يومٌ عالميٌّ للمرأة، ومنظمات بلا جدوى وأمهات ثكالى

السبت 2014/03/08

مناسبة جديدة تذّكر بعجز المجتمع الدولي المتحضر أمام المعاناة الإنسانية؛ يوم المرأة العالمي الذي يحتفل به العالم، وتتخذ منه منظماتُه الإنسانية والحقوقية مناسبة لتصعيد الشكوى و”النقّ” وبعضِ التنديد بالعنف ضد المرأة، ومطالبات عشوائية و”ارتجالية” بالمساواة بين الجنسين. وحتّى نكون منصفين، فهذه المنظمات تقوم بدورها على أكمل وجه في ما يتعلق بالإحصاءات ورصد الحالات، التي تغدو مجرد أرقام تمتلئ بها سجلات وأدراج تلك المنظمات.

معاناة المرأة جزءٌ خاص في المعاناةالإنسانية لا يمكن التخفيف منها دون حل المشكلات الإنسانية ككل، ولا يمكن القول فيها بمعزل عن رؤية كل المعاناة الإنسانية. المنظمات الإنسانية والحقوقية غير الحكومية كلها تُجزِّئ هذه المعاناة، وتفصلها عن مجمل الأزمات الكبرى؛ وهي هنا ترسِّخ هذه المعاناة، ولا تقدّم لها سوى بعض من الحلول الإسعافية، رغم تضخم عدد هذه المنظمات، ورغم المبالغ الهائلة التي تصرف عليها. اللافت أن مصاريف هذه المنظمات، كونها غير حكومية، آتية من أموال التبرعات، والتي يقدّمها كبار مافيات رجال الأعمال حول العالم، والشركات التجارية العابرة للقارات؛ هؤلاء هم المتحكمون في مجمل الاقتصاد العالمي وبنوكه الناهبة، وبالتالي في مجمل السياسات الخارجية للدول العظمى، وبقية الدول التابعة لها؛ وبالتالي هم جزءٌ من سبب المعاناة الإنسانية كلها، في الوقت نفسه الذي يدعمون فيه المنظمات التي تقول بحقوق المرأة والطفل وغير ذلك…

في اليوم العالمي للمرأة هذا، تقارِبُ الثورة السورية الدخول في عامها الثالث. ثلاثة أعوام من التمرد والتظاهر ضد النظام الفاشي ومن الكفاح المسلح، وثلاثة أعوام من المعاناة الإنسانية التي فاقت كل الحدود. تمتلئ الأراضي السورية على امتدادها بالأمهات الثكالى، في مناطق خاضعة للجيش الحر، أو لمتطرفي داعش وأخواتها، وفي مناطق النظام كذلك، ولا ننسى معاناة أمهات ضحايا الحرب من مؤيدي النظام، مدنيين أو مقاتلين في صفوفه؛ بل وتضيق الأراضي السورية سعة بالأمهات الثكالى والأرامل، لتمتلئ بهن الأشرطة الحدودية كلها، حيث مخيمات اللجوء. هو تفكك أسري ومجتمعي بالجملة، وبالملايين، يهدد بالكثير الكثير من الكوارث الاجتماعية مستقبلا، بسبب فقدان أفراد في الأسرة، وبسبب اشتداد الفقر والحاجة إلى المواد الأساسية للبقاء على قيد الحياة؛ ما جعل ظواهر اجتماعية جديدة تتصاعد مع تفاقم حجم الأزمة، حيث تزايد عدد اللصوص، وبيوت الدعارة، والاتجار بالأعضاء البشرية، وبالمخدرات، وعمالة الأطفال، وتزويج القاصرات… وغير ذلك من حالات الشذوذ الاجتماعي. وهنا لا جدوى حقيقية لدورات ومحاضرات التوعية المجتمعية التي تقام هنا وهناك، وتدعو إلى التزام الأخلاق العامة، والتمسك بالروابط الأسرية… والتي يُنفَق عليها وعلى تجهيزاتها مبالغ باهظة.

