يوسي كوهين رئيس المخابرات الإسرائيلية يتعثر مع العرب ويتفرغ للعمليات

رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية يوسي كوهين يعتر شخصية ضالة في دروب الاستخبارات والسياسة السرّية ارتبط اسمه بعمليات اغتيال فلسطينيين في أرجاء مختلفة من العالم.
الخميس 2018/10/04
يوسي كوهين الموساد يختفي خلف أكداس أوراق التفاوض

تسعى أجهزة الاستخبارات في العالم إلى تثبيت أقدامها في كل العصور، والتأكيد على أنها تملك قدرات خارقة ومتعددة، وأن عملها لا يتوقف على السلام أو الحرب. في الحالتين الجهود متواصلة والعمل السري مستمرّ، ربما تختلف التكتيكات، لكنها في النهاية لا تكل أو تمل من تطبيق فلسفتها التي تقول إنها فوق الجميع.

بدأ جهاز الاستخبارات في إسرائيل المعروف بـ”الموساد” يضاعف من نشاطه للإيحاء بأن القبول بأي علاقات مع دول عربية أو غيرها لن يغيّر توجهاته أو يفت في عضده، وحاول طمأنة الإسرائيليين بالإشراف مؤخرا على إنتاج فيلم “الملاك” الذي يتناول قصة السياسي المصري أشرف مروان والتأكيد على أنه كان يعمل لحساب الموساد وليس لحساب القاهرة. وهو ما أعاد الجهاز ورئيسه يوسي كوهين إلى السطح، بعدما تأكد أن الرجل يعمل بهدوء ليرسخ في وجدان الإسرائيليين أن الموساد أقوى من الجميع في الداخل والخارج.

حلول غير تقليدية

يعتبره البعض أنه جاء ليكون جزءا من الحلول غير التقليدية للصراع العربي الإسرائيلي، بينما يتهمه آخرون بأنه صاحب موقف ثابت ضد السلام مع استثناءات محدودة نتيجة. يعبر جهاز الموساد عن أوهام سحق الآخر كحل نهائي. فإلى أي اتجاه يقود رئيسه الحالي يوسي كوهين الركب في ظل علاقته المتينة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؟ وهل يمكن رصد تحولات ملموسة على الأرض عن تلك التي تبناها سابقوه وكيف يتم التعامل معه؟

بات التفاوض السياسي السرّي من بين المهام الموكولة لأجهزة المخابرات، لكن غياب رئيس الموساد عن حضور بعض اللقاءات الرسمية يستدعي الوقوف على تاريخ الرجل وارتباط اسمه بعمليات اغتيال فلسطينيين في أرجاء مختلفة من العالم، وما لحق من تغيرات في أداء الموساد تحت قيادته.

رئيس الموساد يثير مؤخرا العديد من علامات الاستفهام، حيث كشفت القناة العاشرة الإسرائيلية، التي يملك معظم أسهمها الملياردير رونالد لاودر رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، عن رشى مالية تلقاها كوهين، ونظرا لتوافر التفاصيل الكاملة والدقيقة عن الوقائع ضده اعترف رئيس الموساد بصحة الوقائع، لكن القضاء حفظ القضية

يمكن اعتبار كوهين، شخصية ضالة في دروب الاستخبارات والسياسة السرّية، فرغم أن تكليفات نتنياهو واضحة حين عينه مستشارا للأمن القومي ثم رئيسا للموساد، فإن أصواتا إسرائيلية عديدة رصدت تورطه في عمليات فساد مالي، ناهيك عن أصوات أخرى تتهمه بالفشل في إدارة مفاوضات سرّية مع دول العربية المعتدلة، وعدم تمكنه من لعب الدور المطلوب في المرحلة الحالية، ومن الواجب أن يترك مكانه لشخص آخر.

تأسس الموساد، أو مؤسسة المعلومات والعمليات الخاصة، وفقا للتسمية الكاملة له عام 1949، ومع مرور كل هذه السنوات، غير أن هياكله وقواعد عمله لا ينظمها قانون أساسي أو تفصيلي، ما فتح الباب أمام ثغرات وتجاوزات لا يصل أغلبها للإعلام لأن تبعية المؤسسة ذات التاريخ الطويل تقتصر على ديوان رئيس الوزراء.

