يوميات في المعتقل: أقبية الخوف وخـسة الذئاب

الأحد 2015/10/04
لوحة: فادية عفاش

أربع درجات تحدّرْتُها بهدوء وصمت، ثم اندلَقَتْ روحي في الجحيم، ألفيتُ جسدي في بهو شحيح الضوء. أبواب الحديد الموصدة تحيط بي من كل جانب، وفي الزوايا ذئابٌ ملفعة بشبح العتمة. ما إن تلّبسني المشهد بوهلةٍ دالّة على الغياب المديد، حتى أحسستُ بدمي ينسحبُ من أوردتي، كمن يداري حدّة شمس فُجائيةٍ عن عينيه. أقبلتُ على الحدثِ راضياً بكل احتمالاته، لا مهرب من القبول، وإلا فإنني سوف أُنهك وأهزم من داخلي أنا.

هرير الذئاب

الضابط الذي يتدلى كرشه، متدحجراً بمشيته، كان هادئاً ينظر إليّ من باب مكتبه المشرع، يتفحصني كجثّة هامدة لاصقة على المقعد الجلدي في الصالون، يُقلّب أوراقاً بين يديه، ويقرأ. لم يطل انتظاري أكثر من نصف ساعة، حتى مرّ بي دون أن يحيد بصره عني بنظرة المنتشي، قال لي دون أن يتوقف بصوت خفيض، وهو يهزّ الأوراق : شيء يرفع الرأس.

وقعتُ في المصيدة. الكمبيوتر المحمول الذي أخذوه مني، يحتوي كل ما يساعدهم في إدانتي: كتاباتي، نصوصي بكل ما تتضمنه من أفكارٍ ورؤى، مؤرشفة ومرتبة بعناية. فهمت مآلي، لكنني لم أشعر بأيّ خوف. أعاد لي عنصر الأمن جهاز الهاتف بعد أن قال للضابط أنه لم يجد فيه شيئاً. الحقيقة كانت هناك صوراً لتحركات الجيش حول حمص، ومقطع لمظاهرة طيارة في المهاجرين، وأخرى في حرستا، وتسجيل حول مقتل أحد جنود النظام في عربين، على يد الجيش الحر. تنفستُ الصعداء.. لكن الضابط عاد إليّ وهو يتكئ على مقعدي، في مواجهتي من أعلى، وهو يسألني من أين أتيت، وماذا كنت أفعل في المنطقة، في ظل الإغلاق الذي يفرضه الأمن من حرستا إلى القابون، إلى ساحة العباسيين.

الجمعة 6 حزيران

اشتعلت بلدات ريف دمشق بسبب المواجهات بين النظام والجيش الحر، فأغلقت الغوطة الشرقية، والأتوستراد الدولي، على إثر القذائف التي أُمطر بها مقر المخابرات الجوية في حرستا، فيما تعرضت محطة كهرباء القابون لقصف من جهة مجهولة، أشعلت نيران كثيفة دمرت المحطة.

على الرغم من الإغلاق التام كنتُ مصرّاً على التحدي، والخروج إلى قلب دمشق، تحمّل السائق إلحاحي المشجع بالالتفاف حول القرى والبلدات، والطرق المغلقة والحواجز، مابين حرستا وعربين وزملكا وجوبر، وقذفني أخيراً في ساحة العباسيين، التي كانت خالية تماماً، سوى من بضعة مسلحين.. في ذلك اليوم احتل الجيش الأسدي ملعب العباسيين وأطبق الأمن على مداخل الساحة بشكل نهائي.

في الأفق كانت سحائب الدخان الأسود الكثيف، تملأ السماء زاحفة نحو عرائش الياسمين.

في جعبتي/المحمول، مقال جديد، وتقرير يتصل بسيرتي مع النظام، يمتد إلى عام 1980، وكنت أزمع إرسالهما في بريد إلكتروني هام. حين قصدت مقهى زرياب في جادة الشهبندر، من باب توما، أحسستُ بأجواء شاحبة تلفّ المكان، وعلى غير العادة، لم يكن هناك أنترنت، ووصلة الكهرباء، غير موجودة! أشار لي النادل، أنه يمكنني الذهاب إلى مقهى الأنترنت القريب. لم أقبل بذلك، فكل الأجهزة هناك تخضع لرقابة مباشرة. جلست أحتسي القهوة، وبدأت الكتابة حول رواية بيلان.

تصاعدت حدّة القلق في ضلوعي، بحثاً عن مكان آمن للأنترنت، قادتني قدماي نحو القصاع صعوداً، فالقصور والتجارة دون جدوى. هناك كانت الحواجز في كل شارع، وهويتي طوال الوقت كانت جاهزة وأنا أجيب على الأسئلة : إلى أين، من أين، عملك.. كانت الحواجز تحدد لي خط سيري باتجاه شارع بغداد. وحين أردت الانحراف يساراً، هتف بي صوت من بعيد: أنت.. تعال هنا. ترددتُ فعلا، جاء صوته آمراً فخطوتُ إليه:

- من أين أنت؟

- من سوريا، من هنا.. أجبتُ متهكماً. فبدأت الأسئلة: من الرقة، تسكن حرستا، كنتَ في باب توما، وذاهب إلى شارع بغداد.. ما الذي تحمله في حقيبتك.. ثم رحّب بي: أهلا وسهلا بالكاتب وبالصحافة كلها. قالها بارتياح، ثم نادى رئيس الحرس وسلّمه بطاقتي الشخصية.

- ولمَ أذهب معه.. ليفتشني هنا!

هواء تلك الليلة كان منعشاً ولطيفاً، أحسستُ بنسماته تلثم القمر، تتعطر بأشجار الصفصاف والصنوبر..ثم تمرّ بي وتمسح جفوني، وأنا أعبر البوابة الصغيرة الأخيرة إلى داخل فرع الخطيب.

- تعال، أشار لي، فهبطنا معاً نحو قبو المبنى، عدة درجات تفضي إلى باب حديدي، ضغط على الجرس، وهو يقول لهم إني ضيف جديد. كم هم لطفاء هؤلاء الساهرون على حماية البلاد من شعبها!

