"يوميات" سيف الرحبي في رحلته"من الشرق إلى الغرب"

السبت 2013/12/14
الرحبى يمنحنا إحساسا جديدا بما يجري في العالم من حولنا

يمثل كتاب "من الشرق إلى الغرب: يوميات" للشاعر الرحبي، خطوة جديدة في طريق رحلاته المتصلة والمتواصلة، منذ سنوات طويلة، خطوة تضيف إلى خطواته/ كتاباته السابقة بعدا وعمقا جديدين، لجهة المزيد من التأمل في العالم وقراءته شعريا وفلسفيا.

في كل كتاباته يمنحنا الرحبي إحساسا جديدا بما يجري في العالم من حولنا، وشعورا بالمآلات الموحشة لحياة البشر، من جهة، وبضرورة التمسك بالحب والأمل والشعر/ الإبداع من جهة أخرى.

تجربة الرحبي في هذا الكتاب من "اليوميات" (إصدارات مجلة دبي الثقافية، عدد ديسمبر الجاري)، تأخذنا في اتجاهات عدة، في أنحاء المعمورة، وعبر عناوين أساسية أربعة، تبدأ من "يوميات الجزر الآسيوية"، ثم "النسر يصطاد العاصفة"، و"حين أشرق طفل من روحه"، وتنتهي إلى "يوميات قرية ألمانية". جولات يستحضر الشاعر الجوّال خلالها عوالم شديدة الثراء، في نصوص تخلط الشعر بالنثر، وتجمع الزمان والمكان وبينهما الإنسان.

الحيرة والسؤال سمتان بارزتان لكتابة الشاعر "فلنذهب من هذا المكان المليء بالضجر والقبح.. لكن إلى أين؟".

ورغم اتساع المساحات التي يتحرك الشاعر فيها، وكثرة التفاصيل التي يطل القارئ عليها، فإن ثمة مفردات محدودة تتكرر في كتاباته كلها، كلمات تعبر عن هواجسه الجوهرية، وأسئلته الأساسية التي تقلق روحه، روح الإنسان والمبدع، فينقل قلقه إلى المتلقي بقدر من الشراسة والحدّة.

وتتداخل في كتابة سيف سيرة الطفولة الشخصية، مع سيرة العالم منذ طفولته حتى مآلاته الأخيرة، فيمتزج الشخصي والخاص بالعامّ والعموميّ من شؤون البشرية، وكأنّ الشاعر حارس قيم البشر وأخلاقهم العالية المثالية، وحارس الطبيعة وعناصرها التي تتلاشى مع مرور الزمن. حيث الكتابة "تجنح إلى المحو وإعدام الأثر دائما". من جزر في الشرق الأقصى، إلى قرية شوبنغن الألمانية، رحيل يمتد من العام 2000 إلى العام 2012، يبدأ الشاعر رحلته بالوقوف أمام شجرة شبيهة بشجرة "السوقم" في "علاية" سمائل، حيث هنا في الشرق الأقصى "تنبجس من حنايا الذاكرة البعيدة شجرة السوقم السمائلية أو السوقمة حيث ذهبت الأسماء وبقيت الشجرة في ليل الذاكرة تنمو وتستطيل حتى بلغت كما في الطفولة الغاربة علوّا لا يُجارى. ولهذه الشجرة شكلان من الحضور، فهي شجرة الواقع وشجرة الطفولة والذاكرة.

هنا يجري الحديث عن بردى والنيل ودجلة والفرات بوصفها رموزا حضارية تتعرض للإبادة، ويتساءل الشاعر "كيف يستطيع شخص أو حُكم لا يكاد يعبر الذاكرة إلا مثل كابوس في ليلة مرض مؤرّقة.. كيف يستطيع إعدام نهر بمثل هذا العمق السرمديّ روحيّا وزمنيا.. إنها إحدى معجزات التدمير والانحطاط العربيين!"، ونرى إلى الغوطة الدمشقية مثلا بوصفها "هذا الملاذ الفردوسيّ".

وفي نص عن الغياب والغائبين، والعلاقة بالوطن، مهدى إلى طفليه ناصر وعزّان، يعرض الرحبي صورا متعددة من الغياب عن الوطن والعودة إليه.

يميل الرحبي أحيانا إلى استعمال الموروث في سياقات استعادة الزمن الجميل والأمكنة البائدة، ليس للوقوف على الأطلال، بل لهجاء الراهن، فهو يستعير من أبي بكر بن دريد -العُمانيّ الأصل، العراقيّ الإقامة- قوله الذي ورد في كتاب لزكي مبارك حيث يقول في "مدامع العشاق" "أين تلك البطاح التي تسيل على جوانبها أعناق المِطيّ؟.. وأين الديار التي درست وصارت أثرا بعد عين، حتى لم يبقَ منها شاهدةُ رمس أو طلل؟"

16