"يوليانا" سردية أنثربولوجية عراقية

تمكنت الرواية العراقية من الخروج من حدود اللغة وتطويع عوالم جديدة لها بتقنيات سردية حداثية مختلفة، ساهمت في ولادة رواية عراقية أكثر قدرة على اختراق شرائح القراء وأكثر سلاسة في تقديم حكاياتها، حكايات لبلد جعلته قرون من الصراعات خزانا كبيرا لقصص لا ينتهي توالدها.
السبت 2016/10/01
شخصيات عراقية

يفتح لنا الروائي نِزار عبدالستار أفقا لمقاربة سرديات الجماعات العراقية، عبر قراءة التخيّل السردي للهوية والمكان والشخصية، فهو يكتبُ بتقانة الأنثروبولوجي، وبشغف الحكواتي، وبمفارقة الساخر من عالمٍ تتشوه أحداثه وصراعاته خارج إرادته.

في روايته الجديدة “يوليانا” يكشف عن الكثير من سرائر ذلك الأفق، وعن حيواته المُضطربة والمُغيَّبة، إذ يتقصى الكثير من عوالمها وأفكارها ومعتقداتها وطقوسها، وكأنه يقترح لها عبر هذه المقاربة أفقا مجاورا، فيه ثنائية السرد والعرض، مثلما فيه الحدث الواقعي/ التاريخي الذي يتوازى وفعالية الحدث السردي، فالرواية هي رواية حدث بالأساس، لكنها رواية خطاب أيضا، إذ تتمثل الحكاية هذا الخطاب عبر كرونولوجية شخصانية لـججو وحنا، وعبر تعدد الصيغ التي يتم فيها عرض عالميهما المتشابهين في العلة، والمختلفين بين المقدس واليومي، والتاريخي والسردي، والواقعي والمثيولوجي/السحري.

الهامشي والمقدس

صيغ عرض الحدث في هذه الرواية، الصادرة عن دار نوفل- الناشر هاشيت إنطوان، تتمثله التحولات التي تعيشها الشخصيات، تلك التي تجعل من المادة السردية مجالها للكشف عن الثيمة والصراع، ولتعرية ما يتعلق بعوالمها الخاصة، ولوضع الضمير السردي الغائب بوصفه ضمير الحكي، أمام ما يشبه المذكرة، كما يسميها سعيد يقطين، وهي تسجّل المشاهدات، وتجعل من مجرى الخطاب مائزا في تقديم تفاصيل الحكي، وفي تسويغ وجود شخصيات، وعبر ما تتمثله في زمن السرد وفي زمن الواقع…

صيغ الحدث تتمثله التحولات التي تعيشها الشخصيات، تلك التي تجعل من المادة السردية مجالها للكشف عن الصراع

الحدث الرئيس يبدأ من زيارة رئيس وزراء المجر السابق الكونت بول تلكي متنكرا بزيّ مُبشّر بروتستانتي إلى كنيسة القديسة بربارة في بلدة كرمليس، إذ تتحول هذه الزيارة الى حدثٍ مُولِّد، والتي قد تكون الحافز السري للزيارة الملتبسة التي قام بها حارس الذخائر المقدسة نيابة عن البابا الكاثوليكي إلى الكنيسة حاملا عظمة القديسة بربارة. هذه اللحظة المفارقة هي ذاتها لحظة ولادة ججو ابن بنيامين والجميلة روز، وهو يحمل علّته، وكأنها علّة لكل ما سيحدث من أحداث، وعتبة لسلسلة من الأدوار الحكائية التي تتمثل مصائر الشخصيات والأمكنة، وتعرض علائقها الشوهاء في صيغٍ يقترحها الروائي من جانب، أو في الصيغ التي تقترحها الشخصيات الرئيسية: القس يوسف كوماني، الأم روز، ججو، الخوري توما كرمو، شمونيا، الأميركي ساس، اراسيا، أبلحد، حنّا، الفاضل نوئيل يلدا، ياسمين. فهي تعيش هواجسها، مقابل ما تخشاه من التحوّل الذي باتت تتعرض له البلدة، وإنّ ما يصطنعه الروائي لها يجد له تمثلات وصيغا وصفية، وقصدية- لأغراض السرد- تؤطر الحدث بالكثير من الدلالات التي تُحيل إلى التاريخ أو الأسطورة، وبما يجعله خاضعا لأدوار حكائية متباينة، ومن شخصيات محددة، لا سيما بعد مجيء إسماعيل دنحا ممثلا عن شركة ساس الأميركية إلى قرية كرمليس مع ابنته، والذي عُرف في ما بعد بـ”الأميركي ساس”، ليكون ذلك الحكي عتبة لتحولات أخرى، في تمثلها الدلالي وفي صيغها السردية، حيث المفارقة والصراع والاستحواذ.