كنتُ في لحظة صفاءٍ نادر، ورائق إلى درجةٍ لم أفوّت فيها الرد بكياسةٍ على الضابط، بعبارة ملؤها المرارة والاستخفاف:

- شكراً على لطف الضيافة. حققتْ رميتي مقتله، نظر إليّ ومضى نحو الأعلى، أما أنا فقد سحبتني يدٌ إلى أسفل، درجة واحدة، أحسستُ أن لليد المشعرة أظافر ذئبٍ، قد تجمّل للحظة، قبل أن تدركني أنيابه التي رأيتها تقطر سمّاً زعافا.

فتش العنصر حقيبتي على عجل، استخرج بعض الأوراق التي تضم مسودات لنصوص شعرية متفرقة، مقطوعات متناثرة، وحين قرأ بعضها، قال وهو يرميها على الطاولة: ستكتب شعراً أجمل من هذا هنا، البلد ينقصها أنتم يا خونة

طاولة في المدخل، وهنا توجب أن أسلّم كل ما بحوزتي، وهنا خلعت ثيابي. تدخل أحدهم عابثاً: اِبق في السروال، أنت ضيفنا، و نحن نحترم المثقفين. ثم مدّ يده ونزع ما تبقى على جسدي، وألحقها ببصقة.

بدأت أفقد الإحساس بما حولي، أسمع صراخاً متداخلاً مع العواء، هكذا تنبهتُ إلى الأصوات الموجوعة دون أن أرى أحداً، التعذيب ترتفع شدته مع ارتفاع وتيرة السياط والشتائم. تبدو حفلة تعذيب جماعي، يجعل أعصابي متحفزة إلى أقصى درجات الاستسلام لما يمكن أن يحدث، علمتني التجارب السابقة أن أتماسك و أحتمل ما استطعت، أمام عطش السجان لحيونة غرائزه.

عناصر الأمن يدورون ببطء في البهو الخامل، ومع حركتهم يدفعونني إلى ركن خلف الباب، فأشعر بأنني أمام قطيع من الذئاب، يخيل إليّ همسهم بأنه هرير.. رغاء يسيل معه اللعاب وهي تنظر إليّ بعيون محمرة، تستعد للانقضاض على الفريسة الطازجة: أنا.

فتش العنصر حقيبتي على عجل، استخرج بعض الأوراق التي تضم مسودات لنصوص شعرية متفرقة، مقطوعات متناثرة، وحين قرأ بعضها، قال وهو يرميها على الطاولة: ستكتب شعراً أجمل من هذا هنا، البلد ينقصها أنتم يا خونة. ثم توالى سيل الشتائم وهو يدفعني عارياً أمامه، في ممر قصير بين الزنازين. كان يعوي وهو يصفني بما تجود به القريحة العفنة، رائحة فمه واللعاب المتطاير تذكرني بشتيمة هنري شاريير” شريحة اللحم النتنة “.

فتحَ باب الزنزانة ودفعني بقوة أوقعتني كومةَ جسدٍ لا شيء يقيه، ثم دعس على خاصرتي وأسنانه تصطك لؤماً، وأقفل الباب. نهضت وثيابي في حضني، أخذت أرتديها على مهل متكئاً إلى الجدار، ثم اقتعدت الأرض. كانت الساعة -ربما- تقترب من العاشرة، وعيناي تجولان في الظلمة، تستكشفان أيّ ملمح لخطٍ أو حرف على الحائط، لمن سبقني إلى هذا المكان. بحثت عن شق في الباب أرى منه شيئاً، دون أن أفلح. بدأ التعب يتسرب إلى داخلي، ويجهد أضلعي التي تضطرب فيها أحشائي، أبلل شفتي بلساني وأزدرد ريقي، كي أبدد العطش، فيما يتسرب البرد إلى أطرافي. جعلتُ حذائي وسادةً وتمددتُ لدقائق، لينفتح الباب على وسعه وأخرج إلى بهو الذئاب الباهت.

كان عليّ أن أجيب على أسئلة روتينية، لبطاقة معلومات أساسية، والتقاط صورة شخصية بوضعيات ثلاث للوجه والرأس، وأخذ بصمات الأصابع العشر، هذا الأمر فعلته قبل نحو عشرين يوماً من انتفاضة السوريين في 15 آذار 2011، لأكثر من خمس مرات، وأنا أتنقل في جولة سياحية أمنية بين فروع وإدارات الأمن وسجونها في دمشق. أدلي بالمعلومات، ووجهي إلى الجدار مغمض العينين، وأنا أتحسب من صفعة على عنقي، أو نحرة تخلخل عظامي. سعدتُ جداً بالعودة إلى الزنزانة، الجدران المغلقة الصماء أحنّ على روحي منهم، أريد التخلص من قلق ومفاجآت المثول في حضرة الذئاب المتحفزة للوثوب عليّ.. وعلى أيّ من المعتقلين.

قرابة الثانية فجراً صحوت على صراخ قريب مني جداً، كان الصوت محترقاً، كنصلٍ يمرر لحن الدم على أوتار قلبي، وتملكني خوف ما، تسارع فيه دفق الدم في عروقي. فتح باب زنزانتي فجأة فانتفضتُ واقفاً، كأن دوري الآن في التعذيب قد أزف. أمرني بالتقدم نحو الباب، وأن أستدير، ليربط عصبة القماش على عيني، ويغلّ يديّ خلفاً، ثم صعد بي الدرجات الأربع، إلى غرفة التحقيق.

ثلاث ساعات من الاستجواب، لم يوجه لي فيها المحقق أيّ اتهام مباشر، سوى أننا كمثقفين سوريين خونة للبلد والناس.. والنظام بالطبع، وأن كل المعارضة في كفّة واحدة، إرهابية مدعومة من صنّاع المؤامرة في الغرب المعادي، وكثير من هذا الكلام الذي لا قيمة له، سوى أنه فضاء لممارسة الاعتقال والتخويف والقهر. قال إني عميل للسعودية، لم أكن أعلم بذلك من قبل. أجبته بكل بساطة.. وأردفت أن الجرائد السورية محرّمة علينا. المحقق الذي ظل طوال الوقت هادئاً دون أن يشتمني، وهو يحاول إرشادي إلى جادة الصواب، لم يحتمل جرأتي في الرد، فغضب صائحاً:

- قم انقلع يا عرص.

