يوم الاحتفاء بوصول كولومبوس إلى العالم الجديد.. تجميل الفظاعات

الجمعة 2013/10/25
طقوس خاصة بيوم كولومبوس على طريقة أطفال نيكاراغوا

ماناغوا- نيكاراغوا- في إسبانيا، هو يوم الهسبانية، في الأرجنتين هو يوم احترام تنوع الثقافات، في فنزويلا هو يوم المقاومة الهندية. كلها أسماء مختلفة ليوم واحد يصادف الثاني عشر من أكتوبر من كلّ عام للاحتفاء بوصول كولومبوس إلى شواطئ البهاما، فيما اصطلح على تسميته يوم «العِرق»، أو يوم «كولومبوس»، فكولومبوس كما نرى أصبح رمزا لنشوء العرق الجديد الذي تفرّعت عنه أعراق أخرى في الأمريكيتين.

عام 1913، اقترح رئيس الوزراء الإسباني فاوستين رودريغس سان بيذرو، أن يتم الاحتفاء بذلك اليوم من كل عام، وقد كان له ذلك فعلا ابتداء من عام 1914 وحتى أيامنا هذه، وإن كان الاحتفال به لا يتعدى أسوار المدارس التي تعيد إحياء ذكرى اكتشاف العالم الذي تنتمي إليه، وكأن كولومبوس هو مكوّنٌ أصيل من مكونات تحديد الهوية اللاتينية.


تسميات مختلفة


لأن ذلك اليوم يحمل أبعادا مختلفة عند شعوب القارة الأميركية التي تختلف بطبيعة الحال عن سكان شبه الجزيرة الأيبيرية، كما يبدو جليّا في الاسم المتغير للحدث الواحد. فإسبانيا تبدو فخورة بمنجزها هذا من فرض ثقافتها على «العالم الجديد». وفي الأرجنتين أدركوا أنه لم يعد مقبولا الاحتفاء به تحت هذا الاسم فأوجدوا اسما محايدا، ربما يسعى لإرضاء جميع الأطراف، فأطلقوا عليه «يوم احترام التنوع الثقافي»، لكن فنزويلا –وفي عهد الرئيس الفنزويلي الراحل «هوجو شافيز»-، كانت أكثر وضوحا في اختيارها اسم «يوم المقاومة الهندية»، لتحوِّل الاحتفاء بذلك المنجز «الهسباني» انتصارا لشعوبها الأصلية.

عن هذا الموضوع، استطلعت «العرب» آراء عدد من المثقفين من مختلف بلدان القارة الأميركية، ومن مختلف الأعمار والاتجاهات السياسية والإيديولوجية.


نهب للإنسانية


من الباراغواي، يعتقد الكاتب ماريو كاسارتيللي أنه منذ وصول الغزاة المدعوٍّين خطأً بالفاتحين، وبلادهم في كارثة. فالنهب المتواصل للبلاد الخاضعة لهؤلاء اللصوص لا مثيل له في التاريخ. مرّت عدة قرون منذ وصول الإسبان للقارة. تغير أسياد الأرض اليوم، لكن مؤامرات «الإمبراطوريات العظمى» لا زالت تحمل نفس العقلية الاستعمارية مع تغير في الشكل والاسم فقط. وتابع أن هذا ما يحدث أيضا في العالم العربي وخصوصا فلسطين التي زارها سابقا، وفي آسيا وأفريقيا وأكّد أن هذا النهب لم يقتصر على الموارد الطبيعية بل طال الإنسانية.

"كولومبوس" يوم لالتقاء الشعوب الأميركية

وكان رأي الشاعر الباراغواياني روبيرتو ماسكارو، وهو الذي نقل أشعار ترانسترومر من السويدية للإسبانية، أنه لا بد من عدم الاحتفال بذلك اليوم، فبداية لا يوجد ما يسمى بالأعراق، كما قال المفكر الكوبي خوسيه مارتي. وثانيا، فهو يوم إبادة الشعوب الهندية. بل يجب القيام بإجراءات طلاق المستعمر الإمبريالي.

