يوكه فان لايوين: اللغة الشعرية سلاحي

تُعتبَرُ الكاتبة والشاعرة يوكه فان لايوين، واحدةً من أكثر الكُتَّاب شهرة وانتشاراً في بلجيكا وهولندا، حيث ترجِمت أعمالها الأدبية المتنوعة إلى العديد من اللغات حول العالم، “العرب” زارت شاعرة الأراضي الخفيضة في بيتها بمدينة أنتويربن عاصمة الإقليم الفلاماني في بلجيكا، ليكون هذا الحوار العربي الأول معها حول الأدب ودور المبدع في المجتمع والثقافة والترجمة ونادي القلم الفلاماني.
الأحد 2016/07/17
مهمة نادي القلم في جوهرها تكمن في تقديم الدعم والمساعدة للكتاب

الحديث مع يوكه فان لايوين يبدأ من الذاكرة الأولى لتحدِّثنا عن نشأتها وعلاقتها بالأدب، حيث وُلدت في الرابع والعشرين من سبتمبر لعام 1952 في لاهاي بهولندا، لتنتقل مع عائلتها بين العديد من المدن والقرى الهولندية بِحكم عمل والدها، وصولاً إلى العاصمة البلجيكية بروكسل عام 1970، تتحدث هنا يوكه عن التنوع في التعليم الذي تلقَّته في سنوات طفولتها وهذا ما انعكس على قدرتها في التأقلم مع كل الثقافات والمجتمعات، وبالتالي نظرتها إلى العالم، وهذا ما قادها نحو الأدب حيث يكمن الاختلاف والقدرة على تقديم المُختَلِف دوماً.

دَرست يوكه فان لايوين التاريخ في جامعة بروكسل إضافة إلى الرسم التشكيلي في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في أنتويربن، وبدأت اشتغالها الأدبي عام 1978 بكتابة قصص الأطفال والمونولوجات المسرحية أو ما يعرف “الكابرهيت”، لتنطلق بعد ذلك إلى فضاء أكثر رحابة متمثلاً بالشعر والسرد الروائي.

الطريق الذي بدأ بخطوة واحدة أوصلَ يوكه إلى عددٍ لا متناهٍ من الجوائز الأدبية أبرزها “شاعرة الأراضي الخفيضة” وهو أعلى لقب من الممكن أن يحصل عليه مُبدِع في بلجيكا وهولندا معاً، وشاعرة مدينة أنتويربن البلجيكية 2008-2009. وهي ترى اليوم في هذه الجوائز وسيلة للانتشار كي ينتبه الجهور بكامل شرائحه إلى الإنتاج الأدبي، وتصف ضيفتنا الجمهور بأنه غير متشابه في ردود الأفعال تجاه الأدب وهذا يتبع الثقافة التي ينتمي إليها، فتقارن هنا حسب خبراتها ما بين تلقي الشعر مثلاً في بنغلاديش أو سورينام أو تركيا أو أوروبا.

التداعي الحر للأفكار

العربية الغائبة

تكتب يوكه فان لايوين في مجالات متعددة من الأدب تتراوح بين الشعر والقصة القصيرة وقصص الأطفال والرواية، وأمام إصداراتها المتعددة بالهولندية، تؤمن ضيفتنا أن الترجمة تفتح نافذةً للمبدع على حياة جديدة، لهذا نجدُ أن أعمالها الأدبية تمت ترجمةُ معظمها إلى لغات متنوعة أبرزها الإنكليزية والفرنسية والألمانية والبولندية والروسية والجورجية والصينية والفيتنامية والتركية. وعن غياب اللغة العربية أسألها لتقول إنَّها شاركت في كتاب مع صديقة مغربية في الدار البيضاء للاشتغال حول نصوص عن أحياء الصفيح، ذلك الكتاب صدر بالهولندية والفرنسية وغيرها لكن لم تتم ترجمته إلى العربية.

تؤمن يوكه فان لايوين، أن الكاتب العظيم يجب أن يكون قارئاً ممتازاً، في هذا الإطار تقول إنها ترتبط بالكُتب بشكل عاطفي بحيث تحرص دائماً على القراءة في اتجاهات متعددة، وتدل على ذلك مكتبتها الواسعة المنتشرة في أرجاء المنزل المختلفة، قراءاتها أيضاً تابعة لاشتغالها الأدبي، تضربُ مثالاً على ذلك بالكتابة عن القرن التاسع عشر وما يفرضه هذا النوع من الكتابة من قراءات مكثَّفة في اتجاهات محددة تتعلق بموضوع العمل الأدبي الذي يتم إنتاجه.

