يوميات عبد الغني الدلي العابرة للأزمنة والأجيال

الأحد 2016/10/02
الدلي مع حسن الدجيلي في بورتسموث

لندن- جمع الكتاب السيرذاتي “عبر السنين” للمثقف والسياسي العراقي عبدالغني الدلي مذكرات رجل عاش هو ومعاصروه نهضة العراق التي نحتوها بكامل ما أوتوا من أمل وإيمان ببلد النهرين وشعبه. وقد تجاورت في صفحات الكتاب صور مقتطفة من واقع العراق سواء الفوتوغرافية بالأبيض والأسود أو الكلامية في ثنايا الحكايا التي نقلها إلينا المؤلف.

وحين يتصفح القارئ الكتاب، الصادر عن دار الحكمة للنشر، تشغله صورة التقطت للصف السادس الابتدائي في مدرسة سوق الشُّيوخ، في بداية العشرينات من القرن الماضي، حيث يبدو عبدالغني الدلي جالسا مع زملائه وكأنهم في مدرسة أوروبية أو أميركية، يرتدون البذلات الأنيقة مع أربطة العنق، ويعتمرون على رؤوسهم الفيصلية تلك السِّدارة السَّوداء التي أدخلها الملك فيصل الأول، كي توحد رؤوس العراقيين، فأصبحت موضة لموظفي الدولة، مِن الكبار والصِّغار.

ظلت الأناقة لزاما على طلبة المدارس، مِن بغداد والمدن والقرى القصية؛ إذ يُحاسب التَّلميذ على مظهره ونظافة يديه في الطَّابور الصَّباحي، أما المدارس المتوسطة والثَّانوية فتلك الأناقة كانت مفروضة على طلابها أيضا.

مذكرات رجل عاش نهضة العراق

كانت الصور الملحقة بكتاب مذكرات الوزير عبدالغني الدلي “عبر السنين”، شواهد على عصر مضى ولم يعد، ماض عمل الدلي وأترابه على تأسيسه، بعد العودة مِن البعثة الدِّراسية التي توزعوا خلالها بين بريطانيا وألمانيا وأميركا، وبدأت النَّهضة التي دبت بعراق العشرينات من القرن الماضي سريعاً.

شهد عبدالغني الدلي، وزير الزِّراعة في العهد الملكي، ثمار تلك النَّهضة وعاش فترة سقوطها في وحشة ليلٍ تناوبته الحروب والحصارات والغزوات، وأتى الفساد على الصغيرة والكبيرة مِن تلك الثِّمار. توفي الدلي سنة 2010، وكان ينتظر العودة إلى العِراق، وحلمه الوحيد والبسيط لم يكن معقّدا ولا عصيا، فقط أراد إنشاء مكتبة، مِن حسابه الخاص، لمسقط رأسه سوق الشّيوخ، حيث ولد عام 1913، ودرس في مدرستها الابتدائية، ليتدرج في الدِّراسة مِن النَّاصرية إلى بغداد ليختمها بدراسته في بريطانيا.

لكن ذلك الحلم أسقطته مِن حسابه تشوهات الطائفية والضَّغائن والإرهاب المتآخي مع الفساد، وإلغاء تلك الصورة التي رسمها في مخيّلته عندما كان تلميذاً في الصَّف السَّادس الابتدائي، تلك الصورة التي لم يبق منها سوى محض خيال وآمال أن تعود، لذا وطن الدلي نفسه على غربة جديدة وأبدية، بعد أن كان ينتظر نهاية الأولى.

كان عبدالغني الدلي مدرس الملك فيصل الثاني. فبعد عودته مِن الدِّراسة عمل الدلي في الدِّيوان الملكي، ثم تسلم وزارة الري والزراعة، وحصل أن ابتليت بغداد بفيضان طاغ عام 1954، يروي الدلي ذلك بكل تفاصيله يوم كان الجميع متكاتفا لأجل بناء نهضة شاملة رغم العراقيل والمصاعب الكبيرة.

فقد أرّخ الدلي في كتابه لمسقط رأسه وروضة طفولته سوق الشّيوخ، مِن ناحية عمرانها ومجتمعها وطبيعتها، ثم أرّخ للمدينة التي درس فيها وتحديدا المدرسة المتوسطة النَّاصرية، وهي الأحدث مِن سوق الشِّيوخ، لكن العثمانيين جعلوها سنجقاً أي لولاءً أو محافظة. كان الدلي يتردد على مكتبة، وهي الوحيدة بالناصرية، هناك أين خطا خطواته الأولى في العلم والثقافة.

الدلي مدرس للملك فيصل

كما تحدث الكاتب -علاوة على تأريخه للأمكنة- عن حياته ودراسته في الخارج، ونشوب الحرب العالمية الثانية، والبقاء ببورتسموث بسبب صعوبة السفر إلى العِراق بعد التخرج، تلك المدينة التي ذاع صيتها بالعراق إبان المظاهرات الداعية إلى إلغاء المعاهدة التي عُرفت باسمها، وكان عبدالغني الدّلي مِن موظفي الدَّولة الكبار. كما تحدث الدلي عن المناصب التي تسلّمها، بداية من عمله في الدِّيوان الملكي، ثم إدارته لـ”بنك فوزيرا للري والزراعة”. ويحكي عن زواجه أيضا من ابنة رؤوف الكبيسي، التي امتدت علاقة زواجه بها من 1950 حتى رحيلها قبله بسنوات.

لم يتوقف الدلي في كتاب مذكراته “عبر السنين” عند حدود ذاته مؤرخا لها، بل يعتبر شاهدا على العصر، ذلك العصر الكبير بإنجازاته والكبير بمعضلاته أيضاً، فقد عاش أهل ذاك العصر حياة ثلاثة ملوك، والعشرات من الوزارات. كما عاشوا الانقلابات المتتالية، والبداية كانت سنة 1936 حتى جاء عام 1958 لتُطلق على هذا العهد تسمية “العهد المباد”، وكأنه لم يُشيد البنية التَّحتية مِن السدود والطرقات والموانئ، ولم تعرف الأجيال ما بعد تموز 1958 سوى أنه كان عهدا استعماريا مبادا.

مَن يقرأ “عبر السنين” يتعرف على شخصية فاعلة في الشأن العراقي، وأحد المؤسسين للنهضة، شخصية هادئة، لم يتجنّ على خصم ولم يحاب صديقا، ففي الغربة تساوت الدرجات بين الخصومة والصداقة، إذ الكل أفلس من عراق كان يوما من الأيام موطنا يضاهي العالم المتحضر بمعماره وثقافته ونهضته الطموحة.

13