يوم شحذ شارلي إيبدو أسلحة الإسلاموفوبيا

الخميس 2015/01/15
هل تتوصل المبادرات السياسية الحاثة على فصل الإسلام عن الإرهاب إلى تبديد مخاوف الجالية المسلمة في أوروبا

باريس - لم تتوقف حملات اليمين المتطرف في أوروبا عن زرع الخوف المرضي من الدين الإسلامي في نفوس الأوروبيين، ومحاولات فصل المهاجرين، لا سيما المسلمين، عن النسيج الوطني في الدول الأوروبية.

وجاء حادث الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية، ليمثل صحوة لليمين المتطرف، في فرنسا وهولندا وإيطاليا، لخلق موجة جديدة من “الإسلاموفوبيا”، حسب ما يرى نشطاء من الجالية المسلمة في تلك الدول.

النشطاء حذروا من ارتفاع موجة “الإسلاموفوبيا في أوروبا”، ومن تزايد حالات العنف والكراهية والاعتداءات على الجاليات المسلمة، التي يقودها اليمين المتطرف وبعض وسائل الإعلام، مستغلين حادث الهجوم على الصحيفة الفرنسية.

ففي فرنسا حيث وقعت الأحداث، قال إبراهيم المهالي، الخطيب والمدرس بمسجد السلام، في مدينة بيربينيا، إن الجالية المسلمة في وضعية توجس بعد هذا الحادث الذي وصفه بـ”المأساوي” الذي وقع في باريس، وكثير منهم متخوفون من ارتفاع حملات العنصرية، ومن التشديد على المهاجرين أو حتى الذين ولدوا في فرنسا.

وأضاف المهالي أن “هناك توجسا وتخوفا تراهما في ملامح الناس وفي تساؤلاتهم”، لافتا إلى أن “الكثير منهم يشككون في هذه الأحداث ويرون أنها مسرحية مفبركة الغرض منها استحقاقات سياسية، خاصة مع تنامي وتصاعد المد اليميني المتطرف في أوروبا عموما، وفرنسا بصفة خاصة، لذلك هناك توجس وتشكيك”.

وبخصوص حالات الاعتداء على المساجد في فرنسا، قال المهالي إنه إلى حد الآن ليس هناك تصعيد على مستوى الأفراد، “لكن تقع بعض الأحداث الثانوية هنا وهناك، كتعرض بعض المحجّبات لألفاظ عنصرية وما شابه ذلك، لكن لم يتطور الوضع، كما حدثت بعض الانتهاكات لمساجد، لكن ليس هناك تصعيد في هذا الاتجاه”.

اليمين المتطرف سيخندق مواطنة الأجيال الصاعدة في جانب الدين، في حين أن الدين حق في إطار التعدد

في ما يتعلق بموقف السلطات الفرنسية، أشار المهالي إلى أن الحكومة الفرنسية حاولت أن تمسك العصا من المنتصف، فقالت إنها وإن كانت ضد معاداة السامية، فإنها كذلك ضد العداء للإسلام ولا ينبغي التعميم أو اتهام جميع المسلمين، فهم جزء من الثقافة والمجتمع الفرنسي.

وشدد المتحدث على أن هناك ارتفاعا في موجة “الإسلاموفوبيا” في فرنسا، وتحديدا في الإعلام الفرنسي المرئي والمكتوب، مدللا على ذلك بإصرار صحيفة “شارلي إيبدو” على نشر رسوم مسيئة للرسول محمد، وإقدام قناة فرنسية على بث حوار مفبرك بين إعلامية والنبي محمد بطريقة ساخرة، واعتبر المهالي أن مثل هذه الأمور “فيها مساس بمشاعر أكثر من 6 مليون مسلم في فرنسا”.

عبده المنبهي، رئيس المركز الأورومتوسطي للهجرة والتنمية بهولندا، والناشط اليساري، يصف الأجواء في هولندا بعد حادثة “شارلي إيبدو” بأنها “مكهربة”.

ويعطي المنبهي دلالات على رؤيته للأوضاع بالقول إن مسجدين تعرضا لهجوم من طرف “عنصريين”، كما تم الاعتداء على نساء محـجبات في الشوارع. وأضاف أنه “قبل أسابيع كان هناك نداء في صفحات أنصار اليمين المتطرف في هولندا من أجل حرق المساجد، لكن أحداث “شارلي إيبدو” زادت تأكيد الجو العام الموسوم بالعداء للمسلمين”.