في قراءاتها الآنية تقول إنها تهتم بكتابات ماركيز والكاتب الإيطالي إيتاليو كيفينو، بحيث تبحث دوماً عن الكاتب ذي الخيال الأوسع الذي يسحرها بالاعتماد على لغة شاعرية في تناوله للمواضيع التي يشتغل عليها، وهنا تعترف ضيفتنا أنها تؤمن بهذه الطريقة في الكتابة السردية بحيث يكون قوام السرد هو اللغة الشعرية.

عن علاقتها بالثقافة العربية تقول يوكه إنها زارت البلاد العربية مراراً، ولا تزال تذكر تفاصيل زيارتها إلى سوريا، فتحكي بكثير من الشغف عن دمشق القديمة، الشوارع والمتاحف المفتوحة، رؤيتها للمدينة من الداخل، اكتشافها لتلك العوالم تصفه بالإضافة الحقيقية التي لا تتاح إلا مرات قليلة في الحياة.

دور المبدع

عن دورها ككاتبة في إيقاف خطاب الكراهية الذي بدأ بالانتشار حول العالم، تقول إنها تؤمن أن هناك مهمة عظيمة تقع على كاهل الأديب في أن يحمل الهم الإنساني في داخله لنقله إلى الآخرين الذين لا يعرفون شيئاً عنه، تعاظَمت هذه المهمة -كما تراها ضيفتنا- عقِب موجة اللجوء الأخيرة التي أصابت أوروبا من بلدان تشهد صراعات مريرة، وتذكر هنا يوكه التاريخ، تحديداً في الحرب العالمية التي شهدت نزوحاً ولجوءاً من بلدان أوروبية إلى الولايات المتحدة الأميركية والشرق الأوسط، فتقول إن التاريخ يعيد نفسه، تفاصيل صغيرة تُشكِّل الصورة الكُليَّة للحدث اليوم، ولإدراك ما يحدث لا بد من فهم التاريخ والعمل بين الجميع للحيلولة دون وقوع ذات النتائج الكارثية التي حدثت في الماضي.

السرد هو اللغة الشعرية

حديثها عن الشرق الأوسط دفعنا لسؤالها حول ما تشهد اليوم أقطار منطقتنا العربية، فهل شكَّل ذلك الحدث دافعاً لها للكتابة عن تلك المنطقة كبعض الكُتَّاب الأوروبيين الذين اتخذوا من المُدُن العربية مؤخراً فضاءً درامياً للرواية أو المسرح، في هذه النقطة تؤكد ضيفتنا أنَّ هناك فرقاً بين أن تكتب عن الأشياء من الداخل كما عايشتَها أو أن تنقُلَ القصص عن أبطالٍ عاشوا الحكايات المتنوعة في مسارحها الطبيعية التي تشهد الحرب. وتؤكد يوكه أنها لا تُحبِّذ الكتابة عن أشياء لا تعيشها أو تتصل بمعارفها التراكمية بشكل مباشر، تلك المعارف التي تتشكل من التاريخ والجغرافيا والقراءة والمجتمع بصورتِه الواسعة.

في الحديث عن الشعر ومقومات القصيدة الشعرية عند يوكا فان لايوين، تقول إن آلية الكتابة عندها تعتمد على التداعي الحر للأفكار بحيث تكتب ما يطرق باب مخيلتها ثم تُعيد إنتاجَهُ مرَّات ومرَّات قبل اعتماده، وفي آلية الإنتاج الأدبي لا تشتغل على نوعين من الكتابة بحيث تتعامل مع كل مشروع أدبي على أنَّه بناء مستقل بذاته، وبالتالي فهي لا تشتغل على أكثر من كتاب في آن واحد سواء في الشعر أو الرواية أو المسرح.

القلم الفلاماني

يوكه فان لايوين تشغل اليوم كرسيَّ رئاسة نادي القلم الفلاماني، وتقول عن ذلك إن مهمة نادي القلم في جوهرها تكمن في تقديم الدعم والمساعدة للكُتَّاب والمثقَّفين المضطهدين حول العالم، وتسير هذه المهمة في قوالب عديدة سواء من خلال تقديم استضافات أدبية لكُتَّاب ومبدعين في مدينة أنتويربن عاصمة الإقليم الفلاماني في بلجيكا، أو من خلال المساهمة في تعريف المجتمع الناطق بالهولندية على المُبدعين الأجانب الذين يعيشون بين جنباته عن طريق القراءات المتنوعة أو المهرجانات الأدبية التي يشارك فيها النادي.

في هذه النقطة تَذكر المشروع الخاص الذي تم إطلاقه من قِبل نادي القلم منذ عام ونصف تقريباً، والذي يهدف في مرحلته الحالية إلى تقديم سبع كتاب من العراق والسودان وفلسطين وسوريا إلى الثقافة الفلامانية في صورة أولى، ومن ثم إلى الثقافة الأوروبية في مرحلة لاحقة.

كاتب من سوريا

15