يوم تاريخي في السعودية، النساء خلف مقود السيارة

السعودية تتوّج الأحد 24 يونيو حملة الإصلاحات الاجتماعية الضخمة التي باشرتها منذ أشهر، بدخول قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة قيد التنفيذ.
الجمعة 2018/06/22
جاهزات للتغيير

الرياض - بعد عقود من الحظر والجدل تفصل السعوديات على تحقيق حلمهن بقيادة السيارة ساعات معدودات، وذلك بدخول القرار الملكي الذي أصدره العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في 26 سبتمبر الماضي، والذي يقضي بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة حيز التنفيذ، بدءا من 24 يونيو الجاري، و”وفق الضوابط الشرعية”.

وخرجت السعودية بهذا القرار، من وضعية تعتبرها الدولة الوحيدة في العالم التي تحظر قيادة المرأة للسيارة.

وفي 4 يونيو الجاري، تسلمت أول سيدة رخصة قيادة سيارة، كأول رخصة قيادة نسائية في المملكة، إذ بدأت حينها الإدارة العامة للمرور باستبدال الرخص الدولية المعتمدة في المملكة، برخص سعودية. ويأتي السماح بقيادة المرأة للسيارة في السعودية، في إطار تحولات اجتماعية واقتصادية ضخمة في البلاد، سمحت للمرأة بحضور مباريات كرة القدم وافتتاح دور للسينما بعد حظر دام 35 عاما.

ووصفت النائبة بمجلس الشورى السعودي هدى الحليسي، في تصريحات صحافية، القرار بأنه “مهم وشجاع”، وتوقعت أن يكون له تأثير كبير في تعزيز دور المرأة في المجتمع السعودي إلى جانب انعكاساته الاقتصادية الإيجابية، وإن لم تستبعد أن تظل

هناك بعض الأصوات المعارضة للقرار، وقالت إن “هذا شيء متوقع وبديهي، فأي شيء في بدايته تكون له معارضة. فعند دخول المرأة السعودية لمجلس الشورى كانت هناك معارضة، والآن أصبح وجودها أمرا معتادا”.

كما وصفت الباحثة في علم الاجتماع فوزية أبوخالد القرار بـ”الحلم الذي طال انتظاره وتحقق أخيرا بعد كثرة السجال حوله”، مشيرة إلى أن “الاحتفاء المجتمعي بالقرار يفند ما كان يقال بشأن إن المجتمع ليس مستعدا لقبول قيادة المرأة للسيارات، فحتى الرجال يشعرون الآن بأن هناك حملا ثقيلا أزيح عن ظهورهم”.

وقال الكاتب السعودي عماد المديفر لـ”العرب” إن “قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة كان متوقعا كونه لا يتعارض مطلقا مع ثوابتنا الدينية وقيمنا الثقافية وتقاليدنا العربية، كما أن الدولة تنظر إليه كحق من حقوق المواطنة السعودية، التي تمنح لها متى ما وجد الوعي المجتمعي الكافي”.

وأضاف موضحا “قد أشار إلى ذلك بوضوح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين قال إننا لن نستمر في حقبة ما بعد عام 1979، في إشارة إلى ما يسمى بفكر الصحوة الإسلامية والتي كان من إرهاصاتها نشر موجات من التشدد والغلو والفكر الرجعي”.

وتابع قائلا “وحين سُئل الأمير محمد بن سلمان تحديدا عن موضوع قيادة المرأة للسيارة أكد بأنه مسألة وقت لكونه قرارا شعبيا بالدرجة الأولى. لا سيما وأن لمثل هذا القرار العديد من الفوائد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية علاوة على مواكبته لرؤية السعودية 2030”.

