يوم قورش: دولة التاريخ في مواجهة دولة الدين

يتعامل رجال الدين في إيران بقلق مع الحركات القومية التي تتمسك بتاريخ بلاد فارس قبل الفتح الإسلامي وتعمل على الترويج له وإبقائه حيا، متبعة سياسة الشاه محمد رضا بهلوي، الذي ربط حكمه بحكم قورش العظيم، مؤسس الإمبراطورية الفارسية الأخمينية؛ ويتجلى هذا القلق واضحا من خلال حملات القمع التي طالت، مؤخرا، مجموعة من الناشطين شاركوا في احتفال أطلقوا عليه اسم “يوم قورش”.
الأربعاء 2016/11/02
طواف حول قبر قورش العظيم

طهران - في السنوات التي تلت الثورة الإيرانية وإعادة صياغة البلاد على مقاس حكم آيات الله، اعتقد النظام الإيراني، إلى حد ما، في قلب حياة الإيرانيين وتغيير أسلوب حياتهم وثقافتهم، لكن كشفت التقارير القادمة من الداخل الإيراني أن الإيرانيين يمارسون أسلوب التقية مع حكامهم، فخلف الأبواب المغلقة هناك حياة حيث الرقص والموسيقى واستعادة لذكريات الانفتاح، التي ينساها الإيرانيون بمجرد مغادرة منازلهم.

لكن الشباب الإيراني بدأ يضيق ذرعا بهذه الحياة المزدوجة وبدأ يعلن العصيان على ثقافة التشدد والقمع، ولم يعد يهاب أن بلادهم تتصدر دول العالم في عمليات الإعدام التي تكون علنية، ولم يعد يخشى قمع رجال الأمن لتحركاتهم واحتفالاتهم، ولعل أحدث مثال على ذلك ما حدث منذ أيام قليلة، حين أقدمت مجموعة من الإيرانيين على كسر القواعد التي تمنع إحياء ذكرى قورش الأكبر، مؤسس الإمبراطورية الفارسية الأولى.

ويحيي القوميون الإيرانيون هذا اليوم منذ سنوات عديدة، ولكن ليس بهذه الأعداد الغفيرة، حيث تحدى الآلاف من الإيرانيين السلطات بقيامهم بمسيرة للاحتفال بما أطلقوا عليه “يوم قورش”، وهو ملك فارس القديم الذي يتردد أنه أول من أصدر إعلانا عالميا لحقوق الإنسان في ما يعرف باسم “أسطوانة قورش” ويرجع تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد.

شعارات معادية

خلال الاحتفال، الذي جرى في مقبرة كورش في بلدة باسارغاد، التي تبعد نحو 800 كيلومتر جنوبي طهران، أبدى الكثيرون إعجابهم بقورش، الأمر الذي انتهى ببعضهم معتقلين، ولم تشفع لهم الشعارات المعادية للعرب التي رددوها. وقال المدعي العام لمحافظة فارس، علي صالحي، إن اعتقال النشطاء جاء بسبب الشعارات التي أطلقت خلال التجمع الذي “كسر الأعراف وخالف القواعد”، وفق ما ذكرت وكالة أنباء إيران الرسمية (إرنا).

ونقلت وكالة فارس للأنباء عن علي صالحي، ممثل الادعاء في مدينة شيراز عاصمة الإقليم، أنه تم اعتقال منظمي هذا الحشد، والقادة الرئيسيين للمظاهرات التي تم خلالها ترديد شعارات وصفها بـ”غير تقليدية” أي ضد قيم النظام الحالي، الذي يمنع الاحتفال بشخصيات ما قبل الإسلام، في موقف يرى مراقبون أنه يكشف عن عمق صراع الدين والقومية في إيران.

مستوى قياسي في عدد الإيرانيين الذين شاركوا في الاحتفال بذكرى تأسيس الدولة الفارسية القديمة

ورغم أن النظام الخميني عمل في السنوات الأخيرة على الترويج لأمجاد الإمبراطورية الفارسية، إلا أن الغاية من ذلك، وفق الخبراء، لم تكن سوى الدعاية ومحاولة تضخيم الصورة في الخارج وإخماد القلق الداخلي عبر العزف على وتر القومية لتبرير التدخلات الإيرانية في دول الجوار والتغطية على الأموال الكثيرة التي يتم دفعها للميليشيات المسلحة في الخارج فيما أكثر من نصف الشعب يرزح تحت طائلة الفقر.

