"يوم آخر من الحياة": كاد الشاهد يكون شهيدا

سرد لواقع الحرب الأهلية بالرسوم المتحركة، والفيلم يدين استعمارا تقليديا يرفض الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
الأحد 2018/10/21
يدين الفيلم الاستعمار التقليدي

كما تورط صحافي بولندي عاطفيا وانخرط في ثورة تحرير أنغولا، وقعتُ في غرام "كارلوتّا"، الفتاة العشرينية الأنغولية الوسيمة الشهيدة، رمز هذه الثورة، شبيهة كل بنات الدنيا وكل فتيات المقاومة في أغلب الثورات، ولكن ابتسامتها في اللقطات التسجيلية طفولية ساحرة وآسرة بما لا يقاس ولا يقارن.

 وعلى الرغم من كثرة الأفلام في المهرجانات وغيرها، واختلاط الأسماء وتدافع الوجوه، فلا تحتفظ الذاكرة إلا بمن حفر فيها ملامحه، واتخذ لنفسه مقاما فلا يغادر، بل يحرّض على إعادة مشاهدة الفيلم من جديد.

 وكان هذا حظ "كارلوتّا" في قلوب مشاهدي الفيلم الوثائقي "يوم آخر من الحياة" الذي نال جائزة "سينما من أجل الإنسانية"، مناصفة مع الفيلم الروائي المصري "يوم الدين"، في ختام الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي، الجمعة 28 سبتمبر 2018.

فيلم "يوم آخر من الحياة" إنتاج بولندي إسباني بلجيكي ويبلغ طوله 86 دقيقة، وكان يستحق جائزة أكبر، ولكنها ذائقة لجنة التحكيم التي ربما واجهتها صعوبة التفضيل، في مسابقة قوية ضمت 12 فيلما لا تتنافس على الجوائز، بقدر ما تتبارى في الجودة بشرطيها الإنساني والفني، وهما من أسباب تميز هذا الفيلم الذي شارك في إخراجه كل من الإسباني راؤول دي لا فوينتي والبولندي داميان نينو.

يطرح فيلم "يوم آخر من الحياة" قضايا إنسانية ومهنية أبعد من حكاية يسهل تلخيصها بأنها حرب استقلال جاذبة لشهية قوى دولية وإقليمية، إمبريالية أو مناصرة للثورات.

ومن القواعد الخاصة بالعمل الصّحفي تحرّي الموضوعية؛ لتفادي الانحياز إلى طرف في أي صراع تتم تغطيته، ولكن المراسل الحربي البولندي ريتشارد كابوتشينسكي (1932 ـ 2007) لم يقاوم نداء آدميته، فلم يكتفِ بالتعاطف مع الحركة الشعبية لتحرير أنغولا عام 1975، وإنما شارك في الثورة بإيمان المحب، وأصبح شاهدا، وكاد يكون شهيدا مثل رفاقه من مواطني البلد الأفريقي الطامح إلى الاستقلال.

يطرح فيلم "يوم آخر من الحياة" قضايا إنسانية ومهنية أبعد من حكاية يسهل تلخيصها بأنها حرب استقلال جاذبة لشهية قوى دولية وإقليمية، إمبريالية أو مناصرة للثورات

ولا تزال ذاكرة المتابعين حول العالم لثورة 25 يناير 2011 في مصر تستعيد مثل هذا الخليط، من التعاطف والحب، لدى أغلب أو كل المراسلين في تغطيتهم لوقائع الثورة التي أنجزت خلع حسني مبارك بعد 18 يوما من الاحتجاجات السلمية الحاشدة في عموم مصر. وفي التحركات الشعبية العادلة، من أجل التحرير أو الحرية، يكون الحياد قاسيا إن لم يكن تجاوزا أخلاقيا.

