحث في جامعة كامبريدج جون بارو تفسيراً آخر، هو أن سرعة بولت جاءت في جزء منها بسبب “طول مدى خطوته الاستثنائية، وكذلك لدى بولت الكثير من الألياف العضلية سريعة التمدد التي تستطيع أن تستجيب بسرعة”.

لعل ما يخفى على الكثير من متابعي الرياضة وربما يثير دهشة العارفين أن يوسين يعاني من تشوه خلقي في قدميه، إحداهما أطول من الأخرى بمقدار سنتيمتر ونصف تقريباً وعانى في طفولته من آلام في الظهر نتيجة تشوه خلقي في العمود الفقري وساهم أحد مدربيه في معالجته.

في بطولة العالم لألعاب القوى 2017 التي أقيمت في لندن، كانت كل الأعين تتجه نحو بولت الذي قرر مسبقاً اعتزاله بعد نهاية بطولة لندن، والجميع كان يود إلقاء النظرة الأخيرة على ظاهرة البرق البشرية، لا شيء يقف أمام يوسين لاعتلاء منصة المركز الأول فالمنافس اللدود جاستن غاتلين كان قد تلقى درساً قاسياً قبل سنة تماماً عندما تحدى بولت في أولمبياد ريو في البرازيل وجعل بولت يحاول الحصول على استثناء طبي للمشاركة رغم إصابته لكن غاتلين خسر الرهان في النهاية أمامه ورفض بولت مد يده لمصافحة جاستن معللاً ذلك لوسائل الإعلام أن الأميركي قد أهانه وعليه أن يتعلم كيف يتحدى من هم أفضل منه.

انطلق السباق على مضمار الملعب الأولمبي في لندن بانطلاقة ضعيفة ليوسين، رغم ذلك لم يكن عشاق بولت خائفين فهم اعتادوا على أنه سيعوّض في الأمتار الأخيرة، لكن ذلك لم يحدث وأخفق بولت ليس فقط أمام جاستن غاتلين صاحب المركز الأول بل أمام كولمان الذي نال المركز الثاني، وساد الصمت الملعب الأولمبي في لندن للحظات وانحنى جاستن غاتلين أمام بولت وتاريخه الحافل، قبل أن تعود الجماهير لتحيّي بولت وهو يلقي حركته الشهيرة البرق لآخر مرة مسدلاً الستار على مسيرة حافلة بالإنجازات تخللتها معجزة يصعب تكرارها، مسيرة أنهاها بولت برسالة اعتذار إلى جماهيره التي ساندته بدلاً من الميدالية الذهبية التي انتظروها.

14