نادية برادو من بوليفيا بدت أكثرهم حدّة في رفض الاحتفال بهذا اليوم، ترى أنه لا بد من الإجابة على سؤال: لماذا نحتفل؟ فهذه الرحلة (التي كانت باتفاق ما بين شركة كولومبينا والملوك الكاثوليك)، تندرج في اطار تأسيس العالم الجديد على أن يتم تعميق قواعد «الإيمان» أيضا. كانت الرحلة لتمكين دولة وليدة من أن تفرض سيطرتها السياسية المسيحية وتعلن الحرب ضد «الكفار»، واضعة السلطة السياسية العامة في حضن السلطة الإلهية. ومن الطبيعي أن يفترض هذا النظام العالمي السياسي المسيحي، ممارسة الاضطهاد، والاكراه كي يسيطر على الشعوب الأخرى. لقد كان ذلك شكلا من أشكال الدولة الحديثة القائم على جمع الضرائب والثروات، إلى جانب محو عادات الوثنيين القديمة التي سبقت الاستعمار. وتتابع أن هذه الرحلة تكشف عن وجهين: «الأول هو ممارسة العملية السياسية اللاهوتية والثاني، ممارسة العملية التجارية، وفي الحالتين فإنهما تنطويان على الخضوع والتسليم لشعوب أخرى خاضعة للملكية الإسبانية، من أجل انعاش الاقتصاد. ومن هنا صعدت الرأسمالية على شكل مصادرة الأراضي الجديدة، وأصبحت اللغتان التجاريتان هما الإسبانية والبرتغالية، مُحقّقا بذلك حلم الليبرالية السياسية لاحقا ثم الليبرالية الاقتصادية. الأمر الذي تحقق بانتشار المسيحية، وسلب الموارد المعدنية وحملها للبلاط الإسباني، ثم تشريع الاستعباد تحت ذريعة الدين وقدرة الرب اللامتناهية. وهذه نقطة تنطلق منها الرأسمالية القائمة على استعباد السكان الأصليين للبلاد من أجل تطورها وازدهارها». وفي النهاية-تتابع-: «لا يوجد ما يستحق أن نحتفل من أجله، بل من العار أن نحتفل بإبادة السكان الأصليين ونُهلّل لوحشية الغزاة».


مجزرة الاكتشاف


الشاعر ميسيل بابلو من غواتيمالا يقول إنه درس ذلك اليوم في المدرسة على أساس أنه يوم لالتقاء الشعوب الأميركية، ودراسة الملامح المشتركة التي تجمع بين الأمم. لكنه يعتقد الآن أنه إحياء لذكرى الاستعمار وموت الكثير من السكان الأصليين للبلاد. ومن جيله فإن قلة من يهتمون بهذا اليوم وخصوصا أن هناك حقدا كبيرا على هذا اليوم من قبل السكان الأصليين الذين عانوا بسببه. وتمنى أن يكون الاحتفال بالوحدة الوطنية القومية بدل الاحتفال بهذا اليوم.

اشترك في هذا الرأي أيضا الشعراء مارفن غارسيا، وإدغار غارسيا، وكارلوس آدم غارسيا من غواتيمالا، الذين أجمعوا أن ذلك احتفال بإبادة السكان الأصليين ورفضوا مسمى (اكتشاف أمريكا)، حيث أن حضارتهم كانت مزدهرة قبل وصول الغزاة، وما مسمى (يوم الهسبانية) سوى محاولة تجميل للحقيقة البشعة التي حدثت. ورفضوا أن يكون ذلك اليوم جزءا من تعريف ذواتهم وهوياتهم.

الكاتب الشاب بيذرو تشابقخاي، وهو من السكان الأصليين في غواتيمالا، قال أن الاسم بحد ذاته عنصري، كما أنه يعيده لما مارسه الإسبان من إبادة وعبودية لأسلافه.

"العرق".. يوم احترام التنوع الثقافي

الشاعر هيكتور كوياذو من بنما يعتقد أنه من الأفضل الاحتفال بالانسانية. وبرأيه أن وصول الإسبان للقارة لم يكن أمرا سيئا. صحيح أن التاريخ مؤلم، لكن ولأجل كل ما مر، فإن البوتقة التي انصهروا بها تستحق الاحتفاء كل يوم. وفيما شاركه الكاتب البنمي دافيد روبنسون رأيه بالاحتفاء بالإنسانية. فقد أكد أن كلمة العرق بحد ذاتها تحمل معاني عنصرية.