وقفت، أمرني أن أوقع على المحضر، فطلبت قراءته أولاً. فحصلت على شتيمة دسمة وجرني العنصر إلى تحت. تحت صرت بين الأرجل يتلقى جسدي ما شاءت له الذئاب نهشاً وهي تملأ الفناء الصغير عواءً مديداً يتلاشى لشدته الضوء الشحيح في عيوني، وأنا لا أستطيع اتقاء أنيابهم حتى صرت في الزنزانة ثانية، والذئاب ترغي وتهمهم في البرية المظلمة البعيدة الموحشة، وفي جوفي ينمو الألم، مثل وردةٍ لا أشتهي غيابها. صرختُ من داخل حنجرتي الجافة، كان صوتي مبحوحاً، توالت تأوهاتي مع كل ضربة، أدركني قهر أثقل على روحي وأطبق على أنفاسي، تحدّرت دمعتي حرة في مسيلها.

تحت.. أقبَلتْ روحي على الورق، تدفع أصابعي للتشبث بالقلم، والتوقيع حيثما شاؤوا. لا أهمية لقراءتي، ويكاد الصباح أن يولد. أريد أن أرتاح، أن أغمض عيني ولو قليلاً، لكن لم أستطع النوم، فقد نقلتُ إلى المحشر: المهجع 37.

السبت 7 حزيران

من يخرج من الزنزانة إلى المهاجع، ويُسمح باختلاطه مع المعتقلين الآخرين، فهذا يعني، أنه انتقل إلى حياة أفضل في رحاب الجحيم. أحسستُ براحةٍ شديدة وأنا أدخل المهجع المسمى (الخارجي) ورأيتُ ابتسامتي في عيون الآخرين، وأرفع يدي بالتحية للجميع. كيف لا.. وأنا خبير سجون! وكي أوفّر عليهم وعلى نفسي، نطقتُ بصوت مسموع باسمي وعملي. كانت اللهفة التي باح بها الجميع، هي معرفة أخبار الخارج. ما الذي يحدث في سوريا، ما هي أخبار الثورة، الجيش الحر، والمعارك التي يخوضها ضد النظام. لكن لم يسألني أحد عن مؤتمرات المعارضة، ولا عن مواقف المعارضين.. ولا هم يحزنون. السؤال الذي لم يمرّ مرور الكرام، عما إذا كانت هناك أنباء حول عفو قريب عن المعتقلين، نفخت نفسي قليلاً وهممتُ بإلقاء خطاب، فشدني أحدهم هامساً:

- بلا طول سيرة.. في وإلا ما في؟

- الله كريم.. قريب الفرج قريب..

ضحك الجميع، وعلت بعض التعليقات الساخرة الجريئة، التي تحلّى أصحابها بالشجاعة.. تلميحاً من خلف التلال. الجماعة الأولى التي استقبلتني، وأجلستني في مربعها الصغير.. صرفتني بعد أن لاحظت تكتمي في الحديث، وأنا الذي يعرف أنه ثمة مخبرون في المهجع، كنتُ على حق!

تخطيط: ساي سرحان

الطريق الى الحمام، كان شاقاً، فالناس فوق بعضها البعض، أكوام لحمِ، وأنفاس خانقة. يقارب عدد المودعين هنا المئتين. ليس ثمة موضع للقدم الواحدة، والقفز هو وسيلة التحرك إلى وجهة واحدة، الحمام فقط.. وبالدور. وقفتُ أتطلع إلى مكانٍ ما ألبدُ فيه، فألمُّ جسدي على عثرتي، فلم أجد. بقيت واقفاً حتى جاء طعام الغداء، وحلّ به الفرج.

يلتمّ السوريون حسب مناطقهم، في المهجع، معظمهم من دمشق وريفها، إضافة إلى وجود أعداد من حمص وحماه، وحوران. تناولت الغداء في ضيافة الدوامنة الذين رحبوا بي وأفسحوا لي مكاناً بينهم. مرّ على اعتقالي حوالي نصف يوم، لم ألتقط فيه كسرة خبز أو جرعة ماء، أو التبول سوى مرّة واحدة أثناء التحقيق.

كانت إلى جوارنا جماعة أبو زهدي الحرستانية، التي تحتل صدر القاووش، وأكثرها مناوشة، حيوية وشغباً. في المدخل مجموعة صغيرة تفرض الابتعاد عنها، ولديها مساحة واسعة تعادل ثمن المهجع، تتحكم به ولا تسمح لأحد بالجلوس فيه، إلا عند تناول الطعام. هناك كان زعيم المهجع، بعضلاته المفتولة وجسده الضخم، ولحيته الكثّة المشيبة، لم أحظ بإعجابه مذ دخلت، ثم اجتمعت به لاحقاً في زنزانة جديدة.

المكان الذي ربضتُ فيه، على نصف ساق، وجسد في الهواء، يبعد عني بمسافة موضع رجل واحد فقط، عن واحدة من أبشع غرف التعذيب. كنت في مواجهة نافذتها الوسيعة، نافذة داخلية مطلية بالبني الداكن، لا يظهر شيء مما تحتويه أو يحدث داخلها. لكن الصوت كان واضحاً جليّاً كالقسوة التي تقصم الروح والجسد!

أسرّ لي أبو محمد الدوماني، أنني سأسمع لاحقاً أصوات التعذيب، أصوات النساء المعتقلات هنا. في الليل كان صراخهن يمزق أرواحنا، ويفاقم عجزنا وقهرنا.. فمن يحتمل؟ غير أن وصول أحد الشباب في حالة خطيرة، أشغلنا جميعاً عما نحن فيه، وعمّا يحدث من حولنا حيث النساء يتعرضن للتعذيب.. وربما لأشياء أخرى، لا ندري على وجه الدّقة ما هي.

كان الشاب بقايا جثّة يغطيها الدم في أنحاء عديدة من جسده: الوجه والرأس، والقدمين واليدين، لا يقوى على النهوض بنفسه، أو الوقوف والمشي. قدميه متورمتان من التعذيب، وكان يصدر أنيناً خافتاً مبحوحاً ومتعباً، وعينيه شبه مغمضتين.