ولا يمكن تفسير ترديد المتظاهرين في الاحتفال شعارات تستحضر الشاه محمد رضا بهلوي، آخر حكّام العائلة البهلوية، والذي ركّز على القومية الفارسية ورفع من مقامها على حساب الثقافة الإسلامية في إيران، وتستحضر مختلف المراجع التي تحدثت عنه في ذلك الاحتفال الذي وصف بالأسطوري بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية القديمة على يد قورش الأكبر.

وأقيم ذلك الاحتفال، الذي صُرفت عليه مبالغ ضخمة قدرت بمئات الملايين من الدولارات، خلال الفترة من 12 إلى 16 أكتوبر 1971. ودعا فيه الشاه رضا بهلوي رؤساء وملوك العالم والأمراء، إلى زيارة مدينة برسبولس الإيرانية التي أقيم فيها عرض عسكري ضخم شارك فيه الآلاف من الإيرانيين مرتدين زي الجيش الأخميني.

وبالنسبة إلى الإيرانيين يرمز الشاه أيضا إلى الانفتاح والحرية الاجتماعية في بلادهم، قبل الثورة الإسلامية التي أطاحت به، وغيرت ملامح الحياة في بلاد فارس، وأصبحت إيران “إسلامية” في كل شيء، حتى أن آية الله صادق خلخالي، الذي عينه الخميني بعد يوم واحد على سقوط النظام الملكي قاضيا شرعيا بمحكمة الثورة، اقترح تغيير اسم إيران إلى «إسلامستان»، وفق ما جاء في مقال للكاتب والصحافي الإيراني أمير طاهري.

وتم منع الاحتفال بعيد النيروز، وظل الإيرانيون لعدة سنوات يحتفلون بعيد رأس السنة الفارسية سرا، قبل أن يتم السماح بالاحتفال به علنا، لكن بما يتوافق مع أسس النظام الحاكم. كما حث الخمينيون العائلات على عدم تسمية أطفالهم بأسماء تعود إلى ما قبل الإسلام، وأحيوا ما يناسبهم من العلوم والثقافة الإسلامية التي تطورت في بلاد فارس.

أوضح أفشين مراشي، مدير برنامج الدراسات الإيرانية، وأستاذ في قسم الدراسات والمجالات في جامعة أوكلاهوما، أن عملية إعادة إحياء التاريخ الإيراني وبالخصوص تاريخ قورش العظيم بدأت خلال فترة المئتي سنة الماضية عبر تنظيم لقاءات ثقافية بهائية شهرية في مدينة مور. وقال مراشي إن قورش كتب أول إعلان لحقوق الإنسان في عام 539 قبل الميلاد، على أسطوانة حملت اسمه من بعده.

يوم قورش بين الديني والتاريخي

إحياء التاريخ

لكن، رغم تلك المحاولات، لم ينس الإيرانيون الدولة التي بناها قورش الأكبر؛ إذ يقول أفشين مراشي، مدير برنامج الدراسات الإيرانية في جامعة أوكلاهوما، “الإيرانيون لديهم ذاكرة حديثة جدا بشأن قورش العظيم”، ويتساءل “كيف أصبح لهذا الأمر معنى في وقتنا هذا؟”، ليجيب على ذلك، ضمن تصريحات نقلها موقع ريد ديرت ريبورت الأميركي، أوضح فيها أنه في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، (حكم من 1941 إلى 1979) كانت آثار قورش موجودة في كل نواحي الثقافة الإيرانية، مضيفا أن الإيرانيين لم تكن لديهم إمكانية الوصول إلى مصادر التاريخ الإغريقي القديم خلال فترة العصور الوسطى، وأول ترجمة للمصادر اليونانية إلى اللغة الفارسية بدأت في الخمسينات من القرن الماضي.

وقال مراشي إن المصدر الثاني للتاريخ الإيراني يأتي من الشاهنامه (كتاب الملوك) الذي كتبه الشاعر الفارسي الفردوسي بين عامَي 977 و1010، ولكن لم يكن لقورش العظيم حضور في هذا الكتاب، وهو الكتاب الذي يمجّده النظام الخميني، نظرا لما جاء فيه من قدح ونقد للعرب.

