"يوم طارت الأسماك" مأساة الوطن وملهاة المهجر

أيِّ غربة هي غير آمنة وتؤدِّي إلى إرهاصات نفسية، لها الأثر الكبير على حياة المغترب، فكيف إذا كان هذا المغترب كاتباً؟ إذ يبدو أنَّه عندما وصل الكاتب العراقي فؤاد ميرزا إلى أميركا اللاتينية، والتي كان يتخيلها بلاد السحر والجمال، اصطدم هذا الأخير بواقع أشدّ مرارة وقسوة من واقع بلاده الذي غادره بعد أن ضاق ذرعا بأسباب الحياة هناك.
السبت 2015/06/06
مزيج غير متجانس من مكونات الطبيعة

فؤاد ميرزا قاص وفنان تشكيلي من رواد كتابة القصة القصيرة جدا (ق.ق.ج) في العراق، في بداية سبعينات القرن الماضي، نشر أعماله في كثير من المجلات العراقية والعربية، ويعيش الآن في الولايات المتحدة الأميركية، وتعدُّ مجموعة “يوم طارت الأسماك” هي كتابه الأول، عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2012 وهو الطبعة الأولى.

المفارقة أنّ قصص الكتاب كتبت منذ مدة طويلة، بين الأعوام 1974-2000، والكاتب يعود بعد مضيّ سنوات طويلة، ليعلن عن نفسه كاتبا للقصة القصيرة جداً بعدما كان من روادها في ما مضى، قد نعزو ذلك إلى حالة الغربة التي يعيشها في بلاد غاية في البعد عن مسقط رأسه، العراق، وذلك بما للغربة من أثر قوي، من حزن وألم ومعاناة نفسية.. على روح الإنسان المهاجر، لأنَّه بكل بساطة يشبه النَّبتة التي اقتلعت من أرضها وزرعت في أرض أخرى، فكيف لها الحياة وإن سُقيت بأنهر من الماء؟

يبدأ القاص فؤاد ميرزا كتابه بالإهداء إلى ابنه دون ذكرٍ للأسباب. وتقع القصص في 92 صفحة، مقسّمة إلى قسمين، القصص في القسم الأول ربّما تعود إلى الفترة التي سبقت مغادرته لوطنه، وقصص القسم الثاني هي توثيق لسيرة هجرته والبلاد التي عبرها حتى وصل إلى مملكة الأحلام كما تخيلها، وذلك منذ لحظة القرار أو قبلها ودوافعه للهجرة، مرورا بالمحطات والأمكنة التي حطَّ فيها رحاله لفترة، ربما كانت قصيرة أو طويلة حتى وصل إلى أميركا، ثمَّ رصد حالاته وانفعالاته، وهواجس الغربة ومؤثراتها وتداعياتها التي تظهر بوضوح في قصص الكتاب.

كما يبدو أنَّ معظم قصص القسم الثاني هي قصص حقيقية حدثت معه أو سُرِدت له، في فترة مكوثه بروما، وذلك من خلال تاريخ ومكان كتابة كل قصة وهوما لم يغفل عن تسجيله في أسفل القصص كتوثيق للزمن والمكان الحقيقيين، وهذه سابقة قلَّما نجد قاصا يعمد إليها.

في كلّ قصة من قصص فؤاد ميرزا صورة اجتماعية متجسدة من خلال التفاصيل والجزئيات التي جعلت القصة تشغل حيزا من تفكير القارئ، وقد نقل معاناة شعبه عبر قصص قصيرة وغاية في البساطة من حيث نمط السرد.

قصص فؤاد ميرزا مفتوحة النهايات على الكثير من الاحتمالات والاستفسارات، التي كان من مهمتها إطلاق العنان لمخيّلة القارئ للتفسير والتحليل

أما أبطال قصص “يوم طارت الأسماك” فهم مزيج غير متجانس من مكونات الطبيعة، فلم يقتصر الكاتب على توظيف البشر أبطالا لقصصه، بل تعدى ذلك إلى أنسنة مكونات الطبيعة (النهر- الغيمة- البئر…) وأسبغ عليها صفات البشر من حيث النطق والإحساس، فكلًّ شخصية بشرية أو غيرها هي إنسان يمتلك مشاعر وأحاسيس ورغبات، تلك الأرواح كانت الحامل لأفكار الكاتب المشتتة تارة والموجهة تارة أخرى، وتناوبت الشخصيات بين الخيالي والواقعي لدرجة أنّ الشخصية المحورية قد تكون غير بشرية، ولكنّ ذلك لم يقلل من شأن القصص والأسلوب المثير في طريقة العرض.

والقاص استخدم لغة سلسة بالرغم من جزالتها أحيانا، وذلك بانزياحات لغوية بسيطة أضفت على السرد متانة في التعبير، حتى أنه اعتمد الجزالة لدى خوضه لقصة تحتاج إلى التعبير الرمزي بعيدا عن الإيضاح. لم نعلم لم اختار فؤاد ميرزا قصة “يوم طارت الأسماك” لتكون عنوانا للكتاب؟ ربما على أنها القصة الأهم أو الأحب إلى نفس القاص، إلا أنّ تلك القصة تحديدا ومن وجهة نظرنا افتقرت إلى التأثير وعنصر التشويق وربما الفكرة، واختيار القاص لها ربما له دلالات شخصية وخاصة، وبعض القصص التي كانت قصص قصيرة جداً أيضا لم تتمكَّن من أداء رسالتها، بالرغم من أنها عملت على إثارة العديد من التساؤلات.

ولكن الملفت في قصص فؤاد ميرزا أنّها كانت مفتوحة النهايات على الكثير من الاحتمالات والاستفسارات، التي كان من مهمتها إطلاق العنان لمخيّلة القارئ للتفسير والتحليل، لأنّها نهايات خاطفة وغير متوقعة تترك قارئها في منتصف الطريق ليسأل لماذا هذه القصة؟ وما الغرض منها؟ لأن القاص يبترها فجأة دون تمهيد.

في المجمل قصص فؤاد ميرزا هي قصص فيها الكثير من التنبؤات، التي حدثت الآن وقد كتبت القصص منذ زمن بعيد، إضافة إلى أنّها قصص واقعية مستنبطة من بيئة القاص، التي ترعرع فيها بتناول الأحداث وجزئياتها بأسلوب مزيج بين التاريخ والميثيولوجيا.

17