يوم الفضّ.. تبديد الأوهام

الجمعة 2013/08/16

كان يوم فضّ اعتصامي رابعة العدويّة والنهضة، بكل ما أفضى إليه من ضحايا ومواقف وانقسام في تقدير الحدث والدواعي، يوما كثيفا بالدلالات ومربكا في الآن ذاته.

كثافة الدلالات تنبع من كون الحدث يعكس انقسام الشعب المصري ومن ورائه شعوب أخرى (الانقسام يجد صدى كبيرا في تونس أيضا) حول توصيف الحدث وأسبابه وانعكاساته. والملاحظ هنا أن أغلب القراءات (أو التي تصنف نفسها كذلك) كانت تجنح إلى الانتصار إلى أحد الفريقين: إما الاصطفاف جنب التصوّر الإخواني والانخراط في حملة محمومة لتأثيم المؤسسة العسكرية ووصمها بعار قتل الشعب، أو الركون إلى يسر التشفي من المعتصمين وقتلاهم، وإرجاع ذلك إلى أنهم يستحقون القتل وأن الدولة من حقها ممارسة العنف الشرعي.

هل يمكن رسم مسار مختلف لهذا وذاك؟ وقراءة الحدث وتفكيكه في عمقه رغم ما يقتضيه ذلك من ولوج المناطق الملغومة؟

الثابتُ أن الحدث يحتوي مستويين للتحليل وللقراءة؛ الأول حقوقي وينطلق من أن القتل فعل يجب أن يدان أيا كان مأتاه، فقتل الجنود المصريين للمعتصمين (المغرر بهم) فعل مرفوض من كل المنطلقات، وكذلك قتل الجنود وأعوان الشرطة من قبل بعض غلاة الاعتصام.

أما المستوى الثاني، فهو البعد السياسي للحدث، وهو يحيل بالضرورة على عوامل وأسباب ما رافق يوم الفضّ، فالبديهي أن لكل حدث «جلل» دواعي واستتباعات. أما الدواعي فهي عائدة إلى أن الاعتصام (بوصفه عملا احتجاجيا ناتجا بدوره عن إقالة مرسي) مثّل قطب رحى الاعتمال السياسي السائد في مصر منذ أكثر من شهر، وهو اعتصام جماعة أبت أن تقبل إقالة رئيسها أو زعيمها الذي عجز ببساطة أن يكونَ رئيسا لكل المصريين، وأثبت وطاقمه فشلا ذريعا في إدارة الدولة، التي عُدّت طيلة عام من حكم الجماعة «غنيمة» يجبُ استدرار مكاسبها بأقصى ما يمكن من عجلة. ثار الشعب على الرئيس وعلى الجماعة وعلى عقلية «الغنيمة» فسقط الرئيس لكن الجماعة وأنصارها راموا استئناف حلم التمكين.. فاعتصموا.

بين الإقالة وفض الاعتصام ارتفع منسوب الجدل وكانت مقولة «الانقلاب» مهيمنة، فتسويق فكرة الانقلاب على الشرعية كان دافعا للاعتصام بأيامه الطويلة وبكل ما تضمنه من حشد وتأجيج أمّنه دعاة وشيوخ وقادة للجماعة، اعتلوا منصّة رابعة لدفع الناس إلى رفض الإقالة وإدانة الانقلاب، بل ومحاربة «السيسي» الذي تحوّل شيطانا في عرف هؤلاء، وكانوا قد عيّنوه بأنفسهم قبل ذلك بتعلّة كنس «الفلول».

البعد السياسي للحدث يقتضي أيضا الإشارة إلى أن من قُتلوا (أو استشهدوا في عرف قراءات أخرى) كانوا من الفقراء و»الغلابة»، ونجا قادة وزعماء أمثال البلتاجي وصفوت حجازي وياسر برهامي وعصام العريان. فرّ هؤلاء وغيرهم ممن حرضوا فقراء الوطن على شركاء الوطن وجنود الوطن.

الثابتُ كذلك أن ما حدث في يوم الفضّ كان تعبيرا عن ثورة لم تستكمل أهدافها، بل انزاحت نحو مرام لم يتقصدها أحد ممن خرجوا في أيام يناير 2011، الذين تاقوا إلى «عيش حرية وكرامة وطنية»، فوجدوا الوطن يغوص في حسابات جماعة ترى خارجا، فكانت المواجهة الحتمية بين صنّاع الوهم وأبناء الوطن. مع ملاحظة أن صناعة الوهم نجحت في استدراج فئات واسعة من أبناء الشعب الطامح/الطامع في الكرامة والعمل والحرية إلى واد غير ذي زرع سوى من بذور الوهم.

8