والإيرانيون في العصور الوسطى وعصور ما قبل الحداثة الذين يمتلكون الذاكرة التاريخية التي قدمها كتاب الفردوسي لم يستوعبوا تاريخ قورش العظيم، وفق مراشي الذي يضيف أن المصادر الإسلامية التي تعرضت لشخصيات تاريخية مثل الإسكندر الأكبر لم تذكر قورش العظيم.

وتعتبر المصادر اليهودية من أبرز المصادر التي تحدثت عن قورش الذي وصفته بأنه “محرر اليهود بعد غزو بابل”، لكن الباحث الإيراني يقول “حتى لو عرف اليهود الإيرانيون عن قورش العظيم يبدوا أنهم لن يمرروا تلك المعلومات إلى الطوائف الأخرى في إيران”.

وذكر كتاب تاريخ الطبري قورش عدة مرات، ولكن تمت ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنكليزية فقط في خمسينات القرن التاسع عشر. والطبري مؤرخ فارسي كتب باللغة العربية كتابا عن تاريخ الأنبياء والملوك في عام 915. لكن كتابات الطبري، وفق أفشين مراشي، “تناقض كتابات العهد القديم، ومن غير الواضح كيف حصل الطبري على معلوماته. كل هذا التباين حتى العصر الحديث جعل من قورش العظيم شخصية هامشية”.

بدأ الإيرانيون يقرأون عن تاريخهم ما قبل الإسلامي، بكثافة مع تطور حركة الترجمة في القرن التاسع عشر، واهتمام مؤرخين بريطانيين وفرنسيين وألمان وروس، بتاريخ فارس القديمة، على غرار جون مالكولم، الذي ألّف كتاب “تاريخ من بلاد فارس: من الفترات الأولى إلى الحاضر” في عام 1829.

وجاءت مصادر الكتب الأوروبية عن التاريخ الإيراني من التاريخ اليوناني القديم والعهد القديم، وعلماء الآثار في إيران. وكان البريطاني السير هنري رولينسون هو من فك رموز اللغة المسمارية الفارسية القديمة في منتصف 1850. وقال مراشي “عندما تم فك شفرة اللغة المسمارية الفارسية القديمة توفرت كمية كبيرة من المعلومات عن التاريخ الإيراني الذي لم يطلع عليه أحد من قبل”، من ذلك اكتشاف أسطوانة قورش الأكبر في عام 1878 في العراق.

في نهاية القرن التاسع عشر، بدأ الإيرانيون ينظرون إلى المواقع الأثرية القديمة بطريقة جديدة، وأحسوا بأنهم يجب أن يفخروا بماضيهم. وشكّل ذلك مصدر إلهام لجيل جديد من الكتاب الإيرانيين والمثقفين والمؤرخين. ثم -وفي عهد الشاه محمد رضا بهلوي- ظهر جيل آخر أشدّ تأثرا بذلك التاريخ مثل حسن بيرنيا وشوجادين شفا.

واستخدم الشاه رمز قورش العظيم ليربط بين حكمه وحكم سلفه القديم، وضمّن هذا التاريخ في الكتب المدرسية وأقام الاحتفالات المخلدة له. وقال مراشي إن “قورش الأكبر أصبح قدوة للشاه محمد رضا. وكان أيضا وسيلة للشاه لإضفاء شرعية على سلالته التي تولت الحكم في انقلاب عام 1953″، كما دافع الشاه محمد رضا عن حرية المعتقد للأقليات غير المسلمة التي كانت موجودة آنذاك.

وأضاف مراشي أن الشاه استخدم الرمز أيضا لأغراض سياسية خارجية ليظهر لإسرائيل أن إيران كما في عهد قورش الأكبر صديق للمجتمع اليهودي، وبطريقة أخرى ليظهر للعراق أن إيران غزت بابل (بغداد اليوم) في السابق، وهي مستعدة للرد في حالة ظهور أي عدوان عراقي، وفي هذه النقطة بالذات يلتقي نظام الشاه القومي بنظام الخميني الديني.

12