ظل هذا القرار ساريا، وكان من النادر معرفة اسم رئيس الموساد على نطاق واسع، حتى تولى كوهين منصبه علنيا، ونشرت صوره وجرى الكشف عن عمره، 57 سنة، وبعض المعلومات الشخصية، أهمها أنه من أسرة تنتمي لمعسكر الصهيونية الدينية، ولديه 4 أبناء، كعادة المتدينين الذين يفضلون إنجاب أكثر من طفلين، بجانب خلفية رياضية كعدّاء، وهو أحد القلائل الذين تولوا المنصب بعد خبرة استخباراتية وليست عسكرية فقط، فهو من أبناء الموساد منذ بداية عمله كضابط معلومات وتجنيد عملاء.

لقد أثار رئيس الموساد مؤخرا العديد من علامات الاستفهام، حيث كشفت القناة العاشرة الإسرائيلية، ويملك معظم أسهمها الملياردير رونالد لاودر رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، عن رشى مالية تلقاها كوهين، ونظرا لتوافر التفاصيل الكاملة والدقيقة عن الوقائع ضده اعترف رئيس الموساد بصحة الوقائع، لكن القضاء حفظ القضية، بسبب براعة محامي كوهين، الذي أقنع المحكمة بأن الوقائع لا تستحق الإدانة استنادا إلى القانون الإسرائيلي.

بالأمر المباشر

كوهين يمكن اعتباره شخصية ضالة في دروب الاستخبارات والسياسة السرية، رغم أن تكليفات نتنياهو واضحة حين عينه مستشارا للأمن القومي ثم رئيسا للموساد
كوهين يمكن اعتباره شخصية ضالة في دروب الاستخبارات والسياسة السرية، رغم أن تكليفات نتنياهو واضحة حين عينه مستشارا للأمن القومي ثم رئيسا للموساد

شغل كوهين منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ومستشار رئيس الوزراء، ثم اختاره نتنياهو لرئاسة الموساد، بعد أن عمل ضابط عمليات في الجهاز عام 1982 ثم تدرج في المناصب وصولا إلى منصب نائب الرئيس ثم الرئيس حاليا.

اختار نتنياهو كوهين ليصبح الرئيس الثاني عشر للموساد، بعد انتهاء ولاية ضابط العمليات الخاصة تامير، أحد مساعدي يوني شقيق نتنياهو في عملية عنتيبي التي تسببت بجانب مقتل يوني في مقتل عناصر من الشرطة الأوغندية ووقوع رهائن إسرائيليين، ومع ذلك تم الترويج لنجاح العملية ومكافأة كل من شاركوا بها.

كلف نتنياهو كوهين فور اختياره رئيسا للموساد بإجراءات محددة، أهمها العمل على دعم قوة إسرائيل بعمليات سرية جديدة، ومنافسة أفضل أجهزة الاستخبارات في العالم، ومراعاة طبيعة المعارك القائمة على تكنولوجيا المعلومات والاختراق عبر شبكات التواصل، وتطوير العلاقات السياسية مع دول عربية وإسلامية.

اللافت للنظر أن نتنياهو أصرّ على اختياره، رغم وجود مرشحين آخرين من أصحاب الخبرة، متجاهلا صدام كوهين شبه العلني، كمستشار أمن قومي، مع قيادات في الاستخبارات الداخلية والجيش الإسرائيلي، والإعلام الذي لم يرحّب بتوليه المنصب الذي عادة يتولاه أكاديمي أو دبلوماسي بارز وليس رجل مخابرات.

برّر هؤلاء اعتراضهم ودهشتهم بأن تجنيد العملاء وتشغيلهم على مدار 30 سنة لا علاقة لهما من قريب أو من بعيد بالعلاقات الدولية التي يجب أن يعيّنها مستشار رئيس الوزراء للأمن القومي.