حالة من الخوف تسود الجاليات المسلمة في هولندا وكل أوروبا، فحسب المنبهي “لم يعودوا يحسون بالأمان، كما أن هناك ربطا بين الإسلام والإرهاب، حيث تجد الجالية المسلمة نفسها في موقف دفاع”.

وتابع أن “الجالية المسلمة أصبحت رهينة بين التطرف والإرهاب والجهاديين، وبين العنصريين والإسلاموفوبيين في هولندا”.وبنبرة احتجاجية يقول المنبهي “الجالية المسلمة لا يمكن أن تكون رهينة بين طرفين متطرفين، فلا يمكن أن يبقى الإسلام رهينة في يد المتطرفين، ولا الإسلاموفوبيين الذين هم في تزايد”.

وطالب السلطات الهولندية بحماية المؤسسات الإسلامية في هولندا، كما تقوم بحماية المؤسسات اليهودية والمسيحية، داعيا الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها في ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي من طرف من وصفهم بأنصار الحزب العنصري.

وقال إن هناك جوا من الاتهام للمسلمين سائدا حتى في صفوف أطفال المدارس، معتبرا أن هؤلاء يشيعون في مدارسهم ما يسمعونه من آبائهم من تعليقات عنصرية في حق المسلمين، مؤكدا على ضرورة اعتماد الحكومة الهولندية برنامجا للإعلام والتكوين حول مبادئ حقوق الإنسان والتعايش.

الجالية المسلمة لا يمكن أن تظل رهينة طرفين متطرفين، فلا يمكن أن يبقى الإسلام رهينة للمتطرفين ولا الإسلاموفوبيين

ودعا الحكومة إلى اتخاذ إجراءات في شكايات الاعتداءات التي يتعرض لها المسلمون، واعتبارها نوعا من العنصرية، ووجوب حماية الجاليات المسلمة منها، والانتباه إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لشباب الجاليات المغربية والإسلامية. ولفت رئيس المركز الأورومتوسطي للهجرة والتنمية بهولندا، إلى أن 50 بالمئة من الجالية المسلمة في هولندا يعيشون حالة بطالة، وهو ما يسهل استقطابهم من طرف من وصفهم بالمتطرفين.

وعن دور النشطاء الدينيين في هولندا دعا المنبهي القائمين على المساجد في هولندا “ألا يكونوا سلبيين تجاه المجموعات المتطرفة، وأن يواجهوا المتطرفين علانية، لأنهم يشكلون خطرا على الشباب”.

أما نزهة الوافي البرلمانية المغربية التي تقيم في إيطاليا، فقالت إن الجاليات المسلمة في أوروبا عموما “ستواجه أياما صعبة، لأنه للأسف الشديد هناك مدّ يصنف الأجانب وخاصة المسلمين، ثم هناك تعاط غير علمي وغير موضوعي مع التوترات التي تعرفها المنطقة العربية”.

وتضيف الوافي أن “هناك تغطية إعلامية غير متوازنة لما وصفته بالمد المتطرف، وخاصة في ما يتعلق بما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)”. وقالت إنه إذا أضفنا إلى ما سبق وضعية الأجيال الصاعدة من المهاجرين “التي أغلبها يعيش في هوامش المدن ويعيش الهشاشة الاجتماعية والعزلة، وهذا ما يجعلها تغير مواطنتها الفرنسية بمواطنة أخرى دينية، لأن مطلب الدين في هذه الحالة يكون أكبر”.

ومضت قائلة إن “الشبكات الإرهابية تتحرك في المواقع الافتراضية وفي الأحياء وتجد وضعا حاضنا لها”.

وعن المستفيد من تصاعد موجة العداء تجاه كل ما هو إسلامي ترى الوافي أن “المحرج سياسيا هو أن اليمين المتطرف ستكون له فرص للتقوية جراء هذه الأحداث، وسيخندق مواطنة الأجيال الصاعدة في جانب الدين، في حين أن الدين حق لهؤلاء المواطنين في إطار التعدد، كما هو الشأن للشباب اليهودي الذي يمارس شعائره الدينية بكل حرية”.

13