"يوميات ميكانيكية" سيرة عن هوامش الحريق السوري

الخميس 2014/10/30
علي سفر في النهاية يطرح سؤال: إلهي لماذا أبقيتني حيا

يرصد الكاتب والشاعر السوري علي سفر في كتابه “يوميات ميكانيكية”، الصادر عن “دار نون - 2014” هوامش الحريق السوري الذي طال خارطة البلاد كاملة، صحيح أن الجزء الأكبر من الكتاب يوثق يوميات دمشق، إلا أن ذلك لم يمنع اليوميات من الحديث عن أطراف دمشق، وباقي المدن الأخرى.

تضمّ اليوميات 377 نصا كتبت بين 15 أبريل 2011 و13 يونيو 2013، إلا أن علي سفر انتظر نشرها حتى عام 2014، ولعل السبب يعود إلى وجوده في دمشق، عند كتابته لليوميات؛ فإنه لو حاول نشرها في تلك الفترة، لكان ذلك انتحارا، نظرا لرقابة النظام السوري على المنشورات داخل سوريا وخارجها، واعتقاله للكتاب المؤيدين للانتفاضة، وهو ما أخّر صدورها، إلى أن اتخذ قرار مغادرة البلاد.


أمل رغم الخراب


يبدو النص الأول في الكتاب، من أكثر النصوص دلالة، وتصويرا لما جرى ويجري في سوريا، فهو يعبر عن الحالة السورية والخراب الذي يحصل في أرجائها «هل تنتهي سنة؟/ أم تنتهي سنين؟/ بلاد ستبقى،/ رغم جور العابرين».

ولربما يمكننا أن نستقصي من هذا النص، مدلولات الألم والوجع التي يعيشها النسيج السوري. قبل أن يعود ليترك مساحة قصيرة من الأمل، الذي ما زال الجميع ممسكا بأول خيطه.

كذلك نجد التوثيق الذي اعتمد في الكتاب، للمناطق التي مرّ بها، أو الحالات التي عاشها وشاهدها، فالفرجة إحدى أكثر الوسائل التي اعتمدت اليوميات عليها وكتبتها. كما يمكننا أن نقرأ تأثر سفر بثلاثي القصيدة اليومية “رياض الصالح الحسين، محمد الماغوط، سنية صالح” فالكتاب يعتمد في الكثير من النصوص على التفاصيل، تلك التي يجب تناولها عند كتابة أحداث كهذه، أي نصوص الحرب التي تتقاطع مع الحالة السورية الراهنة.

لغة الكتاب هي لغة زوار المقاهي وأسواق باب توما والميدان والدويلعة، تلك الأماكن التي أثرت على ذاكرة المؤلف

وهنا تدخل لعبة السرد، وتجنب إهمال المرئي والمسموع في آن واحد، لأنه لا يمكن الاعتماد على التفاصيل الدائمة، والتي يجب تكرارها بشكل دائم في نصوص الانتفاضات والحروب، وإنما دائما يمكن الجنوح بعيدا، والكتابة عن أشياء أخرى يمكن التقاطها بسهولة، وعدم تجاهلها مثل «سيارة العاهرة و”برنصها” وجسدها وفوطها الصحية». مثلما أنه دائما يمكن التأرجح بالتفاصيل بين الوجودي والعدمي «لا شيء خارج السواد، وإن فاتكم شيء فهو أسود».


عنصر الدهشة


وهو ما يجعلنا نتحسس في النصوص، اعتماد سفر على عنصر الدهشة في بعض الأحيان، وابتعاده عنها في أحيانٍ أخرى، وكتابة العادي، الذي يشعر به الجميع «أيّ سوري سيفشل الآن في تعريف الأمل».

كذلك، لا يمكن تصنيف نصوص الكتاب نثرا، أو سردا، فاليوميات التي كتبها سفر أراد منها لعبة الكتابة بين النثري والسردي، وبين اللغتين الفصحى والعامي، لغة زوار المقاهي، وأسواق باب توما، والميدان، والدويلعة وأطرافها، تلك الأماكن التي أثرت على ذاكرته، وجعلته يكثر منها بشكل مباشر، وأحيانا كثيرة بشكل غير مباشر، أي بعيدا عن الإشارات، والدلالات «مسابقة اليوم، مباراة بين سكان المناطق والأحياء.. قوامها عدد القذائف المتساقطة»، أو كأن يقول في نص آخر «أخبار النزوح والموت في المخيم أنشوطة تشتدّ على ما بقي من هواء نتنفسه.. نحن نختنق».

كتاب يوثق ليوميات دمشق وسوريا عامة

هكذا يمكن اجتراح الملهاة السورية، وهنا، تبدو الملهاة منمقة، وأكثر تهذيبا قياسا بما يحصل حاليا، أي بعد عام من التوقف عن كتابة هذه اليوميات.


الطريق إلى المنفى


يحاول صاحب “طفل المدينة” في بعض الأحيان، الذهاب بالنصوص إلى طرح الأسئلة، فيذهب في نهاية بعضها إلى طرح الأسئلة، وهنا، تبدو اللعبة حيلة أخرى، تضفي على النصوص تنوعا، وتغيرا في آلية الكتاب، إذا أردنا تجاهل السبب الرئيسي، في وضع السؤال بنهاية النص، وتركه لمصير العديد من الإجابات، الممكنة، وغير الممكنة «كيف أمكن لأينشتاين أن يفكك الزمن المحدودب كقبر.. دون أن يعيش هنا؟» أو كتلك الجملة التي ينهي بها النص 327 حين يتساءل «وعلى أيّ مقتلة أميل؟».

أما القسم الثاني من الكتاب، والذي عنونه بـ«الطريق إلى المنفى» فيكتب فيه المرحلة التي قرر فيها مغادرة سوريا؛ صحيح أنه يفتتح نصوصه، باسترجاع ذاكرته لفترة قصيرة، والعودة قليلا إلى الماضي، إلا أنه سرعان ما يعود للحاضر، ومغادرته البلاد، وتفاصيل الرحلة الطويلة، التي بدأت من دمشق- الدويلعة «العينان عالقتان بقاسيون، والسيارة التي تعبر الطريق تصل إلى أول الحاجز».

أخيرا، يمكننا القول بأن الكتاب يندرج ضمن الشهادات الحية، التي شهدت التطورات والمراحل التي مرّت بها دمشق خاصة، والبلاد عموما، أي بعد شهر واحد على انطلاق أول مظاهرة في سوق الحميدية الدمشقي، إذ وعلى الرغم من وجود تباعد في تواريخ اليوميات، إلا أنها استطاعت أن تصف الحالة الطبيعية، وطريقة ذهابها أبعد من الخوف، والحسرة والدمار، الذي طال الجميع بلا استثناء، حتى الأحياء الذين يطالهم الموت كل يوم، ويسألون ذات السؤال الذي سأله علي سفر في النهاية «إلهي لماذا أبقيتني حيا..؟».

14