"يوم الدين"أوديسة مصرية تقتحم مهرجان كان

المخرج المصري أبوبكر شوق ينال فرصة ذهبية من خلال اشتراكه بفيلمه الروائي الطويل الأول "يوم الدين" في مسابقة مهرجان كان الـ71، حيث يتسابق مع عدد من كبار السينمائيين في العالم.
الجمعة 2018/05/11
الهروب من دار الأيتام

اختير الفيلم المصري “يوم الدين” للمخرج أبي بكر شوقي الذي عرض الخميس، ضمن مهرجان كان السينمائي في دورته الـ71، أولا للعرض ضمن تظاهرة “نظرة ما” المخصّصة عادة للتجارب السينمائية الأولى والثانية لمخرجيها، إلاّ أن تيري فريمو المدير الفني للمهرجان تحمس للفيلم وأبدى إعجابه الشديد به، فقرّر ضمّه للمسابقة الرسمية جنبا إلى جنب مع الفيلم الجديد للمخرج الفرنسي جان لوك غودار.

سوف نظلم الفيلم كثيرا إذا ما قارناه بغيره من الأفلام الكبيرة التي سبق أن نالت فرصة التسابق على “السعفة الذهبية”، لكننا سنظلم المهرجان أيضا إذا ما اعتبرنا الفيلم أقل من التنافس، بل كثيرا ما شاركت أفلام في المسابقة دون أن ترقى لمستوى “يوم الدين” فقط لكون النقاد الفرنسيين مهووسين بها لأسباب تخصهم ولا تبدو مفهومة عند كاتب هذا المقال، كما هو شأن أفلام المخرجة اليابانية متواضعة المستوى ناوومي كواسي التي لا تتميز بالجرأة الأسلوبية أو باقتحام المناطق الفلسفية والفكرية المعقدة.

لكنها ترضي نزعة تميل إلى إبراز وجود أفلام المخرجات (النساء) في المسابقة، وهو ما رفض الخضوع له تيري فريمو هذا العام، وأكد أن اختيار أفلام المسابقة جاء على أساس المستوى الفني وحده وليس خضوعا لما سماه “التمييز الإيجابي”، أي ضمان حضور أكبر عدد من أفلام المخرجات.

بداية الرحلة

رحلة طريق شاقة
رحلة طريق شاقة

قد لا يكون فيلم “يوم الدين” عملا كبيرا مركبا يطمح إلى التغيير “الثوري” في الشكل والبحث عن أسلوب خاص يثير إعجاب النقاد، كما كان الحال بالنسبة للفيلم الأول للمخرج المجري لازلونيمتش “ابن شاؤول” الذي نال الجائزة الكبرى للجنة التحكيم قبل 3 سنوات في كان، ولكن علينا ألاّ ننسى أن الفيلم المجري كان يعيد تناول موضوع الهولوكوست، بأسلوب خاص متميز في استخدام الكاميرا، ومعروف أن “الهولوكوست” يثير دائما الكثير من الاهتمام من جانب النقد والصحافة الغربية عموما، وربما لو كان الفيلم يتناول مثلا موضوعا آخر، لما وجد كل ما وجده من حفاوة وصولا إلى الحصول على جائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي.

يعتمد فيلم “يوم الدين” على سيناريو كتبه أبوبكر شوقي من داخل تجربته الشخصية التي تتمثل في الاقتراب من عالم المصابين بمرض الجذام الجلدي الذي يترك آثارا لا تزول من التشوهات العضلية والجلدية، فقد سبق أن أخرج شوقي فيلما تسجيليا قصيرا عن الموضوع نفسه، والتقى أثناء بحثه بالرجل الذي سيجعله بطل فيلمه هذا، وهو راضي جمال الذي يقوم بدور “بشاي”، وهو رجل في الأربعين من عمره، أمي لا يعرف القراءة والكتابة، تركه أبوه وهو طفل صغير أمام باب مصحة لمرضى الجذام توجد في مكان ما في الصحراء قرب القاهرة، فألحق بها.

بشاي ذلك القبطي البائس المشوه، يفتش في تلال القمامة الموجودة في الجبل القريب، ينتقي من بينها ما يصلح، والمصحة هنا مكان لعزل المصابين بالمرض الذي ينظر إليه حسب المعتقد الشعبي باعتباره لعنة من لعنات السماء، وهم يبقون عليهم حتى بعد أن يكونوا قد تجاوزوا المرض وإن بقيت آثاره كما في حالة بشاي.