نزع عنه رفاقه الثياب الممزقة، ووضعوا رأسه تحت صنبور الماء، ثم مددوه على الأرض وهم يمسحون الدماء عن جسده. وما إن بدأ يستعيد وعيه، حتى علا اللغط والهرج في المهجع، وبدأت أساريره تتفتح على الرغم من الألم، سعيداً بالبقاء على قيد الحياة. تأمّلتُ ملامح وجهه الهادئ، وبريق النجاة في عينيه، والرضا الذي باحت بها ابتسامته، لقد ربح الجولة، ولم يستطع السجان أن ينتزع منه أيّ اعتراف حتى الآن. كان طويل القامة نحيلاً، بل هزيلاً، وقد مرّ على اختطافه من أطراف معضمية الشام، 76 يوماً. لا أتذكر اسمه الآن، كما لا أتذكر أسماء سوى ثلاثة أشخاص.. لكن ثمة وجوه لا يمكن نسيانها، واحد منها ذلك الشبيح المخبر.

مع أول المساء، بدأت أفواج الشباب بالخروج، جماعات وفرادى، يعودون بحالٍ أشبه بالموات، والروح مثقلةٌ بآلامٍ تترك ندوبها عميقة على الأجساد المهتوكة، التي تتحول إلى خارطة كدمات تتدرج ألوانها من الرمادي إلى الأزرق والأحمر، دوائر وخطوط السياط والعصيّ. يستخدم السجان هنا وسائل تعذيب غاية في البساطة والبدائية، لكن قدرتها على الفعل والأثر عالية جداً، فهي تعتمد على غرائز السجان، بداهته وبراعته في أبشع استخدام لها عبر التاريخ الإنساني. يمتلكون فرادة في الإيذاء، ويجهدون لتحطيم النفس البشرية، بكل ما يمكن لهم اتباعه من وسائل الترهيب المعنوية والمادية، ثمة قاموس هائل من مفردات الحط من قيمة الإنسان: شتائم وسباب، مع ضرب لامتناهي الوحشية، دون اعتبار للحياة والموت. تشريعات النظام الأسدي، تحمي مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية، لدى الأجهزة الأمنية والمعتقلات، وتحول دون تعرضهم لأيّ مساءلة قانونية، وذلك في ظل ممارسات لا حدود لها في انتهاك حقوق المعتقلين، وحمايتهم.

هكذا رأيتُ الندوب والجروح المتقيحة والأطراف المكسورة، والأظافر المقتعلة، رأيتُ العيون المتضررة، والمصابين من أمراضٍ شتّى بفعل التعذيب والاعتقال، وعدم السّماح بالعرض على الأطباء ومواصلة علاج الأمراض المزمنة. مرضى القلب والكلى والربو، يعيش بعضهم داخل الحمام، وتلك ميزة خاصة، عندما يتحول القاووش إلى فرن لشوي المعتقلين ما بعد الظهيرة، عندما ترسل الشمس حدّة الصيف على سطح المهجع وجزءاً من ارتفاع الجدار الغربي فوق الأرض، وهذا شكل آخر من العذاب الذي يحياه المعتقل.

مع مرور الوقت يزداد عدد الوافدين الجدد، قلّة هم من يغادرون، في الغالب يتم تحويلهم إلى معتقلات أخرى، مثل كفر سوسة والدحداح. المكان يختنق بالجميع، رائحة العرق وغازات الحمام، تغشى العيون وتملأ الحلوق بحموضةٍ قَرِفَة ، وشفاطات الهواء بلا جدوى، كأنها لا تعمل وقت الضرورة، والضرورة هي طوال الوقت.

خلال النهار يتناوب الجميع على النّوم، ثمة إمكانية للتبادل أحياناً بين ثلاثة مجموعات وحالات: وقوفاً وقرفصة، والجلوس متكئاً إلى الجدار مع مدّ الساقين، وهذه أفضل درجات النوم.. وأفخمها. ساعة النوم قرابة الثانية غالباً، الليل.. تتجدد فيها الصراعات على موضع قدم، يصير للحماقة والأنانية، أصواتاً تعلو بالغضب وتغلي بالحنق، هنا تتبدى صورة أخرى -جليّة- لانتماءات وانقسامات المجتمع. وفي كل الأحوال تنتظم أنساق النوم مقرفصين، ظهراً إلى ظهر لمن يحالفه الحظ، أو كلٌ في حضن الآخر، والضغط على كل فرد من كل الاتجاهات، للحصول على مكان أوسع بإنش واحد. هكذا يُحاصر الجسد ويتفصد عرقاً، ومن يضطر الذهاب إلى الحمام، لا يعود إلى مكانه إن لم يكن من قبضايات المهجع، وسادته.

نمنا بفحيح مكتوم، لأن أصواتنا كادت أن تقودنا جميعاً إلى الفلق، لم يحتمل السجان الذي يسهر في غرفة التعذيب المجاورة لنا، هذا الضجيج، فتح الباب وبيده عصا طويلة وغليظة وهددنا بها. السجان لم يحتمل أصواتنا، لكنه يتلذذ بأصوات المعذبين بين يديه، وتمنح سكرته مزيداً من النشوة بمشهد الاستقواء والإهانة.

وحدها تلك المجموعة التي تحتل مكاناً واسعاً، يسار الباب، تتمدد بطول الجسد.. براحة تامة، وتترهب منها الجموع المكبلة!

مشهد النوم، يشبه كثيراً حالة سوريين في سفينة تائهة في عرض البحر، تغرق رويداً بسبب فائض الحمولة المرعب، بلا ماء ولا غذاء. سوف ينام.. من يجد إلى ذلك سبيلا، ينام الجميع، من شدة الانشغال والتفكير في الحال والمفاجآت والمصير.. ينام من شدة التعب وإرهاق النفس، علّه يستقوي بحلمٍ ما، من أجل نهار جديد!

أوقفني في المكان الذي يريد مجدداً، وفك العصبة عن عيني، سدد نظرته القاسية إليّ وقال: أنظر.. حرك فمه المغلق، ثم قذف بصقتة في عيني، فملأت وجهي. لصقني بالحائط، ومضى عني.. غير أن صفعة قوية على رقبتي طرقت رأسي بشدة على الجدار، خلتُ فيها أن جمجمتي تهشمت

الثلاثاء 10حزيران: صباحاً

اليوم تلمستُ خيوط الضغينة بين أبناء الثورة، حتى هنا في المعتقل، يحدث هذا! لم تكن خلافاتهم في وجهات النظر فحسب، كل طرف يريد فرض رأيه على الآخر، لم تكن هناك إمكانية للمناقشة، كان ذلك صعباً، مع أن الغاية واحدة، لكن ليس ثمة تفاهم على الأولويات، وعلى طرائق العمل. كل شيء مفيد منتج يصطدم بمصالح التنظيم ثم المنطقة، ثم ينحدر نحو العائلة. هذا المرض كان يثير حساسيات شديدة داخل المعتقل، سرعان ما تتحول المناقشة إلى تجاذبات خارج الموضوع، تتطور إلى عراك وشتائم، اليوم وصل إلى تشابك الأيدي.

