يوم في بيت الجدة دون هواتف

الثلاثاء 2017/02/07

فرضت إحدى الجدات على أبنائها وأحفادها عند زيارتها ترك هواتفهم الذكية في سلة وضعتها سلفا عند باب الدخول قبل الانضمام إلى بقية العائلة، حتى تحظى بحضورهم الجسدي والذهني. ويمكن أن يبرر سلوك الجدة استنادا على ما حدث من تحولات بهذا العصر، حيث صار من الجائز القول “القريب من العين بعيد عن القلب” بدل “البعيد عن العين بعيد عن القلب”، نظرا إلى اتساع الهوة بين البشر بسبب انشطارهم نصفين بين تجاذبات عالمين مختلفين كل منهما يحاول شد الأفراد إليه دون الآخر والاستئثار باهتمامه.

إذ يفرض الواقع على البشر التعايش في ما بينهم والالتزام بالعديد من الضوابط والقواعد التي تنظم علاقاتهم، والحال أنهم غير قادرين سوى على التواجد الجسدي، في حين يحظى العالم الافتراضي بكل انتباههم.

تضيق الحياة المادية في نظر البعض بسبب تزايد الانغماس في التحضير لثورة تكنولوجية رابعة، فيرونها في طريقها للاندثار، وبحسبهم فقدت الحياة المادية نكهتها منذ أصبحت الروابط الأسرية مشدودة إلى كوابل شواحن الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر. وزيادة على ذلك، أفادت دراسة أميركية حديثة أن العلاقات الزوجية ستفقد مكانتها العاطفية والإنسانية بحلول 2030، بسبب الإفراط في استخدام أجهزة المحمول، فبدل التواصل بين الزوجين يفضل كل منهما وخصوصا ليلا تمضية بعض الوقت في الرد وتبادل الرسائل أو فحص الصفحة الفيسبوكية أو مشاركة الأصدقاء الألعاب الإلكترونية.

هذا الشرخ بين أفراد العائلة الواحدة يسير بهم بخطى ثابتة نحو خلق عزلة اجتماعية ليست اختيارية فحسب بل وأكثر من ذلك هي مدعاة للسعادة بالنسبة إليهم، إذ يكفي تدوين عبارات من قبيل “تأثير الهواتف الذكية على الترابط الأسري” على محرك البحث الشهير غوغل حتى ينتقل الباحث بين مختلف الصور التي تعتبر شاهدا حيا على هيمنة الهواتف الذكية على الجلسات العائلية والمسامرات الليلية مع الأصدقاء واندساسها في فراش الزوجية، وبالإضافة إلى ذلك كثيرا ما نشرت على صفحات الفيسبوك صور كاريكاتورية لأطفال وقعت لهم حوادث أو صور لاحتراق الطعام بسبب انشغال الأم بهاتفها المحمول أو كمبيوترها.

في السابق، كان أولياء الأمور يحاولون توجيه أبنائهم ومراقبتهم حتى لا يحيدوا عن الصواب، واليوم نشرت الكثير من الدراسات والتقارير الإخبارية حول خوف الآباء على أطفالهم من مخاطر انتشار الإنترنت وانفلات الرقابة الأسرية داخل مواقع التواصل الاجتماعي. الانغماس في عوالم افتراضية قد يكون دافعا قويا إلى الانجراف في علاقات مشبوهة تغرر بالشباب إناثا وذكورا أو تفتح بابا لشكل جديد من أشكال الخيانة الزوجية، مما قد يتحول أحيانا كثيرة إلى وسيلة من وسائل الابتزاز التي قد تنجر عنها عواقب وخيمة بسبب تبادل صور في أوضاع منافية للأخلاق بين شاب وفتاة عبر بعض التطبيقات.

لنفترض أن انقطاعا بالإنترنت قد حصل وأنها اختفت فجأة كما ظهرت فجأة ماذا سيحل بالبشر وبعلاقاتهم الافتراضية؟، كان لهذا الافتراض أن يحظى بالاهتمام لو لا تفطن خبراء التكنولوجيا لهذه الثغرة التي يحاولون سدها بعدد من التطبيقات تعمل دون الحاجة إلى تغطية النت. وبعيدا عن حلول أهل الاختصاص، نجحت الجدة في الحصول على لمة عائلية تبدأ بالالتفاف حول مائدة الطعام وتنتهي على إيقاع الضحكات والنكت المتبادلة داخل غرفة الجلوس، وتختم بعبارات الملاطفة. منحت الجدة أحفادها وأبناءها يوم راحة من واقع صار محتوما، وأضحت العائلات تتكيف معه وتجاري أبناءها حتى لا تنفلت الرقابة الأسرية، فحصلت على العائلة التقليدية التي تصرف كل انتباهها للأحاديث الدائرة بدل الانكباب على الهواتف الذكية.

كاتبة من تونس

21