يوميات نحات يقلّب في يديه حجرا

السبت 2013/08/31

يحلو لبعض الزملاء تلوين المنحوتة، وهذا حقّ مشروع وموجود في التاريخ منذ ظهور المنحوتة. كان غاية الأمر، عمومًا، هو تمويه المادة لتبدو غير ما هي عليه حقيقة، لكن التطوّر دفع أهمية الكتلة في النحت إلى الواجهة. ما من داع للتمويه.

لكن الرغبة في خلط اللون بالكتلة مشروعة دون ريب، ولعل ذلك يموّه فقر الكتلة، فما أظنّ أن المنحوتة الموفّقة بحاجة لمكياج.

من أجمل ما سئلت مؤخرًا. استأذن الشاعرة السائلة عزة الشريف بنشر النص لأن الموضوع قد يهمّ بقية الزملاء:

ما الصحيح، العمل في ظل فوضى الروح والعقل أم استجماع الذات والعمل بدون تفكير وتهميش للذاكرة.

تسألين من لا جواب عنده. أعتقد أن لكل حالة شروطًا تملي وتنعكس على العمل. الاعتماد على العقل يُنتج أعمالاً باردة، كما لا يمكن إلغاء الذاكرة. ربما كانت حالة العمل خليطًا من كلّ ما ذكرتِ. المصيبة أن التحكّم بالعفوية (تسمينها فوضى الروح، وهو تعبير جميل، وإن كنت لا أومن بالأرواح بل بالنفوس) عندما نتصدّى لعمل ذي موضوع محدّد طرحناه على أنفسنا أو طُلب منّا أمر صعب ولا يمر من دون خسائر. المباشرة العقلية في العمل مقتله، في نظري. ولعلّ درس بيكاسو في " غيرنيكا " خير مثال لدلق النفس مستعينًا بكلّ الشروط. افعلي ما يحلو لك. الأهمية تكمن في المحاولة.

حتى عندما ترى فرؤيتك وليدة تراكم ثقافيّ وتراثيّ وتربويّ وعقائديّ و.. فلا تدّعي أنك رأيت. حاولت بأدواتك فحسب. حاول أن تسبر أدوات الآخرين..

لا أدعوك إلى دوّامة. أدعوك إلى النحت.

أعلى النموذج

أسفل النموذج

غادر أوتيثا أمريكا الجنوبية عائدًا إلى إسبانيا سنة 48 وكان عمره 40 سنة. وكأنه قال لي يومها: جاء دورك، فولدت!

توازت الهموم دون أن نلتقي.. وقبل أن أرى عمله. حتى في علاقته مع الكلمة. وشاعرنا المفضّل معا هو البرواني ثيسار فالييخو. أوجه التشابه بيننا تجعلني أسائل نفسي: ألم تلد سنة 1908 يا ولد؟

أعلى النموذج

أسفل النموذج

قال أوتيثا Oteiza أنه "هجر" النحت عندما بدأت تخرج من أعماله كلمات.. فانزاح ناحية الشعر ينحت به (لم يهجر النحت قطّ). وصف النحت بالمهنة البطيئة والمكلفة، وهذا صحيح (نسي: المجهدة)، وقال أن الكلمة أسرع وأقلّ كلفة.

لكنني أتساءل: عدد الإحباطات التي عاناها خلال عمله كنحات كفيلة بإبعاد أمّ عن وليدها! فاز بعدد غير قليل من المسابقات الدولية ولم تُنفّذ غالبية أحلامه، فحملها وانزوى مع الشعر. منذ سنوات عديدة سألني إسباني: لماذا لا تلتفت لما يُسعد من حولك؟

سألته: هل تدلّني عليه؟

كانت إجابته شديدة الذاتية والمحلّية، وكأنما ما من عالم آخر أمام أنفه. أيا كانت مجريات الأمور وتبعاتها، سأبقى في "عين العصافير" أو هنا أو في القطب الجنوبي.. أشتغل وأقول: الموت ولا المذلّة.


نحات سوري وكاتب مقيم في غرناطة

16