يوم آخر

السبت 2016/04/02

خيط شفاف من شعاع شمس باهتة مازال يقطع طريقه بصعوبة وهو يحاول الفرار من أسر قافلة من سحب كثيفة، ليصل متعبا وخائفا إلى نافذتي فتتجاهله نظراتي الخارجة لتوّها من عتمة الليل إلى حيث لا أدري. أسمع همس نهار جديد، يوم آخر يتساقط من تقويمي فتمزق صفحته البيضاء أصابعي غير مبالية، ومازالت تسكنني غيمة من نعاس وبقايا حلم غريب، إنه يوم آخر ثقيل الظل يدخل إلى رئتيّ رغما عني ويعدّ لنفسه فنجان قهوة ويمنحني نظرة تهكم وهو يجلس بتحدّ ويضع ساقا على ساق، يصنع من دخان سيجارته دوائر لا متناهية تشبه خيوط زوبعة ينفثها في وجهي..

لم يتغير شيء منذ أن مضى الأمس متعجلا ولم يترك حتى تلويحة وداع، لم يتبدّل شيء في هذا العالم الموحش البارد منذ الأمس.. لم تتغير أصوات الكائنات خلف النافذة، فهي ما زالت تشق طريقها بسلاسة لتدخل في متاهة صباح جديد، كائنات مملة محايدة تسكن في الشارع القريب لا أعرفها ولا تعرفني لا أحبها ولا تحبني، تقفز، تحلق، تثرثر، تضحك، تسعل وتموت. إنه يوم آخر بنكهة مرة، حيث تذوب اللغة في حمى الصمت وتغدو الكلمات أوراقا ذابلة لخريف أبديّ.. يوم كمثل الأيام، لكنه لا يشبهها.. شيء ما تبدّل في داخلي.. شيء يحمل نكهة الغياب، حيث تتراكم التوقعات فوق بعضها مثل كتب مهترئة في مكتبة قديمة لا يرغب في زيارتها أحد.

أتطلع إلى ملامحي في المرآة، فلا أعرفها، وهذه النظرات التي تختفي وتظهر مثل أمواج بحر صاخبة لي وليست لي، تستتر ثم تظهر من جديد، حتى يقطع هذيانها شعور خفيّ بالذنب صار يصفعني مثل قطعة معدنية باردة كلما عاودتني الذكرى.. وأنا أنظر في المرآة لا أرى سوى وجهك معاتبا، فأكتفي بإبعاد نظراتي جانبا وأنا أرسم رغما عني ابتسامة مجعدة أخفي في طياتها ملامحك في رأسي لأقفل عليها أبواب الذاكرة علّها تتناسل حلما جديدا.. لكن حلمي هذه المرة سيكون بلا جناحين، سرعان ما يسقط على الأرض ويتهشم مثل قطع زجاج تقفز إلى عينيّ لتترك فيها دمعة مزمنة.

في كل محطة جديدة.. أضع حقائبي في فضاء غريب أرتب خيباتي في الخزانة وأبدأ برصّ الأكاذيب.. ونظراتي مصوّبة بحذر صوب نافذة جديدة تتبع ظلك، من دون جدوى.. أغلق النافذة على أصابعي فيتسلل أثير روحي مثل ضياء ينزلق حزمةً حزمةً على الجدران.. تتجوّل روحي مثل غيمة مرتبكة فوق سطوح البيوت التي غادرتها.. فتحط على الصور المعلقة على الجدران مثل حمامة، وفي بيوت العنكبوت.. على حافة الضحكات.. والمرايا المفطورة.. مثل القلوب.

كل شيء قابل للذوبان في هذا الأثير الواسع، سوى ذكرى من جليد.. نهر كبير من جليد.. أزرق.. بارد.. متجهم صار يلتف مثل أفعى على أطرافي فيسرق منها الدفء، نهر تتأرجح فيه الذكريات مثل أغصان شجرة يابسة سقطت ميتة فجرفتها المياه في جميع الاتجاهات.. أغصان ناشفة سقطت من شجرة الأمل.. لا حياة من دون هذا الأمل ولا حياة لمن يحيا بأمل.. تتبعه خيبة وانتظار، إنه إيقاع الحزن الذي لا يخطئه قلب.. إنها الطريق السالكة إلى موت الروح. إنها الخيبة، نصفها انتظار ونصفها أمل.

غدا يوم آخر.. لا يؤدّي إليك.. لا يؤدّي إلى شيء.

21