المجتمع الدولي غير معني بمشكلات المرأة، ولا بالمشكلات الإنسانية عامة، هذا ما ظهر مع تبدد جهود منظماته الإنسانية “الثريّة”؛ وهو غير معني برفع الظلم عن الشعب السوري، كما دللت مجريات الأحداث خلال سنوات الثورة الثلاث حيث اكتفى بالتنديد.. ثم التنديد. هذا ما بات يدركه عموم الشعب السوري الذي ثار على الظلم والاضطهاد؛ وهو ما لم تدركه المعارضة السورية ممثلة في الائتلاف والمجلس والهيئة وغيرها… والتي في مجملها ظلّت تعوّل على المجتمع الدولي، رغم وضوح تخاذله، حيث تعجز تلك المعارضات عن فهم الثورة والدخول فيها وحل مشكلاتها.

فهم لم يتدخلوا في الثورة إلا من خواصرها الضعيفة؛ حيث دعمت تلك المعارضة التشدد والطائفية والتدخلات الإقليمية والدولية التي تسعى إلى إفشالها والتحكم بها. وحتى تلك الوفود النسائية التي شكلتها المعارضة، لم يكن لها غاية سوى إقناع الغرب بضرورة التدخل عبر استعطافه. هذا الغرب الذي لا يرى سوى مصالحه، وإن كانت على جثث الشهداء وعويل الأمهات، وإن تشدق بالبكاء عليها.

عانى المجتمع السوري عقودا من الاضطهاد والتمييز الطبقي والاستغلال، المحمي بأجهزة أمنية تمارس القمع والاعتقال والتعذيب. تلك السياسات تصاعدت بشدة منذ ولوج الحكومة السورية بشكل رسمي عالم السوق الحر وتكثيف رؤوس الأموال بيد القلة من المافيات التجارية المرتبطة عضويا بالعائلة الحاكمة، واتباع سياسات التفقير للملايين، خصوصا في الأرياف والمدن الصغرى، وفقدان فرص العمل. بموازاة ذلك تفاقمت معاناة المرأة، وتفاقم استغلالها عما كان عليه من قبل، وإذلالها مقابل الحصول على عمل، خصوصا عبر الاستغلال الجنسي، ومع العنف والتهجير المرافق للثورة، وكذلك مع تصاعد التطرف المتغول فيها، تتصاعد تلك المعاناة مع تصاعد الجوع والحاجة.

لا يمكن البدء برأب التشققات الحاصلة قبل وقف الحرب، الأمر الذي لم يتّضح له أفق بعد. إن حصل ذلك، فلابد من تفعيل دور المجتمع المدني بعيدا عن تحكم المنظمات العالمية فيه، ودورها المشرذم، بل بالاستفادة مما تقدمه من خدمات، مع الاحتفاظ باستقلالية القرار الداخلي، وبالقدرة على توحيد الجهود وتحديد الأهداف وآليات العمل على تحقيقها.

تلك الآليات تتمثل بحشد المجتمع المحلي ومشاركته في القرار والضغط على الحكم القادم. أي إعطاء دور للقاعدة الشعبية، وليس لمنظمات فوقية محكومة من قبل مموليها من المافيات ذاتها المستفيدة من النهب والتفقير، العالمية منها والمحلية.

دور القاعدة الشعبية هذا يترافق بالضرورة مع دور التنظيمات النسوية التي تضغط لنيل حقوقها الخاصة، من قوانين وتشريعات؛ هذه التنظيمات دورها تنظيم نضال المجتمع، رجالا ونساء، لأخذ دوره الفاعل ليكون مستقبلا جزءا مقررا في سن التشريعات الخاصة بالمرأة والأسرة والطفل والأحوال الشخصية، أي ليكوِّن منظمات نسوية عالية التنظيم، ولكنّها حكوميّة، أي شريكة للنظام في الحكم.


كاتبة سورية

9