يوم بلا تكنولوجيا

الاثنين 2017/01/16

أصبحت التكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهي تشغل الحيز الهام منها سواء في تواصلنا ومعاملاتنا اليومية أو المهنية.

لنتخيل أننا نعيش يوما بلا هواتف ولا مواقع تواصل اجتماعي، ولنلتفت إلى واقعنا الحقيقي الذي لم يعد فيه مكان لا للمشاعر ولا للعلاقات الاجتماعية الحميمية. انتشار الوسائل التقنية لم يقتصر على المعاملات الاجتماعية فحسب، بل طال جميع أوجه حياتنا الإنسانية اليومية.

إدمان الإنترنت والهاتف والمواقع الافتراضية سيطر على عقل الإنسان وجعله روحا “جامدة” ينساق وراء شاشة الكمبيوتر غير مهتمّ لما حوله، مكبلا بواقع بعيد كل البعد عن الحقيقة، ومعزولا عن التواصل المجتمعي.

الكتاب هو الآخر فقد بريقه في غمرة الثورة التكنولوجية وازدهار التقنية، فأصبح وميض الهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر متعددة الاستعمالات يلمع أمام الحامل الورقي المتمثل في الكتب والصحف والمجلات وكل ما هو ناقل للمعلومة.

لم يعد للمطالعة نصيب في ضجيج حياتنا اليومي، وأضحت القراءة الرقمية هاجسنا أمام وفرة المعلومات التي تتيحها لنا الشبكة العنكبوتية.

ورغم أن التكنولوجيا قرّبت المسافات وجعلت العالم قرية صغيرة، حيث أن ضغطة زرّ واحدة كفيلة بأن تجعلنا نطوف الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، في المقابل -وأمام الانفتاح المعلوماتي- فقد بنت جسرا عازلا أمام أفراد العائلة الواحدة، واختار الفرد أن يكون منعزلا انطوائيا لا عزاء له غير هاتفه أو جهازه الإعلامي، محيطا نفسه بعالم افتراضي مهدّد بالتهاوي في أي لحظة.

يوم بلا تكنولوجيا سيكون فرصة أمام أنفسنا لتلمّس الأرض بأقدامنا ومعرفة ما يدور خارج النطاق الذي نعيش فيه. توغل التكنولوجيا الحديثة بكل تقنياتها في حياتنا اليومية أنتج فردا مدمنا عليها، عادة قاتلة جعلت من الهاتف أو الكمبيوتر الصديق المقرب له، لتتسع الهوة بذلك بينه وبين المحيطين به من الأصدقاء أو الأهل أو الأقارب.

أدوات التكنولوجيا الحديثة بقدر ما سهلت العديد من الخدمات، إلا أنها تركت جانبا مظلما في حياة كل شخص فينا نغض عنه البصر مُوهمين أنفسنا بضرورة مواكبة التطور التكنولوجي ومسايرة ركب الحداثة والتقدم.

يوم بلا تكنولوجيا، سيكون فعلا فرصة لمراجعة عاداتنا اليومية التي أغفلناها في غمرة التهافت الرقمي وتزايد مواقع التواصل الاجتماعي. يوم بلا إنترنت، سيكون فرصة للتخلي عن “التبرج الرقمي” وحصد “اللايكات” و”التعاليق المنمقة”، والابتعاد عن عيون الرقباء والمتجسسين عن خصوصياتنا “المنتهكة” في الفضاء الافتراضي.

لا عجب أن نترك مصائرنا تتحكم فيها التقنيات الحديثة، رغم أن الحداثة هي التي فرضت علينا أن نواكبها ونسايرها، لكن لنطوّعها في خدمة مصالحنا لا لتتحكم فينا وتحدّد أقدارنا.

يوم بلا تكنولوجيا سيكون لنا فرصة لالتقاط أنفاسنا من الجري وراء الفضاء الافتراضي، والنزول إلى أرض الواقع لاكتشاف ذواتنا خارج الطوفان المعلوماتي.

12