تغلب سمة الإسلاموية في المهجع، أولئك الذين انتفضوا ضد الاستبداد، ثم احتوتهم التيارات الإسلامية، بمعنى أدق اشتغلت عليهم، واستغلت مشاعرهم الدينية، فاندفعوا بتأثير من توجيه الدعم للثورة السورية. المسألة لا تتصل بخروج الناس من المساجد، في البداية، لم تكن بيوت الله سوى فسحة للتجمع والتعبير والانطلاق. كنت أرتاد المساجد أيام الجمع، لأرى وأسمع وأشارك. العبادة والإيمان بالنسبة إليّ مسألة شخصية وخاصة جداً، ولم تكن الطريق إلى المسجد الأموي، منفصلة عن اقتعاد الأرض في كنيسة حنانيا. وفي المحصلة انتقلت الانتفاضة من السلمية إلى ثورة مسلحة، أمام الاستخدام الإجرامي لوسائل العنف والقتل، من قبل النظام. كانت تلك المسائل مثار خلاف دائم في المعتقلات وخارجها، وإلى اليوم. كثيرٌ من حملة السلاح، كانوا بيننا، وهم أشدّ وضوحاً في التعبير عن مواقفهم، بحدّة، وأكثر نكراناً وإقصاءً لنشطاء العمل المدني.. هنا وجدتُني معزولاً بينهم!

اليوم، كانت هناك أخبار جديدة يتم تداولها بين الشفاه والآذان والعيون، حول أحداث الجمعة الأخيرة، التي شهدت مواجهات عنيفة في مثلث جوبر -دوما- برزة. بلغت فيها عمليات الجيش الحر مرحلة نوعية، بعد الزيارة الفاشلة لفريق تقصي الحقائق.

خبز وحلاوة، قدم لنا السجان إفطارنا، مع هذه الأخبار التي تصل مع معتقلين جدد. حصلتُ على رغيف كامل، مع قطعة حلاوة بحجم البيضة. في المعتقلات السورية، وإن لم يكن الطعام كافياُ أو صحياً، إلا أنه ليس سبباً في مقتل المعتقلين. يموت السوريين بسبب التعذيب الوحشي بلا أيّ حدود أو مساءلة.

فتح الباب وضرب القادم بقبضته كي ينصت له الجميع:

- كل حشرة يسمع اسمه يطلع.

أشهر ورقته وتلا عدة أسماء، كنتُ أحدها، فانتفضت على الفور، أتلمس حذائي، فعاجلني بالقول أن لا ضرورة. خلف الباب تجمعنا لدقيقتين لا أكثر. بصمنا على أوراقٍ قدمها لنا، وعدنا إلى الداخل. لم أعرف لماذا، لكن الخبراء في المهجع، هنّأوني، فسوف أخرج من هنا.

سأخرج إذن، ولكن إلى أين؟ سأغدو حراً طليقاً؟ أم ماذا.. لا نعرف. في الغالب، ثمة معتقل جديد في الانتظار لابتلاعي!

بعد الثالثة عصراً، والشمس حادة جداً في ذروة توهجها، كنت أعبر ساحة فرع الخطيب نحو باص النقل الداخلي، حاملاً حقيبة أوراقي، دون الكمبيوتر المحمول. كنا مجموعة لا تتجاوز عشرين مُرحّلاً، ربطت معاصمنا إلى سلسلة طويلة واحدة، دون أن تُغمض أعيننا بعصبة سوداء. ومن حسن حظي أني كنتُ إلى جوار النافذة، انتابتني حالة فرح طفولي.

رافقنا مسلح واحد بكلاشينكوف معلّق على كتفه الأيسر، ينتصب في الباب الأمامي. كنا في حافلة إيرانية الصنع، وهي تتهادى بثقة الحاكم المتسلط، في شوارع دمشق شبه المهجورة في مثل هذا العصر الجاف. عبرت بنا شارع بغداد نحو نفق شارع الثورة، الحجاز والحلبوني جنوباً. فتحت عيوني عن آخر الحدقتين، وأنا ابتلع مشهد المدينة، الأشجار، وحركة الناس، وأتلمس خطاي فوق هذه الدروب. تعلمت أن لا تغيب عني أيّ تفاصيل خلال التنقل بين معتقل وآخر. لديّ هاجسٌ دائم، بأنه مشهدٌ أخيرٌ قد لا يًتاح لي مرة أخرى.

لوحة: نادية صفي

خسّة الذئاب

اجتازت الحافلة نفق أمن الدولة القريب من دوار كفر سوسة، والتفّت يميناً نحو مدخل خلفي للمبنى، لفظتنا تحت الحراب، وعبرنا المدخل إلى ساحة كبيرة، انقسمنا إلى مجموعتين، ذهبت الأولى إلى ما يعرف بالسجن الجنوبي، وأنا مع ستة موقوفين، إلى السجن الشمالي. في هذا المكان الفسيح، القلعة المنتصبة هنا تتعدد السجون في المكان الواحد: الشمالي والجنوبي، والزنازين الانفرادية تحت المبنى الضخم. ذكرني ذلك بسجون القذافي الذي كان مهووساً بالمجمعات: الأسواق، إدارات الدولة ، وبالطبع السجون، هناك قضيتُ سنواتٍ في مجمّع يضم ثلاثة سجون.

مبنى أمن الدولة، كنتُ أمرّ بجانبه كل يوم، على الطرف المقابل -حين كنتُ أعمل في مؤسسة الصحافة- مختلساً النظر بزاوية عيني إلى السور والبوابة، أتخيل ما يحدث داخله، ومن يقضي في أقبيته. فيما بعد صرتُ أعاين آثار الانفجار الذي دبرته مخابرات النظام، في زاوية ميتة من المبنى، كي ترهب السوريين، وتمنع توسع الانتفاضة.