لدى بشاي عربة يجرها حمار يطلق عليه اسم “حربي”، بعد أن تموت زوجته المجذومة مثله في المصحة يقرر بشاي مغادرتها ويتجه جنوبا إلى الصعيد المصري بحثا عن أسرته أو من بقي منها على قيد الحياة في قرية بالقرب من مدينة قنا لم يعد يتذكر أي شيء عنها، يريد أساسا العثور على أبيه، لكي يفهم لماذا تخلى عنه كل تلك السنين ولم يعد -كما وعده- لكي يعيده إلى كنف الأسرة بعد أن شفي من المرض اللعين. ويصحب بشاي في رحلته صبيا مسلما نوبيا في العاشرة من عمره يسمونه “أوباما”، كان قد فر من دار للأيتام وهو بدوره لا يعرف شيئا عمّا حدث لأسرته.

وخلال تلك الرحلة، وعلى الطريق، تقع أحداث وأحداث، ويتعرّض بشاي ورفيقه في الرحلة للكثير من المواقف الصعبة، تتعطل العربة، يحاول أوباما إصلاح عجلتها فيصاب ويسقط، يحملونه إلى المستشفى، يهرع بشاي معه، وعندما يحاول العودة يقبض عليه ضابط يشك في نواياه ولا يعجبه شكل وجهه المشوّه ويوضع في السجن مع رجل من الإسلاميين المتشدّدين، لكن الاثنان يهربان، ويلتحق أوباما برفيقه، لكن بعد أن يكون اللصوص قد سرقوا ما لدى بشاي من مال قليل، ثم يموت الحمار، ويصبح على الاثنين شق طريقهما نحو الجنوب تارة في عربة لشحن القش، وتارة في قطار من قطارات الصعيد المهترئة العتيقة، حيث يتعرّض بشاي للضرب والإهانة.

رموز القصة

مرح رغم الألم
مرح رغم الألم

في قنا يضطر بشاي لاستجداء المارة، لكنه يصطدم بشحّاذ محترف مقطوع الساقين، ينهره في البداية ثم يرأف لحاله ويساعده ويعرفه على رفقته من المشوّهين والعاجزين مثله، ويكتشف بشاي أن في الدنيا أناسا مثله، ملفوظين من المجتمع، يؤمنون بأن العدالة والمساواة ستتحقّقان لهم فقط في “يوم الدين” أي يوم القيامة، وهي الفكرة التي تجعلهم يستمرون في الحياة، يسهرون ويتسامرون ويضحكون ويجدون متعة في الحياة رغم كل ما فيها من شقاء، بل ورغم إدراكهم بأنهم لن يصبحوا أبدا مقبولين من جانب المجتمع الكبير.

ما الذي سيحدث خلال هذه الرحلة وما الذي سيحدث عندما يلتقي بشاي بوالده العاجز في النهاية، وكيف سيكتشف أوباما أن اسمه الأصلي محمد عبدالرازق، وأن أهله هلكوا في تلك القرية النوبية ولم يعد له أحد في الدنيا الآن غير بشاي؟

لا يهم، فالمهم أن سيناريو شوقي يريد أن ينتصر للحياة على الموت، يشيع الأمل والتفاؤل في قلب شخصياته المهمشة الضعيفة، يجعل من عالم الضعفاء مرادفا رمزيا لطبقات كاملة تم استبعادها من الصورة الاجتماعية، أي أهملت وأصبح ينظر إليها باعتبارها عالة أو عاهة في جبين المجتمع.

وعلى الرغم من الطابع الخفيف للفيلم، وميله إلى الفكاهة في الكثير من المشاهد، إلاّ أنه يتضمن أيضا الكثير من النقد السياسي المستتر: اللعب على التناقضات بين المسلمين والمسيحيين خاصة في مشهد الصلاة داخل المسجد، والسخرية من نظام التعليم الفاشل الذي ينتج أطفالا لا يعرفون شيئا عن العالم، وهجاء البيروقراطية المصرية، والإشارة الرمزية إلى انهيار المنظومة الرسمية للدولة في المشهد الذي نرى فيه كيف تهدّمت دار الأيتام التي قضى فيها أوباما سنوات حياته الأولى قبل أن يهرب ويلجأ الى مصحة المجذومين، أو يعيش بالقرب منها، وكيف هجرها الموظفون بعد أن تركوا سجلات النزلاء السابقين من الأطفال اليتامى، بل إن فكرة “المعزل” الذي يشبه السجن، والمتمثل في مصحة الجذام التي تضم أناسا لم يعودوا مرضى ولم يعد هناك خطر من إطلاقهم وإعادة تأهيلهم اجتماعيا، يرمز على نحو ما، للفكرة الفاشية التي تحرص على “تنظيف المجتمع من الفائض البشري عديم الفائدة”!