والقضية الأخرى التي أثارها الفيلم، ولم ينشغل بالتنظير لها ومناقشتها، هي انشقاق قائد عسكري عن جيش بلاده، وانضمامه إلى من يفترض أن يقاتلهم، فما الحدود الفاصلة بين الخيانة "الوطنية" والإنصات إلى الوازع الإنساني انتصارا للضمير؟

 بين عامي 1975 و1976 كانت أنغولا ساحة لصراع قوى كبرى من داخل أفريقيا وخارجها. فحصولها على الاستقلال، وتصدّر الحركة الشعبية لتحرير أنغولا للمشهد، لم يكونا كافيَيْن لاعتراف الولايات المتحدة، ولعبت وكالة المخابرات المركزية (CIA) أدوارا في اضطرابات وفوضى وحرب أهلية، بالتواطؤ مع جنوب أفريقيا التي زحفت قواتها إلى الشمال، فاستعانت الحركة الشعبية لتحرير أنغولا بكوبا، وأمدتها بقوات عسكرية.

ومن ثلاث زوايا تمثل مثلث الثورة، ينطلق كل من الصحافي البولندي ريتشارد كابوتشينسكي، والمناضلة الشابة كارلوتّا، والقائد البرتغالي المنشق "فارّوسكو" الذي يناصر الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، ويخوض حرب عصابات، ويفقد الكثير من جنوده، ولكنه يراهن على الأمل في النصر.

الفيلم الذي استغرق إنجازه عشر سنوات، كما قال مخرجه راؤول دي لا فوينتي، استند إلى كتاب كابوتشينسكي "يوم آخر من الحياة"، ويمزج الرسوم المتحركة بصور فوتوغرافية قديمة، ومقاطع فيديو أرشيفية، وشهادات حية يستعيد فيها شهود الأحداث وقائع ما جرى.

ويتتبع الفيلم خطى كابوتشينسكي ومغامرته بين متقاتلين فرقاء، وقد تعرض للموت وأنقذته كارلوتّا، الشجاعة خفيفة الظل ذات اللسان السليط، ثم اكتشف فيها وجها محبا للحياة، وفاجأه مصرعها في إحدى العمليات، ووجد عزاء في لقائه ببطل المقاومة فارّوسكو. كان كابوتشينسكي وفارّوسكو رجلين لا ينتميان إلى البلد الأفريقي، ولكنهما آمنا بعدالة قضية واحدة جمعتهما.

مشاهدة الفيلم متعة خاصة، غوص في التاريخ وتوتّر مع لحظات مستعادة كأنها تحدث الآن وأنت جزء منها. ولا يخلو الفيلم من إشارات تدين الاستعمار القديم، وتذكّر بتراث الاسترقاق، إذ كانت في كوبا أَمَة من أصل أفريقي، اسمها كارلوتّا، تعمل في مصنع للسكر، وقادت ضد تجار العبيد الإسبان تمردا عام 1843، وعاقبتها سلطات الاستعمار الإسباني باغتيال وحشي. وتم تكريمها في حرب استقلال أنغولا بإطلاق اسمها على عملية عسكرية حاسمة، بمشاركة كتائب الحرية الكوبية.

يدين الفيلم استعمارا تقليديا لا يستسلم بسهولة، ويرفض الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما يتهم قوى ما بعد الكولونيالية بمحاولات السيطرة العابرة للقارات، إلا أنه في الوقت نفسه شهادة على وجود استثناءات لضمائر حية، لديها وفاء بالتزامها الأخلاقي، أيا كان ثقل التضحيات وكارثية المصائر، ويمثل هذه الاستثناءات كل من البرتغالي فارّوسكو والبولندي كابوتشينسكي الذي جاء مراسلا صحافيا مغامرا، وأنضجته التجربة القاسية فخرج منها كاتبا مرموقا، ورغم تعدد شهاداته على حروب أهلية أخرى، فقد ظل كتاب "يوم آخر من الحياة" أفضل أعماله. لقد ولدا معا، الكاتب الحر وأنغولا الحرة.

12