مساءً

وضعت قدمي في عتبة باب السجن، أوقفني على الحائط، ثم طلب مني أن أتحرك قليلاً، لم أفهم أنه يقصدني بكلامه، هائماً كنتُ، مغمض العينين، مكبّل اليدين إلى خلف.. لم أكن موجوداً حيث جسدي . رمى شيئاً نحوي فأخطأني. فجأةً.. ركلَتُه على إليتي رفعتني بقوةٍ من مكاني، وقذفتني فوق صاحبي، فارتمينا. أخذ يركلني بجنونٍ وهو يعوي بالسباب والشتائم، أنهَضَني من ياقة قميصي بقبضةٍ ضخمة، وأنا مثل ريشة.. وهو يوقفني وينهال على خدّي كفّاً وراء آخر..

لم أفتح فمي بكلمة، ولم تصدر عني نأمة أو آهة.. أتعجب الآن من نفسي، كيف احتملتُ ذلك، وكنتُ بين يديه، وتحت قدميه مستسلماً.. ليّناً وهشّاً تماماً.

أوقفني في المكان الذي يريد مجدداً، وفك العصبة عن عيني، سدد نظرته القاسية إليّ وقال: أنظر.. حرك فمه المغلق، ثم قذف بصقتة في عيني، فملأت وجهي. لصقني بالحائط، ومضى عني.. غير أن صفعة قوية على رقبتي طرقت رأسي بشدة على الجدار، خلتُ فيها أن جمجمتي تهشمت، أو أنها صعقة كهرباء، أفقدتني بصري وتوازني للحظة، وسمعتُ آهةً عميقةً متألمةً تخرج من بين ضلوعي، من حشايَ.. وتجرح بحرقتها بلعومي.. ثم ابتلعتني عتمة مديدة!

احتجت لدقائق كي أستعيد توازني، كنتُ مجبراً على النهوض، للإدلاء بمعلوماتي الشخصية، وتسليم الأمانات والخضوع للتفتيش الشخصي. جلس العنصر على حافة السرير، أقف أمامه مباشرة وهو يفتش حقيبتي، لم يترك شيئاً إلاّ وقلبه، حتى الأوراق، ليعثر على مفتاح الحلقة الجديدة من التعذيب.

قصاصة ورق، مزقة تحمل ملاحظة حول فكرة ما لهربر ماركوز من كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، وعلى الوجه الآخر عبارة مجتزأة بقي منها كلمتان “دولة الاستبداد”. لم يتعب نفسه بالسؤال، فكل شيء كان واضحاً بالنسبة إليه، المثقفون إما خونة، وإما وطنيون مع النظام. هكذا بدأ يغني موّاله، وهو يشتمني ويشتم معي كل الكتّاب، وأننا عملاء للخارج. نهض من مكانه بهدوء ووجه لكمته القوية على كتفي، ثم أمسك بي وراح يكيل لي الصفعات المتوالية على الخدين، وهو يردد مسعوراً: دولة الاستبداد.. دولة الاستبداد، أنتم بلا شرف، الكلاب الخونة، بدكن الحرية يا أنجاس..

عاد جسدي للتقاذف بين يديّ ثعلبٌ واحد. كان الآخرون مشغولون عنه بأعمال أخرى، منها استجواب الآخرين مع الصفعات والشتائم. أنا الوحيد الذي كان له مثل هذا الاستقبال الحافل منذ دخولي. صفتي وعملي ككاتب وصحافي، استوجبت إفراغ الحقد والكراهية من صدر السجان، الذي يمثل نظاماً جعل من الحرف وأصحاب التفكير عدوه الأول، وعمد إلى ملاحقتهم وتغييبهم، عبر الاعتقال والتصفية والتهجير.

بقيتُ وحدي مع السجانين في البهو، وأنا أتلقى درساً في الحرية والوطنية، وما الذي كان ينقصنا حتى نقوم بتخريب البلاد وحرقها، بالعمالة مع أعداء البلد. أسمع وأنا مغلق الفم، لكن روحي تغلي، فمن كتب على الجدران إذن “الأسد أو نحرق البلد”. قرأت العبارة مراراً.. لم يخبرني أحد عنها. رأيتها بنفسي في حرستا، وعلى الطريق الدولي، وفي مدخل حمص، ومفرق سلمية، وأمكنة أخرى عند البوابات، على الجدران وخيم الجيش، وعلى فوهات الدبابات وأبراجها.

أقبية الخوف

أبو لؤي، مدير السجن، تردد وهو محتار بي، قبل أن يحسم أمره: أدخلوه هنا. لأول مرّة أرى مهجعاً بهذا الشكل. هو أشبه بزنزانة، بل هي كذلك. لكنها مديدة.. طويلة، يُطلق عليها اسم البولمان. المسافة بين الجدارين المتقابلين لا تسمح بتمدد جسد واحد براحة دون أن يثني جسده. وقفتُ بالباب مأخوذا بالمشهد، كان المعتقلون يجلسون متكئين إلى الجدران على صفين متقابلين يضمون أرجلهم إلى صدورهم، كي يتركوا بينهم مسافة مقدارها شبر واحد، ممر من الباب حتى الحمام، في الواجهة، بطول عشرة أمتار تقريباً. هنا يقيم حوالي 70 معتقلاً، جميعهم من حملة الشهادات العالية، بينهم مهندسون وأطباء، ومستشارون قانونيون واقتصاديون ومدرسون، وكان المكان هادئاً.

جاءني الصوت مرحبّاً، وطلب مني أن أتقدم إلى الحمام لأغتسل وأضع حذائي، على السقيفة، فلم تعد بي حاجة إليه..تم التعارف همساً، وأنا أعود إلى جانب الباب ملتمساً مكاناً لا وجود له. نهض شاب وسيم وأفسح لي كيف أقف في جواره، ترك لي موضع قدم، ثم همس في أذني كي أحترس من الكلام هنا. حسام يحمل ماجستير في الحقوق وشهادة عليا في الإدارة، وموظف رفيع في هيئة عامة، تم إلقاء القبض عليه بعد عودته من مهمة رسمية، اتصل خلالها بالقنصلية الأميركية، دون علم السلطات السورية، فاحتجزته “لخيانته”، ترك التعذيب آثاراً مباشرة على جسده، ونتج عنه مرض جلدي، وحالة نفسية متردية. يتذكر وترتجف شفتيه وصوته وهو يقول بمرارة: هذه أقبية الخوف.. والموت.