ومضت شهور على تعيينه ولا تزال الكثير من وسائل الإعلام تتحفّظ على أداء الرجل في الموساد، وأن جهوده التي يدعي أنها خارقة لم تحقق الأمن الكامل لإسرائيل، وفشلت في تخريب عمليات تستهدفها مبكرا.

صورة الموساد

الجديد في جعبة كوهين، زيادة عمليات الاغتيالات في دول صديقة أو معادية وهو ما فسّره مراقبون برغبة جامحة في تحسين صورة الموساد أمام الرأي العام الداخلي، وبالطبع أمام المقاومة واستعراض قوته في تنفيذ عمليات اغتيالات ضد أهداف سهلة ليس لها تأمين أو إجراءات احترازية قوية.

كوهين يفتقر إلى القدرة على فتح قنوات تفاوض سرية متينة مع الفلسطينيين والعرب
كوهين يفتقر إلى القدرة على فتح قنوات تفاوض سرية متينة مع الفلسطينيين والعرب

ويلاحظ محللون عدم ضم كوهين إلى اللقاء الذي عقد مع اللواء عباس كامل رئيس جهاز الاستخبارات المصرية في زيارته لتل أبيب في أغسطس الماضي، وهو ما أثار دهشة كبيرة في أوساط البعض من المراقبين، لأن المفاوضات السرية والتنسيق لترتيبات أمنية وسياسية صارا من مهام المخابرات في معظم دول العالم، وهو ما ينطبق على الموساد بالطبع.

الربط بين هذا التجاهل والأخبار التي تسرّبت عبر بعض وسائل الإعلام، وأفادت بحضور كوهين لقاء مع نظرائه في مصر والأردن وفلسطين في ميناء العقبة بهدف إحياء عملية السلام، طرح الكثير من التساؤلات. فهل تمت المقابلة بالفعل وحدث جفاء وتوتر ومقاطعة أم لم تحدث من الأساس، ويوسي شخصيا محل رفض ومقاطعة عربية منذ بداية تعيينه؟

وشهدت فترة ولاية كوهين احتفاء نتنياهو والإعلام الإسرائيلي بتمكّن إسرائيل من إحضار ملفات ورقية سرية من طهران عن البرنامج النووي الإيراني.

يوضع في الحسبان أنه رغم التعاون الوثيق مع الاستخبارات الغربية ذات حرية الحركة في مناطق تجد المخابرات الإسرائيلية صعوبة في تجنيد عملاء محليين بها، إلا أن الموساد كان قد تعرض لصدمات عديدة، يحاول كوهين تجاوزها بإعادة ترتيب الجهاز وتوسيع نطاق مهامه، وتوظيف دوره في هزّ الروح المعنوية في الصفوف العربية.

تؤكد الميزانية الضخمة التي تم تخصيصها للموساد عام 2018 أنه الجهاز الثاني من حيث الإنفاق في العالم بعد وكالة الاستخبارات الأميركية، ما يجعل الإنجاز الأكبر لكوهين بارتكاب اغتيالات في ماليزيا وسوريا وإيران، أمرا عاديا.

اغتيالات ومفاوضات

خضع الموساد لتوسعات ضخمة وسلسلة من التغييرات. وبات اليوم يتمتع بميزانيات حكومية متزايدة ويستخدم أساليب جديدة ويشترك في المزيد من العمليات. وحسب القناة العاشرة الإسرائيلية نفذ الموساد في عهد كوهين سلسلة من عمليات الاغتيال في عدد من دول العالم، مستهدفا خبراء بلا تأمين، ما يجعلهم أهدافا سهلة لمبعوثي الموساد.

من بين عمليات الاغتيالات التي نسبتها تقارير إعلامية لأطقم كوهين عملية اغتيال العالم الفلسطيني فادي البطش الذي اغتيل في العاصمة الماليزية كوالالمبور في 21 أبريل الماضي، وقبله اغتيال مهندس الطيران التونسي محمد الزواري عضو كتائب عزالدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عام 2016.