عنوان الرواية يستثير القراءة، فهو عنوان اسمي، له دلالاته التعريفية، وله مبناه الصياغي الذي يحيل إلى طريقة السرد التي قدّم بها نزار عبدالستار أحداث روايته، فبقدر ما يوحي العنوان بشفرة المقدس لخادمة القديسة، ولعلاقة الشخصيات بها، فإنه بمثابة تورية لفضح الكثير من أقنعة هذا المقدس، فالكاتب لم يستعن بالقديسة بل بخادمتها، مثلما وجد أنّ هذه الاستعادة هي مقابل سردي لأنسنة شخصيات أخرى في الرواية، تلك هي شخصيات الهامش والمهمل والخارج عن المقدس، لكنه يقترحها وكأنها الأكثر امتلاء وتعبيرا عن فكرة الوجود، وعن رؤية ما يحمله من وعي مفارق للأحداث، تلك التي تتشظى وتتنوع في تحولاتها، وفي طريقة تقديمها، وهو ما أشار إليه الروائي في العتبة الاستهلالية الثانية، إذ قال “يفشل ججو في الهجرة إلى أميركا، ولكنه ينجب حنّا ووراينا، ويرى يوليانا مجدا في الموصل”.

شخصيات مسكونة بفكرة الخلاص

هذا الاستهلال موجِّه مهم في الرواية، لأنّه يدلّ على نمط الخطاب الذي سيستعمله الروائي، ولأنه يساعد القارئ على معرفة خطوط العمل المُشكِّلة للرواية، بوصف أنّ هذه الرواية تقوم على فكرة نقد التاريخ والمقدس، وعبر ما يتبدى في عوالم المسيحيين في الموصل.

صراع الذات

زمن الرواية يبدأ عام 1925، لكن زمن السرد يبدأ عام 1929 مع دخول حارس الذخائر المقدسة وهو يحمل عظمة حقيقية من جسد القديسة بربارة. ما بين الزمنين تشكل الكثير من الأحداث، فالزمن الأول هو زمن سياسي يرتبط بتقرير مصير الموصل من قبل عصبة الأمم، والزمن الثاني له علاقة بتقرير حيوات بلدة كرمليس “المنقطعة تماما عن المفاخر”.

الزمن الثاني هو زمن السرد، وهو ليس زمنا زائفا كما يرى تودوروف، بل يمكنه أن يكون الزمن السيميائي الذي ينفتح على زمن الشخصيات، واستلاباتها، أو الحدْس بزمن المحنة عام 2014 الذي احتل فيه الداعشيون الموصل، وعملوا على تهجير المسيحيين، وخرجت بلدة كرمليس من السياق لتكون في الخطاب أثرا تتكئ عليه الحادثة السردية في الرواية.

زيارة حارس الذخائر المقدسة إلى البلدة، ومجيء راس الأميركي إليها أسهما في صياغة علاقة الراوي مع خطاب الشخصيات، إذ تبدت هذه العلاقة وكأنها أكثر تأثيرا في صوغ حكي الأحداث، إذ تنطلق الصيغة التي وضعها الروائي من هذا التأثير، على مستوى وظائف الشخصيات، أو على مستوى السرد، أو على مستوى الإخبار، وقد بدا الراوي/ الضمير السردي الغائب حياديا إزاء ما قامت به الشخصيات، فهي عرضت لنا أحداثا وصراعات وأفكارا، مثلما قدمت لنا رؤيا استبطنت قصدية من الروائي في الحديث عن الحب والإيمان والطُهر العميق، والذي جسدته البغي ياسمين، كاستعارة مسيحية للبغي المجدلية، فالكاتب هنا يوظّف تقانة الواقعية السحرية لإبراز أهمية الهامش إزاء المقدس/ المتن، ولإبراز قدرته السردية على تشبيك الأسطورة الدينية مع الحدث، ومع يوميات الشخصيات وعلاقتها تقصيا ضديا لفضح النفاق الديني عند العديد من الشخصيات.

شخصيات نزار عبدالستار في هذه الرواية مسكونة بفكرة الخلاص، لكنها محاصرة بالكثير من المحو، محو الذاكرة والقوة، وهو ما يجعلها تنزع لخلاصٍ إيهامي تصنعه الشخصيات الضد، بدءا من شخصية الكاهن والسافل وانتهاء بشخصية المحتل.

والمكان السردي في مشغله الروائي يتسع للكثير من مفارقات التناوب، إذ هو جزء من علاقة الشخصية بوجودها، مثلما هو ذاكرة تواجه الكثير من المحو، لذا تتبدى ثنائية ذلك المكان ما بين الأليف والمعادي، وكأنه يعبّر من خلال هذه الثنائية عن صراع الإنسان ذاته مع الشر في الواقع الذي يمثله الاحتلال وأذنابه، والشر الرمزي الذي يمثله المقنعون بقناع المقدس.

17