مع دخول العشاء، أومأ لي رجل ستيني كي أنضم إليهم، كان المهندس محمد أحد قادة الثورة في حرستا ودوما. شحب لونه، وخنقته عبرة الرجال، حين أخبرته باغتيال الدكتور عدنان وهبة. انتابته لحظة سكون قاسية تلمستُ إحساس الفقد فيها، لشخصية هامة في العمل المدني مثل وهبة. جلستُ إلى جانبه نتحدث حول آخر التطورات في الثورة السورية، ومآلاتها. تحدث بعمقٍ كبير كيف يمكن للسوريين أن يعملوا معاً ضمن خطط عمل مجدية. اليوم لا أعرف عن هذا الرجل شيئاً، ما أعرفه أن كاميرا السجن كانت تسجل كل شيء، لذلك مع الصباح الباكر، كنتُ أغادر البولمان. أُمرت بأن أخلع ثيابي، وأن أدخل إلى المهجع رقم 6 أمام باب السجن مباشرة.

لا تزيد الغرفة عن 3×4 متر، رائحة الغازات المنبعثة من تعرّق الأجساد العارية، تملأ السقف بغيمة سديمية، رغم شفاط الهواء الذي يصدر صوتاً قوياً مزعجاً. أجساد ما يقارب أربعين موقوفاً، جلّهم من الشباب تتكوم فوق بعضها، وفي الزاوية الجنوبية، يتمدد مسنان مريضان، الأول منهك القوى نحيل يتجاوز السبعين عاماً، والثاني لا يقدر على الحركة بسبب تقيّح الجروح والحروق في جسده الضخم. لا يوجد في الغرفة حمام، ولا صنبور مياه. يتم الخروج الجماعي إلى الحمام ثلاث مرات في اليوم، ولا يسمح بالاغتسال أو الوضوء، ويتم تعبئة عبوة بلاستيكية تتسع لعشرة لترات ماء يجب أن تكفي لفترة مابين 6-12 ساعة لأربعين شخصاً في منتصف تموز!

غالبية المعتقلين من إدلب، وصلوا دفعة واحدة بالطائرة إلى دمشق، أبو مالك من تفتناز، حدثني كيف أن أجسادهم كانت تتقاذفها جدران طائرة الشحن العسكري، مع أبشع أنواع التعذيب، وكأنهم علب تنك فارغة يتم اللعب بها، في الفضاء.

ارتفع لغطٌ وملاسنة بين الشباب، ضد رئيس الغرفة، بسبب منع أحدهم من شرب رشفة ماء من قارورة يحتفظ بها لنفسه، ثم شكاهم إلى الحراس، الذين لم يتأخروا في معاقبتنا بالشتائم، وأن نقف على قدم واحدة، وأيادينا لفوق..

غصباً عني وكارهاً بصمت، وقفتُ أمام النافذة الصغيرة المربعة، الملتصقة بالسقف المنخفض، داخل المهجع. فتحت عيني عن آخرهما. قلتُ أملأهما بالنور، قبل أن تحتضنني الظلمة القاسية

النور

غصباً عني وكارهاً بصمت، وقفتُ أمام النافذة الصغيرة المربعة، الملتصقة بالسقف المنخفض، داخل المهجع. فتحت عيني عن آخرهما. قلتُ أملأهما بالنور، قبل أن تحتضنني الظلمة القاسية، أخذت روحي تَشرُق الضوءَ، كمن يشربُ ماءً خشية العطشِ في الصحراء. بقيتُ على هذه الحال ساعاتٍ، طوال فترة العقوبة جاثياً، عارياً إلا بما يسترُ عورتي. أخذت أستعيد كثيراً من تفاصيل الحياة في الطريق الذي أُخمّن أن النافذة تطل عليه، وعلى بائع الزهور الذي كنتُ زبوناً دائماً لديه. أستعيد خطاي وخطى النساء الباهرات، شعرهن الذي يتطاير مع الريح صباحاً، فيتلون قاسيون بالياسمين وتغتسل دمشق بالعطر الذي يشعل في داخلي جمرة المشتهى والأمل.

مرّ الوقت دون أن يحيدَ نظري عن النافذة .. لأكتشف أن المساء قد حلّ، وأن النور الذي شغُفتُ به ليس سوى ضوءَ الكشّاف الذي يبقينا في حالٍ سديميةٍ لا تُلحظ فيها تحولاتُ الليل والنهار .. لا النور ولا الظلمة. كأن ذلك، واحدة من وسائل التعذيب. لم أكترث لمثل هذا النوع من العقوبة، على قسوتها وعدم قدرتي على احتمالها من اشتداد نوبات الربو في المكان الخانق. لكني كنتُ محبطاً من خديعةِ النور، التي لازالت تلازمني حتى اليوم!

خالد حلاق من إدلب، مرحل من السجن العسكري، لانتهاء محكوميته في قضية مخدرات، كان رئيس المهجع، ويبلّغ السجّان بمن يصلي، أو من يتحدث في قضايا الثورة، اصطدمت معه منذ اليوم الأول، شتمته هو ووليه السجان والأسد، رداً على تهديده، فسارع من فوره يشكوني لأبي لؤي. نلت حظي من البهدلة، شتمني وقال لي:

- سوف ترى العجب العجاب يا مثقف يا متفهمن، يا عميل خلّي عبدالله (الملك) ينفعك ويطالعك.

حذرني لآخر مرة، كان المخبر الفساد يواصل شكواه ضدي، وأبو لؤي لا ينصت إليه، كان يقول له إني تحدثتُ بكلامٍ لا يقال هنا ضد الدولة. واصل تحذيري، ونجحت في الإفلات من حفلة تعذيب خاصة. على الرغم من بشاعة السجان، فإن حقارة نفس المخبر، لا شيء يعادلها في الخسّة والوضاعة.

