يوميات البشير بن سلامة وثيقة عن تاريخ تونس المعاصر

الاثنين 2017/06/12
بن سلامة يستعرض نشاطاته اليومية وقراءاته وأفكاره

يتميّز الكاتب التونسي البشير بن سلامة الذي كان وزيرا للثقافة في حكومة صديقه محمد مزالي في أول الثمانينات من القرن الماضي، بتعدد الاختصاصات، فهو مترجم بارع، وروائي بنظرة ثاقبة للمجتمع التونسي، وباحث عارف بخفايا التاريخ واللغة. وخلال عمله كسكرتير تحرير لمجلة الفكر التي أسسها الراحل محمد مزالي في الستينات من القرن الماضي، كان أول من فتح صفحات هذه المجلة للحركات الطلائعية في مجال النثر والشعر، مُحتضنا جماعة “في غير العمودي والحر”، وسامحا للروائي البشير خريف بنشر قصصه التي كانت مرفوضة من قبل الأكاديميين المفتونين بمحمود المسعدي.

وبعد أن أصدر مجلدين عن مراحل من سيرته سواء في فترة الطفولة والشباب، أو خلال توليه منصب وزير للثقافة، أصدر البشير بن سلامة، المولود عام 1931، مؤخرا مجلدا يحتوي على اليوميات التي دأب على كتابتها منذ عام 1947، أي منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره.

وفي هذه اليوميات هو يستعرض نشاطاته اليومية، وقراءاته، وأفكاره، ومواقفه من أحداث اجتماعية وثقافية وسياسية وغيرها. كما يكتب خواطره الوجدانية وهو في عزلته، أو خلال رحلة يقوم بها داخل البلاد أو خارجها. لذلك جاءت هذه اليوميات منسجمة مع تعريفه لها في المقدمة، حيث كتب يقول إنها -أي اليوميات- “غوص في الذات عبر لحظة من لحظات الزمن العابر”.

ويشير بن سلامة إلى أنه بدأ حياته بكتابة الشعر. والبعض من القصائد التي كتبها نشرها في جريدة “الصباح” في الخمسينات من القرن الماضي ضمن المنبر المخصص للشباب. وفي واحدة من قصائده احتفى بالزعيم بورقيبة عندما زار عام 1950، مسقط رأسه قصور الساف بمنطقة الساحل. لكنه سيعزف في ما بعد عن كتابة الشعر ليصبح النثر مجاله ومنبره المفضل.

وفي الستينات من القرن الماضي، دخل البشير بن سلامة عالم السياسة إذ أنه كان عضوا نشطا في”اللجنة العليا للشباب الدستوري” التابعة للحزب الحاكم بعد الاستقلال. كما يتحدث في يومياته عن رحلات قام بها إلى باريس، وإلى المغرب، وإلى بلدان أفريقية وعربية. وفي تلك الفترة ارتبط بعلاقة صداقة متينة مع محمد مزالي الذي ظلّ حتى سقوطه المدوي عام 1986 أحد كبار رموز النظام البورقيبي. وقد زادت مجلة “الفكر” في توثيق روابط الصداقة والألفة بينهما فما عادا يفترقان أبدا.

ما نستشفه من خلال اليوميات أن البشير بن سلامة ظلّ وفيا لصديقه سواء عندما كان وزيرا مهابا في نظام بورقيبة، أو وزيرا أول في مطلع الثمانينات، أو عندما فرّ إلى الخارج خشية الوقوع في الفخ الذي نصبه له بورقيبة. وقد ظلّ هذا الوفاء قائما طوال فترة حكم بن علي. وبفضل محمد مزالي، تقلد البشير بن سلامة مناصب رفيعة؛ فقد كان مديرا للإذاعة والتلفزة الوطنية، كما ترأس لجنة برامج اللغة العربية في وزارة التعليم.

وفي يومياته، يستعرض بن سلامة انتقاداته للبعض من الوزراء أثناء الفترة التي كان فيها نائبا في البرلمان، من دون أن يغفل عن الإشارة إلى معارضته للوزير الأول الهادي نويرة الذي أصيب بجلطة دماغية في أوائل عام 1980 إثر الهجوم المسلح على مدينة قفصة بالجنوب الغربي التونسي.

وعند توليه حقيبة وزارة الثقافة، واجه بن سلامة مصاعب استعرض الكثير منها في يومياته؛ فقد كان بورقيبة ينفر منه، وكان ينصب له الفخاخ دائما، راغبا في أن تكون أعمال ونشاطات وزارة الثقافة مركزة على الاحتفالات الوطنية، وعلى العكاظيات الشعرية التي كانت تنتظم في محافظة المنستير، مسقط رأس بورقيبة بمناسبة عيد ميلاده في الثالث من شهر أغسطس من كل عام. ويشير بن سلامة إلى أن السنوات التي أمضاها وزيرا للثقافة اتسمت بـ”التشنج والغيوم الملبدة، ولا يتخللها الصحو إلا لماما”. ورغم أن بورقيبة كان واسع الثقافة، فإنه لم يكن يقبل أن “يحتضن مشروعا ثقافيا عظيما مثل بناء مسرح”.

وبعد هروب محمد مزالي، كتب بن سلامة في يومياته بتاريخ 28 يناير 1987 يقول “إنه لشعور غريب أن يحسّ الإنسان بالضيق، بالكبت، بالحد من حريته، وبأنه مراقب في حركاته، وسكناته، وبالخصوص أنه لا يعلم ما يدبر له في الخفاء. إن هذا الوضع هو أشدّ ضنكا وتعاسة من السجن لأن المسجون أمره واضح فليس في إمكانه أن يتحرّك إلاّ في الحدود المرسومة له.

لكني لست سجينا ولا في إقامة جبرية كما كان الأمر في بداية المحنة بل هي حرية من نوع هجين”. وبعد تنحية بورقيبة في السابع من نوفمبر 1987 بعث البشير بن سلامة برقية تهنئة للرئيس زين العابدين بن علي، وللهادي البكوش الذي عيّن وزيرا أول. لكنه يشير إلى أنه “لم يكن متفائلا كثيرا”. وكانت سنوات حكم بن علي صعبة هي أيضا.

يوميات البشير بن سلامة وثيقة هامة للغاية عن حقبة طويلة من تاريخ تونس المعاصر، وعن شخصيات سياسية وثقافية تركت بصماتها واضحة على هذا التاريخ.

15