يوميات جندي مجهول

السبت 2015/03/07

لم يبق في متاعي غير كسرة خبز يابسة وطيف أغنية تركت صداها مهملا بين جدران غرفتي هناك في المنزل الذي أصبح بعيدا، هناك، حيث أمي وشذى عطرها وكلمات الوداع الأخيرة.

اليوم، قطعت مسافات طويلة راجلا، مهرولا، اقتفي أثر العدو الذي كان يهرب من موت يشبهه، كلما تسنى لقذيفة حبلى التشظي غضبا أو ثأرا. لكن الغبار يمنعني أحيانا من ملاحقة تفاصيل المشهد ومنحنيات الألم على الأجساد المقيتة، الغبار الذي ملأ رئتي وملامحي، الغبار الذي علا على صوت القذائف، هو نفسه من أتى على مذاق طبق (الدولمة) والشاي (المهيّل) الذي علق بذاكرتي منذ غادرت (سفرتك) المهيبة “يا أمي”.

لكن الموت الذي لا يشبههم أخطأني اليوم أيضا، وقفز إلى جسد صديقي سلام ليترك فيه ثقبا كبيرا وغير أنيق، سلام فقد ابتسامته هذا اليوم إلى الأبد وفقد معها خاتم خطبته الذي كان سيرتديه بعد عودته.

كان يحب جارته البغدادية السمراء أكثر من أمه الميتة، وكان يهمس في أذني -بين انفجار لغمين- بأنه يشعر بالذنب أحيانا لأن هذا الحب سلبه كل مشاعره ولم يترك شيئا للعجوز الراقدة تحت التراب منذ ساعة ولادته.

لا يعرف سلام ملامح أمه إلا من خلال صورة قديمة ومهملة على جدار غرفته، لكنه يحفظ ملامح حبيبته جيدا حتى يكاد يراها في كل بقعة من أرض المعركة ويسمع ضحكاتها تختلط بصوت الرصاص، الذي يخرج سعيدا من بندقيته في كل مرة يعانق فيها جبين العدو.

وعدها بالعودة ونزهة قصيرة على ضفاف دجلة ولم يف بوعده، وعدني بمزيد من حكايات يتمه ولم يف بوعده، ووعدته بالبقاء إلى جانبه ولم أستطع أن أفي بوعدي أيضا، فابتسامة العدو لم تفقد بريقها بعد وعليّ أن أتابع السير إلى أمام لأن النظرة إلى الخلف تعني التخاذل.

قلبي يخفق كثيرا هذا المساء، صرت وحيدا أجلس على سواتر الرمل وأحاول جاهدا أن أتجنب نظرات الموت الذي يقف بعيدا ويطالع خلسة صحيفة أخبار صباح متعجل.

وكنت أبحث عن ذكريات تلهيني عن التفكير في خطة هجوم الغد وآلاف الخطوات التي ينبغي عليّ أن أقطعها باتجاه العدو وعدد شظايا الانفجار الأول ومزاج انفلاق القذيفة الأقرب إلى رأسي وفرق التوقيت بين خطواتي المتوجهة للأمام وأجساد رفاقي الذين سيعلقون في حبائل موت جديد، فتقفز صورة سلام ثانية وهو مسجّى إلى جانب جرحه النازف وتقفز صورة حبيبته السمراء وصور حبيبات الجنود الذين رحلوا في الأيام الأولى من المعركة، وأمهاتهم اللاتي يقضين لياليهن في الانتظار والدعاء ويتركن نهاراتهن عرضة لتكهنات الجيران والمارة وتحليلات مذيع الأخبار المغرور.

قلبي، سيخفق قليلا عند أول الصباح، ستكون الأرض أكثر صلابة بعد أن نزيح عن ذراتها غبار الألغام وستتغير ألوان السماء على وقع انهزام العدو، وسأخبئ في جيب سترتي العسكرية حبة كبيرة من الفاكهة التي قطفها لي سلام من حديقة بيته في الجنة، سأكتفي بقضمة واحدة ريثما تصل الإمدادات من الخطوط الخلفية.

في الغد، سأكون كل الجنود الذين ماتوا، سأحمل رشاشاتهم المطفأة وأصل خيوط أحلامهم المقطوعة، سأجيب على رسائل هواتفهم الجوالة في الاستراحات الممتدة بين موت وآخر، سأحمل ورود الأمل إلى أحبابهم عند عودتي، سأقف في طوابير العائدين بالنصر بدلا عنهم وسألوح لعدسات المصورين وأنا أرسم ابتساماتهم الغائبة على وجهي.
21