طوال الوقت لم يتوقف التعذيب الفردي، والعقوبات الجماعية داخل الزنازين والمهاجع. كان القيد يبقى في الأيدي لأيام طويلة في المنفردة، والحجرة، لأسباب كثيرة أهمها إرغام المعتقلين على الإفادة أو الإخبار أو التوقيع على تبني جرائم لم يرتكبوها. في غرفتي كان رياض ذي الثانية والعشرين ربيعاً قد أصيب باختلال عقلي طفيف جراء التعذيب، وأقر قيامه بقتل 45 جندياً في ريف إدلب. كان يتم إخراجه كل يوم إلى البهو ليروي لهم كيف أنه ذبح بالسكين خمسة عشر، ورشاً بالبندقية عشرين آخرين بمفرده.. وكيف كان لون الدم ومنظره جميلاً وهو يقتلهم.

بعد ذلك يعود إلينا منهكاً، بصورة مؤلمة للغاية. قصص اتهامات تتكرر مع كثيرين يتم إلصاق جرائم قتل الجنود بهم، عبر أسلحة وأموال يتلقونها من الخارج: تركيا والسعودية وقطر.

الجمعة 13 حزيران

جاء الطبيب اليوم، لم يختلف أسلوبه عن أيّ سجان، كان يسخر من الجميع، ويرى فيهم كاذبين مخادعين. وأفضل وصفاته حبة بنادول أو بروفين، لكنه كان يبدل على الحروق والجروح المتقيحة. لا أعرف ما يدفعه لذلك طالما يشارك في قتل السجناء وتعذيبهم. قال لي اليوم إن الربو أمر عادي وبسيط بسبب الحرّ: “سنكيّفلك السجن، وحين تختنق لن تحتاج إلى الدواء”.

رفض أن يستمع إلى مريض بالقلب، لأن اسمه لم يسجل منذ الصباح، ولا وقت لديه. أما صاحب الساق المكسورة فقد رفسه، كي يعاين الكسر!

اكتشف خالد اليوم أن غالبية الشباب، يؤدون صلاة الجمعة جماعة، كلٌ في مكانه، رأى ذلك في عيونهم وصمتهم وحركة الشفاه، فأبلغ عنهم. حُرِمنا من الطعام ومن الخروج إلى الحمام، أكلنا ما تبقى لدينا من خبز. حرمنا من الجلوس على الأرض، ومن الاضطجاع أو النوم. لكن العقوبة الأشد هي حرماننا من الماء لمدة 12 ساعة متواصلة، دون رأفة أو رحمه.. كاد العطش والحرّ يفتكان بنا حتى الصباح.

السبت 14 حزيران

مات محي الدين اليوم، ارتمى على الأرض، أثناء تنفيذ عقوبة طويلة، كان يقف قليلاً ويرتاح قليلاً، ولم يعط دواءً كان يجب أن يتلقاه يومياً. مرّ السجان المناوب، فرآه جالساً مع آخرين، فجنّ جنونه، وأجبره على الوقوف، ترك الباب مفتوحاً وجلس أمام المهجع مراقباً لنا. لم يتوقف أنين محي الدين، لم يحتمل قلبه الضعيف فوقع على الأرض، ممدداً بطوله الرشيق، بقفصه الصدري الناتئ. ركله بقدمه كي ينهض، جروه إلى الخارج وسمعناهم يطلبون الطبيب.

لكن محي الدين لم يعد بحاجة للعودة إلى المهجع، مرة أخرى، ولا إلى الدواء!

الاثنين 16 حزيران

بدأت أخضع للتحقيق، كان الضرب شغّالاً كالعادة في غرف التعذيب، وعند الذهاب والعودة منه. رأيتُ مشهداً للتحقيق بحق المسّن السبعيني، لا يمكن نسيانه إطلاقاً. كان جاثياً، محني الظهر، حتى يكاد صدره يلامس ركبتيه، يداه مقيدتان إلى الخلف، معصوب العينين. يجلس على عتبة غرفة التحقيق، وقد سمح له أن يمدّ رأسه خلال الباب.. كي يجيب على أسئلة المحقق، فيما يلكزه الحارس بالهراوة بين حينٍ وآخر. كان أسلوباً يتعمد فيه المحقق إهانة المعتقل، والحطّ من آدميته إلى أكبر قدر يمكن أن تجود به عقلية التأسد على الضعيف، مَنْ لا حول ولا قوة له، بحكم الاعتقال، ثم يجبره على توقيع أوراق بيضاء.. هكذا أنا بَصَمتُ أيضاً على ورقتين فارغتين، إضافة إلى محضر التحقيق بعد أن قرأه على مسمعي!

الأحد 23 تموز

الثانية فجراً فتح الباب، وقائمة طويلة من الأسماء، خرجتُ معهم.. الحرية تدّق الأبواب.. وتفتحها غصباً عن السجان، هكذا أنشدتُ في داخلي. كنا في كل يوم نستذكر أرقام الهواتف لمن نحسّ أنه سيغادر قبلنا. خرجتُ إلى الردهة وأنا أرتدي ثيابي على عجل، مضينا إلى الساحة الخارجية ونحن نقلّب في أذهاننا صورة الإفراج عنا بعد قليل.

عبرنا نحو المبنى الضخم للمخابرات العامة، من باب خلفي يفضي إلى درج نحو الأسفل.. وبدأنا ننزل. تملكني شعور بأنني لن أخرج من هنا بعد الآن، وأنني ذاهب إلى التصفية، بعد أن اتهمني المحقق بالتطاول على رئيس الجمهورية والنيل منه، والخيانة العظمى.. في أحسن الأحوال سأقتل.

ونحن ندخل الزنزانة التي اكتظت بنا وقوفاً متلاصقين، همس أحدهم بأننا مرحلون إلى المخابرات الجوية، كان ذلك مثاراً للهلع في قلوبنا وأننا ماضون إلى المجهول. في الزنزانة كان هناك أربعة شبيحة مفتولي العضلات، من بينهم رئيس قاووش الخطيب، الذي قال لرفاقه بأنني كاتب وصحفي.

الزنزانة تضيق بنا، الأوكسجين يتناقص، طلبتُ هواءً.. لم أعد بعدها أشعر بشيء. حين صحوتُ، وجدتني مرمياً عند الباب، متكوراً، عارياً ومبللاً، والشبيحة يبصقون عليّ!

كاتب من سوريا: نص من "جحيم الأسد "

يُنشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

17