لا توجد مؤشرات على قدرة كوهين على فتح قنوات سرية متينة للتفاوض مع الفلسطينيين والعرب أو حتى تقديم مشورات مفيدة لنتنياهو قبل مقابلاته بمسؤولي الإدارة الأميركية أو فلاديمير بوتين الرئيس الروسي وكبار مساعديه.

الميزانية الضخمة التي تم تخصيصها للموساد عام 2018 تؤكد أنه الجهاز الثاني من حيث الإنفاق في العالم بعد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية
الميزانية الضخمة التي تم تخصيصها للموساد عام 2018 تؤكد أنه الجهاز الثاني من حيث الإنفاق في العالم بعد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية

فهل يسعى إلى إعادة فتح ملف الاغتيالات للعب دور يغطي على فشله السياسي؟ وهل يمكن أن تتم إدانة رئيس الموساد قريبا بتهم فساد جديدة، على غرار حليفه نتنياهو؟ وهل يمكن ملاحقته دوليا، بعد انضمام فلسطين للإنتربول الدولي مؤخرا؟ وهل يفتح سقوطه ملفات حاسمة ضد صديقه وداعمه الأكبر بنيامين نتنياهو؟

يقول أيمن سلامة، خبير القانون الدولي في مصر، لـ”العرب” إن فرص ملاحقة يوسي كوهين قضائيا “تزايدت بعد انضمام دولة فلسطين للجنائية الدولية وللإنتربول، مع ملاحظة أنه حاليا هناك أكثر من خمسين دولة نصفها في الاتحاد الأوروبي تطبق الاختصاص القضائي العالمي، وهو ما يتيح ملاحقة وتوقيف كوهين، وقد تم صدور قرار ضد تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية سابقا، والجنرال دورون الموغ، قائد المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي، وآخرين شاركوا في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

وأقر كوهين  في أحد مؤتمراته الأمنية مؤخرا أن من وصفهم بـ”المخربين” حاولوا تفجير حقل الغاز الإسرائيلي “تامار”، ما يمكن أن يتكرر وبشكل دقيق في حالة نشوب حرب ضد حماس وحزب الله.

تطرق الأمر إلى قضايا الغاز التي كانت شركة الكهرباء حركتها ضد مصر وإصدار التحكيم حكما بالتعويض لصالح إسرائيل، حيث سمع من مسؤولين إسرائيليين في مجال الطاقة واسعي الاطلاع أن العلاقات مع مصر أهم من التعويض. وهو التوجه الذي سانده كوهين في الكنيست حينما تم استدعاؤه لجلسة استماع حول مشروع قانون لإدارة الغاز في إسرائيل.

أيمن سلامة خبير القانون الدولي في مصر يقول لـ"العرب" إن فرص ملاحقة يوسي كوهين قضائيا "تزايدت بعد انضمام دولة فلسطين للجنائية الدولية وللإنتربول، مع ملاحظة أنه حاليا هناك أكثر من خمسين دولة نصفها في الاتحاد الأوروبي تطبق الاختصاص القضائي العالمي، وقد تم إصدار قرار ضد تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية سابقا"
 

وعقّب بالتحفظ على قرار التحكيم، قائلا “نتابع ملف الغاز، ولا أريد أن أقدم إجابة قبل إعادة الفحص والتقييم للموقف، أنا أتمنى وأقدر ألا يضر الحكم بعلاقتنا المهمة للغاية مع مصر”، ما يعكس بالطبع شخصية متحفظة غير استفزازية مراوغة.

لم ينس كوهين تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي نفسه الذي هاجم أداء الموساد قبل وأثناء عملية “الجرف الصامد” ضد غزة، وتسببت الموافقة التلقائية للموساد على العملية دون دراسة في رد فعل المقاومة الفلسطينية من خلال الأنفاق في خسائر فادحة. وقال أخيرا عن العلاقات مع دول الجوار “لدينا علاقات طيّبة أمنية واقتصادية خاصة في مجال الطاقة مع تركيا، عكس ما تنم عنه التصريحات العلنية الساخنة بين نتنياهو وأردوغان مؤخرا، والتي أثبت أنها للاستهلاك المحلي فقط، وأن التعاون لم يتضرر منها على الإطلاق”.

12