يوم عالمي لـ"السبُّوبة"

الأربعاء 2017/12/20

إلى هذا، دعت ساخرة أستاذتنا في إعلام القاهرة، الرائعة د. نجوى كامل، على صفحتها بوسائل التواصل الاجتماعي.

و”السبُّوبة” وفق عبقرية العامية المصرية، مصطلح يطال كل مهنة ريعية هدفها تحصيل أكبر قدر من المال فقط، بغض النظر عن القيمة أو الجدوى أو القناعة، بتعبير آخر نوع من الانتهازية التي تعيد صورة “عبده مشتاق” التي جسدها كاريكاتير الساخر الراحل مصطفى حسين قبل عقود.

وبغض النظر عن مظاهر نفاق سلوكية وعملية كثيرة تعجُّ بها شوارعنا ومكاتبنا ووظائفنا، وكلها تمثل “سبوبة” بشكل ما، ويمكن فهمها تحت وطأة الحاجة الاجتماعية، إلا أن الخطورة تتزايد عندما نتعامل مع قضايانا ومشاكلنا، وما أكثرها، بمنطق “السبوبة” أيضا، بحيث تصبح وسيلة للتجارة والسمسرة في عوالمنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسط غياب مؤلم لأي ضمير أو اقتناع.

قضية محورية مثل القضية الفلسطينية ومعها القدس المحتلة، كانت، ولا تزال، أكثر تجارة رائجة، باسمها قبض كثيرون عمولتهم وأتخموا أرصدتهم مالا في البنوك، بعد أن أشبعوها نضالا أمام المايكروفونات، حتى تراجعت بعد انخفاض عوائد “السمسرة” قبل أن تعود مرة أخرى للواجهة إثر قرار ترامب الأخير.

قضايا أخرى، حملت مسميات “الحرية” و”الديمقراطية” و”العدالة الاجتماعية” كلها تجمعت في بوتقة فوضى “الربيع العربي” في السنوات السبع الأخيرة، وباتت وسيلة مربحة للغاية، حوّلت تجارها وناشطيها ودكاكينها الثورية، من مجرد “حُفاة” إلى مليونيرات، يقضون عطلاتهم في المنتجعات، ويركبون أفخم السيارات، في ظاهرة لا تختلف كثيرا عن “سبوبة” السايس في مواقف السيارات بالشارع، مهنةٌ لا تحتاج إلا مجرد “صافرة” تنطلقُ بإزعاج، ويد تظهر فجأة لتشير لك يمينا أو يسارا، ثم تقبض “المعلوم” بمجرد أن تهم بالخروج.

أما في الإعلام، فحدِّث ولا حرَج، تحولٌ وتقلبٌ وتغييرُ مواقف بشكل هستيري، حتى أصبحت الغالبية، إلا من رحم ربي، أشبه بهواتف العملة، لا يمكن أن تتحدث إلا إذا وضعت المزيد من القطع المعدنية، وكلها وفق شرع الله، إذا كنت من تيارات الإسلام السياسي، أو حسبما تضخ في الجيوب، إذا كنت تتبعُ صاحب “المحطة” أو القناة أو الصحيفة.. وكلها في النهاية أبواقٌ لقاعدة “ادفع” بالتي هي أحسن، مع الفارق طبعا! وهذا هو الأخطر لأنه يتحكم في توجيه عقول وقلوب شرائح كثيرة.

إذا كانت أستاذتنا قد دعت ليوم عالمي للسبوبة، فلتسامحني حينما أقول إن هذا لا يكفي، لا نحتاج لهذا اليوم أبدا، لأن أيامنا هذه كلها “سبوبة”.

24