البناء في الفيلم هو بناء تقليدي يندرج ضمن ما يعرف بـ”أفلام الطريق”، مع مشهدين أو ثلاثة تقطع السرد من خلال ما يراه بشاي في أحلامه، تارة يتذكر كيف تركه أبوه وهو طفل ووعده بالعودة إليه، وتارة أخرى نراه مرتعبا وهو يرى يد رجل تمتد إليه تريد أن تتحسّس وجهه الذي يخفيه عادة بقطعة من القماش الخفيف موصولة بقبعة بدائية من القش صنعها له أوباما.

معالم الإخراج

أبوبكر شوقي: في قصة الفيلم وملامح الشخصية الكثير مما وقع للبطل في الواقع
أبوبكر شوقي: في قصة الفيلم وملامح الشخصية الكثير مما وقع للبطل في الواقع

من حيث الإخراج يثبت أبوبكر شوقي أن لديه إحساسا قويا بالصورة، يعرف كيف يحقّق مستوى رفيعا من الجماليات سواء في مشاهد الصحراء أو تلك التي تجري على ضفاف نهر النيل، وهي مشاهد بديعة عموما، وكذلك في المشاهد الليلية التي تتحرّك فيها الكاميرا بشكل حر داخل الحارات الضيقة الملتوية في القرية الصعيدية، أو تلك التي يجوس خلالها أوباما بين الآثار الفرعونية المتناثرة هنا وهناك.

يتوقف أوباما أمام قبة صخرية مرتفعة منحوتة في الجبل، ويسأل بشاي: هل هذا هو الهرم؟ ولكن أين الهرمان الآخران؟ ثم يتطلع إلى منحوتات في الصخر، يقول له بشاي إنها مقبرة أحد ملوك الفراعنة وزوجته، وعندما يلمس أوباما نقوشا فرعونية على أحد الجدران يوبخه بشاي ويدعوه إلى تركها، فهي “آثار قديمة”.

إنه يدرك قيمة الأثر وأهمية التاريخ، لكنه لا يعرف شيئا عنه كما يعترف لأوباما عندما يريده أن يطلعه على المزيد، ولعل الصورة المتميزة للفيلم تعود أساسا إلى تعاون المخرج مع مدير التصوير البارع فيديريكو سيسكا صاحب التجربة الطويلة في العمل مع عدد من السينمائيين الموهوبين، فهو يقتنص الكثير من اللقطات الصعبة خاصة في التصوير الخارجي في المواقع الطبيعية. وينبغي أيضا الإشادة بالموسيقى الشجية التي صنعت جوا تعبيريا يلف بالصورة في المشاهد التي تعكس شعور البطلين بالغربة عن العالم، وهي الموسيقى التي كتبها وأبدعها عمر فاضل الذي نجح في تجنب الاستطراد والتكرار.

إلاّ أن العامل الأكثر بروزا والذي سيبقى طويلا في ذاكرة كل من يشاهد الفيلم، فهو يتمثل في تلك التجربة الفريدة في التعامل مع مريض الجذام السابق راضي جمال الذي أسند إليه أبوبكر شوقي دور بشاي، وقام بتدريبه على الأداء بحيث بلغ هذا المستوى الرائع من التلقائية والإحساس بالموقف وبالموضوع عموما، بحيث بدا الحوار كما لو كان مرتجلا أو على الأقل ساهم هو فيه على نحو ما.

ويقول المخرج إن في قصة الفيلم وملامح الشخصية الكثير ممّا وقع لبطله في الواقع، وبدا أيضا أن الممثل الصغير غير المحترف أحمد عبدالحفيظ في دور أوباما يتمتع هو الآخر بحضور كبير، كما يتميز أداء الاثنين معا بالانسجام والتجانس المدهش.

“يوم الدين” أوديسة مصرية مؤثرة في فيلم لا يشبه غيره من الأفلام، يخوض بطلا هذه الأوديسة رحلة طويلة مليئة بالأمل، يشوبها حزن دفين ينعكس طول الوقت على وجه بشاي الذي كان يتعيّن عليه أن يدفع الثمن مرتين، الأولى عندما تخلى عنه أبوه وتركه مقطوع الصلة بالأسرة وظل كذلك لثلاثين عاما أو أكثر، يجتر شعوره بالمرارة، ومرة ثانية عندما وجد نفسه منبوذا من الآخرين الذين ينفرون من منظر وجهه المشوّه.

وعودة البطلين إلى موطنهما الأصلي لن تسفر غالبا سوى عن المزيد من الإحساس بالغربة، لذلك تصبح الصحبة التي يوفّرها عالم المنبوذين أفضل من التيه في الوطن الافتراضي.

16