الكاتب الشاب سلفادور مدريد من الهندوراس، يرى أن الموضوع له زوايا عدة، فقد أخفى «المنتصرون» كلمة «مجازر» واستبدلوها بـ»اكتشافات»، فالأمر إذا يتعلق بالقوة، إضافة للثقافة وتوسع البلاط الإسباني الذي فرض نفسه بالعنف. ويرى أن الموضوع شائك فهم لا يعرفون من هم، بالكاد يعرفون أنفسهم كنسل جديد، هو خليط من العنف والكره والطموح، ومن جانب آخر من المقاومة. إذا ففي تكوينهم هناك نسيج شائك من كل تلك العناصر التي أسهمت في بقائهم على هذه الأرض.


مسمى جديد


أما الكاتبة الأرجنتينية أنا أنهولد، فتتفق مع الاحتفال بهذا اليوم تحت مسمى جديد، وهو في الأرجنتين «يوم احترام التنوع الثقافي»، وتقول إنه في الوقت الذي تمت به الاكتشافات الأميركية، فإنه في مناطق أخرى من العالم لم يكن هناك ما يسمى بلقاء الثقافات.

بل كان يتم ذلك عن طريق تدمير ثقافة الآخر بدلا من الاندماج بها. لقد تخلص الإسبان من كثير من المخطوطات المهمة التي تركها أهل البلاد معتبرينها تجديفا بحق الإله. لذلك لا يمكن الاحتفال بيوم «العرق»، بعد كل ما جرى من تدمير للثقافة، فالمحتل في كل البلاد لا يأتي كي يتعلم من ثقافة البلد الذي يستعمره، بل العكس.

طفل يجسد إبادة السكان الأصليين

الكاتب النيكاراغوي ألفونسو موراليس، فضل تسمية هذا اليوم بيوم مقاومة السكان الأصليين، مشيرا إلى أن ثقافتهم قد دمرت في نيكاراغوا بسبب الغزو وكذلك وافقته مواطنته سعاد ماركوس.

في كوستاريكا التي بقيت بها نسبة محدودة من سكان البلاد الأصليين، ترى الشاعرة باولا فالفيردي أليير أنه لا يوجد حدود بين البشر، وهي ضد استخدام كلمة (عرق)، فيما أكد الشاعر خوان برنال أن الاسم قد تغير فعلا في كوستاريكا إلى يوم «لقاء الثقافات»، مشيرا إلى التساوي بين الثقافات في ذلك وليس خضوع إحداها للأخرى.

وإذا كان رأي السلفادوري أندريس نورمان كاسترو يوافق ما سبق بطريقة ما، فإن خورخي أوريانو الذي يعمل في تنظيم أنشطة هذا اليوم في السلفادور رأى أن اكتشاف القارة من قبل الإسبان أفضل من أن يكون من قبل الأنكليز، وأن الأمر كان اعتياديا في تلك الفترة من الزمن، وتابع أنه في عام 1980، خرجت مسيرات واحتجاجات ضد الاحتفال بهذا اليوم، لكن كانوا أقلية وبقي الاحتفال به حتى أيامنا هذه.

الشاعرة لوس كاستيانو، تعتبر أن هذا اليوم ليس مهما، وأنه كان صداما بين حضارة وبرابرة، فقد ضاعت الثقافة والتاريخ، وكثير من العلوم القديمة، وخصوصا في السلفادور، فقد تمكنوا تماما من انتزاع حضارتها وليس كغواتيمالا مثلا. تفتخر كاستييون بدماء المايا التي تجري في عروقها وتقول، أنهم لو لم يكن الغزاة من الإسبان فبالتأكيد سيكون هناك آخرون.

بلانكا لوس بوليذو من المكسيك ترى أن الحديث في هذا الموضوع لم يعد له جدوى الآن، فهم خليط من كلتا الحضارتين وليس مهما العودة لطرح هذه المسائل الآن، في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية والتعليمية السيئة التي تمر بها بلادها، والأهم هو الالتفات للحاضر.

16