إلاأن نظام “ولاية الرجل” على المرأة الذي يسمح للرجال بالتحكم بحياة النساء على المستويين الشخصي والعملي، يلقي بظلاله على هذه الحملة المتمحورة حول خطة إصلاحية شاملة في البلد الخليجي الساعي إلى تغيير صورة التشدد التي يعرف بها. وتسلّم الأمير الشاب محمد بن سلمان (32 عاما) قبل سنة منصب ولي العهد في إحدى أغنى دول الشرق الأوسط، ليقود حملة إصلاح غير مسبوقة أدت إلى تغييرات اجتماعية كبيرة في فترة زمنية قصيرة. ورغم هذه الإصلاحات، لا تزال أمام السعودية خطوات عديدة يتوجب اتخاذها في مجال حقوق المرأة، بحسب خبراء ونساء سعوديات.

فوزية أبوخالد: الاحتفاء بالقرار يفند أن المجتمع ليس مستعدا لقبول قيادة المرأة
فوزية أبوخالد: الاحتفاء بالقرار يفند أن المجتمع ليس مستعدا لقبول قيادة المرأة

ويطبّق نظام “ولاية الرجل” على المرأة منذ عقود، وينص على حاجة النساء لموافقة الرجال من الأقرباء؛ الزوج أو الأخ أو الأب أو الابن، للتعلم، وتجديد جوازات السفر، ومغادرة البلاد. كما أن النساء قد يُسألن عن موافقة الرجل لدى تقدمهن للحصول على خدمات صحية. ومنذ تعيين الأمير محمد وليا للعهد، أصدر العاهل السعودي سلسلة قرارات لصالح المرأة، بينها السماح لهن بحضور مباريات كرة القدم في الملاعب، والانضمام إلى الشرطة، والتقدم عبر الإنترنت بطلب لحيازة رخصة تأسيس عمل.

وقالت مديرة الحملات في منظمة العفو الدولية في الشرق الأوسط سماح حديد “السماح للنساء بقيادة السيارات خطوة مرحب بها كونها تمنح المرأة حرية الحركة”. وتضيف “لكنها غير كافية.. إذا كانت السعودية جادة بشأن حقوق المرأة، عليها أن تلغي فورا نظام ولاية الرجل”.

وبالنسبة إلى العديد من السعوديات، لا يكفي حق قيادة السيارة لكي تعتبر المرأة مساوية للرجل في مجتمع ذكوري. ويقول ناشطون إن النظام يمنع السجينة مثلا من الخروج من السجن بعد انتهاء مدةسجنها، إلا إذا أتى رجلٌ لاصطحابها، ما يعرضها للبقاء في السجن لمدة أطول في حال قرر “ولي أمرها” عدم الحضور.

وقالت سعودية مفضلة عدم الكشف عن هويتها لوكالة فرانس برس “كيف يمكن وصف هذه الخطوة (قيادة السيارة) بأنها تقوّي المرأة؟ هذا نفاق. أستطيع أن أقود في بلدي، لكنني لا أستطيع أن أغادره إلا بموافقة ابني؟”.

وأضافت “نحن أغنياء، ومتعلمون، ومع ذلك لا ننتمي للنظام ذاته. نحن (النساء) دوما تحت رحمة الأب.. أو الزوج”.

وقالت امرأة أخرى إنها عاجزة عن التحرر من زواج لم تعد تريده، لأن زوجها يرفض الطلاق ويحتجز جواز سفرها، بينما يقيم أهلها في الخارج. وتابعت “يرددها أمامي كل يوم: باتصال واحد، لن تعودي قادرة على مغادرة السعودية والالتقاء بأهلك”.

ووقعت المملكة في العام 2000 على اتفاقية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تنص على “تساوي الرجل والمرأة في الحقوق”. وبعد 17 عاما من التوقيع، أدخلت المملكة تعديلات على نظام “ولاية الرجل” أمرت بموجبها باستثناء نشاطات منه، في خطوة طالبت ناشطات سعوديات باستكمالها عبر إلغاء هذا النظام برمته. وأصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز قرارا أمر فيه بعدم مطالبة المرأة بالحصول على موافقة ولي أمرها “حال تقديم الخدمات لها ما لم يكن هناك سند نظامي لهذا الطلب وفقًا لأحكام الشريعة”.

