يوم تتقاطع فيه شعوب كثيرة

الاثنين 2016/05/02

لم نكن، ساكني الجزيرة (شمال شرق سوريا) الصغار منا آنذاك، نعي أننا نعوم في بحر أساطير وادي الرافدين، وأننا في حال من الأحوال أبناء سومريون لتلك الحكايات الموغلة في الغرابة والآلهة المتعالين بأفعالهم والموازين لعالم البشر، وما كان نهرا الفرات ودجلة الفائضان ربيعا والمحجمان في يوليو إلا علاقة أولية مع الماء والخضرة والسير على الضفتين، ناهيك عن الغرق الذي يشبه غرق أحلامنا في طمي الحياة.

إنّ بعث تموز من العالم السفلي، سومريا، كان بالنسبة إليّ أنا المتشكل من دمين وثقافتين: عربية من جهة الأب وكردية من ناحية الأم، كان بلا وعي أولي لحركة الآلهة وتنازعهم أو لما يعنيه الخروج في الحادي والعشرين من مارس للكرد، وكان هذا الخروج نحو أرض مرتفعة في القامشلي والحسكة من جبل كوكب إلى تل موزان إلى كيشكا وقد تزينت الأرض بخضرة عميمة، سأتعرف في ما بعد على هذا الخروج وأنا أتعرف على عشتار وتموز/ دموز بانزياحه إلى العالم السفلي بما رافقه من قحط وجدب وعويل ونواح، فيما عودته/ بعثه ارتبطت بالخصوبة، الربيع، الاعتدال والحياة، ليكون الأخضر مسرحا طبيعيا يتقاسمه العرب والكرد والسريان والكلدو آشور كشركاء في الأرض والهواء والماء والحكايات البعيدة ومجمل الطبيعة الممتدة من جبال طوروس إلى جبال سنجار.

نخرج إلى الحياة في يومها الذي تتقاطع فيه شعوب كثيرة وتحت تسميات مختلفة وما كنا لنتحسس القومي في الأمر، رغم ما تشيعه السلطة توجسا من يوم يتجاوز الاحتفاء بالأسطورة إلى ما يهيّج عشّ دبابير الخوف في نفس دولة تحكم ناسها بالحديد والنار.

يرى الكردي في ما يرى أنّ يوما من السنة يخصّه فيحضّر ما يحضّر له من اللباس والطعام والشراب، وتنصب مسارح في الطبيعة تحفّ بها المخابرات السورية والعسكر، وكنا نندس لنتماهى مع اللباس والأطعمة والشراب الذي يفلت من ربقة الرقيب الديني وكذلك اللقاء بالحبيبات، تصبح الحياة ممكنة بعد أيام كثيرة من الحرمان.

يرى الكاتب والباحث إبراهيم اليوسف أن “نو” وتعني الجديد و”روج” اليوم، واليوم الجديد برأيه كرديا هو استحضار للأسطورة المعادة بكاوا الحداد، مشعلا النار على رؤوس الجبال والمرتفعات بعد أن استوفى شرط الثورة على إزدهاك، وقد انبثقت من كتفيه حيّتان وكان لا بدّ من التضحية بشاب فتيّ كلّ يوم على أن يكون المضحّى به من الأعداء، أي الكرد. ولكن يبقى الخروج إلى الطبيعة في احتفالات متعددة اعترافاٍ متجدّدٍ بحب الحياة.

في المقاربات أجدني بمواجهة التفسير اللاهوتي، فالأكيتو رأس السنة الآشورية يوافق 12 مارس، ولا تخفى هنا سطوة اللاهوت في السردية التاريخية، والتأثر بالرواية التوراتية من عصر ثيوفانيس إلى مؤرخين مثل ديونيسوس وميخائيل الكبير، وإذا كانت الأسطورة بحمولتها المعرفية انتقلت عبر الرقم الفخارية، فإن الملاحم والحكايات توارثتها الأجيال شفاها، وبقيت دون مستوى الأسطورة الأصل، مع وجود أسطرة لأبطالها، كذلك اشتملَت الأسطورة على بنية مقدسة تمثّلت رؤية الشعوب القديمة للخلق والآلهة والحكم، وهي غالبا ما تتقاطع بيانيا في ثيمات الآلهة، الموت، الحياة، الخصوبة، البعث، كذلك بحثت في اجتراح قدرات ما فوق بشرية لتفسير الإنسان لما يحيط به. وإذا عرفنا بحسب باحثين وقراءات محايثة بسطوة وأحقيّة الأسطورة الرافدية على سواها، سنعرف أننا كشاغلي هذا المكان اليوم: بأن الأكيتو الذي يصادف أوّل أبريل لا يختلف كثيرا عن 21 مارس، والذي صار يقرأ كرديا بوصفه يوما قوميا، قبل أن يكون يوما احتفائيا بالاعتدال الربيعي (فلكيا) وعودة تموز من عالمه السفلي.

تنزاح الأسطورة بما ينبثق عنها من ملاحم وأساطير موازية، بحيث تكون إستر في البانثيون اليهودي بديلا عن عشتار بعد السبي البابلي، وتموز مقابلا لأدونيس الفينيقي والإغريقي والفينيق السوري تحديدا وأوزوريس وآتيس المصريين، وبما يحمل تموز من أسباب الحياة وبما يعكس ضوؤه على الموازي له، وهذا تسرب إلى المعتقد الديني وبناءاته اللاهوتية، وهنا بهذا الانزياح تبني الشعوب تصوراتها مستخدمة الأسطورة كأداة وظيفية بمعطياتها وتأسيسها لما يشبه التاريخ، أو يعزز فرضية وجودها العرقي القديم، وما التقاطعات العميقة لعيد تكرّس بفعل أسطورة واحدة منيعة وقوية، صيغت على منوالها ملاحم وحكايات، إلا محاولات تَنزع لإثبات تمايزات موجودة أو مفقودة يُطمح إليها بين شعب وآخر.

ونوروز الكردي لا يذهب بعيدا عن نوروز الفارسي، الذي استطاع مدّ نفوذه ثقافيا إلى شعوب مجاورة بفعل التقاربات في العادات والتقاليد واللغة، من حيث الجذر والآرية المشتركة في ما بينها، فالنيران تشتعل ليلة العيد، وتتشكل غمامات سوداء في الأعالي، كما لو أنّ هذه الغمامات الفالتة من النار هي جحيم تموز، بدلالة أنّ الصباح الذي يلي هذه العلامات السوداء يوم ربيعي جديد، تزيّنه الطبيعة ومن ثمّ الألبسة الملونة البراقة في اتحاد طوعي مع الأرض.

إنّ أفضل مفردة ترافقت مع الأسطورة منذ نشوئها وانبثاق أساطير موازية لها عززتها بوصفها حالة خلاص هي “حبل” أي حبل الأرض، وإخراج الأرض من حالتها “الستاتيك” إلى حالة الحركة، بمقابلتها بالمرأة الولاّدة، وهو على كلّ حال تشريف للأنثى وتقديس لها باعتبارها منتجة الخصوبة وراعية السلالات من الانقراض.

شاعر وناقد سوري

15