وقالت الكاتبة الفرنسية فلورانس بوجي “السعودية تتعرض إلى الانتقادات، لا سيما بسبب حقوق المرأة، لكنها بدأت في تحمل مسؤولية بعض التغييرات. بدأت تجند النساء في الجيش والشرطة، وكذلك سمحت بإعادة فتح دور السينما، لكن ما جذب الاهتمام بشكل أكبر هو إنهاء حظر قيادة النساء للسيارة”.

السماح بقيادة السيارة يعزز دور المرأة السعودية

ترحيب بتنفيذ قرار يمنح المرأة حرية الحركة
ترحيب بتنفيذ قرار يمنح المرأة حرية الحركة

سيفسح إلغاء حظر القيادة المفروض على المرأة في السعودية المجال لتحقيق مكاسب اقتصادية لملايين النساء، فيزيد من توظيفهن ويعزز دورهن الاقتصادي، بحسب محللين. وبالنسبة إلى تغريد غزالة التي تمتلك سلسلة صالونات تجميل في الدمام والخبر (شرق)، فإن الخطوة تمثل دعما إيجابيا كبيرا للنساء من أصحاب الأعمال في المملكة المحافظة.

وتقول غزالة قبل ثلاثة أيام من موعد رفع الحظر “أدفع شهريا رواتب للسائقين.. لكنني لن أحتاج إليهم بعد اليوم”، مضيفة “سأوفر المال، والمجهود، والوقت، وسأتمكن من استثمار كل ذلك في عملي حتى ينمو سريعا”. ودور المرأة السعودية محدود للغاية في سوق العمل، ويبلغ معدل البطالة بين النساء 31 بالمئة.

وتمثل الموظفات أقل من 23 بالمئة من القوة العاملة السعودية التي تشمل ستة ملايين سعودي وسعودية، بحسب أرقام صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في المملكة. كما تمثّل النساء أقل من 10 بالمئة من إجمالي القوة العاملة في المملكة الغنية بالنفط في حال أخذ العمالة الوافدة الأجنبية بالحسبان، وتضم 10 ملايين عامل.

4 يونيو الماضي وزعت رخص قيادة على أول عشر سيدات هن الأوائل في تاريخ المملكة

وأظهر استطلاع أجرته مؤخرا غرفة تجارة مدينة جدة أن النقل يعتبر أحد أهم العوائق التي تحول دون التحاق السعوديات بسوق العمل. وتوقع الاستطلاع أن يؤدي رفع حظر القيادة إلى زيادة معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل وإيجاد عدد من الوظائف الجديدة. ويرى إحسان بوحليقة، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال في الرياض، إن قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة “أكبر من مجرد توفير المزيد من فرص العمل للنساء”. وأكد أن القرار “سيعزز أيضا من المشاركة الاقتصادية للمرأة ويخفّض نسبة البطالة الوطنية الكلية لأن معظم العاطلين عن العمل هم من النساء والعديد منهن من خريجات الجامعات”.

ومن أهداف خطة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تعزيز مشاركة النساء في القوى العاملة لتصل إلى 30 بالمئة بحلول عام 2030، ما يعني على الأقل مضاعفة القوى النسائية العاملة حاليا والبالغ عددها 1.37 مليون امرأة. ومن المتوقع أن يعزز رفع الحظر عن قيادة السيارة أمام النساء مبيعات السيارات بشكل كبير ويدعم قطاع التأمين، بالإضافة إلى تقليل عدد الوافدين.

وتشير شركة “برايس واتر هاوس كوبرز” للاستشارات ومركزها دبي إلى أن نحو 3 ملايين امرأة سعودية قد يحصلن على رخص قيادة ويبدأن قيادة السيارات بحلول عام 2020 إلى جانب 9.5 مليون سائق من الذكور. ويبلغ عدد السكان 32 مليون شخصا، بينهم 12 مليون وافد، بحسب أرقام رسم ية. ومن المتوقع أن تزداد مبيعات السيارات بنسبة 9 بالمئة سنويا حتى عام 2025، بفضل الشريحة الجديدة من الزبائن النساء، مقارنة بنسبة نمو سنوية بلغت 3 بالمئة خلال السنوات الأربع الماضية.

للمزيد: كسر حاجز خوف السعوديات من قيادة السيارات

13