يوم لشادية يوم لي

السبت 2017/12/02

ماتت شادية فكانت ثلمة نجلاء وقعت على جدار الذاكرة.

أظن وبعض ظني بعض إثم أن الفنان الذي يموت الآن هو فنان غير محظوظ وحظه سيء مثل حظ الشاعر البارحة، فلا بكاء قويا ولا عزاء كبيرا ولا شاشة عرض لتابوت تنحب خلفه الحشود، بعد أن صار الموت في الشرق المريض عادة يومية وتكاد الجنائز تخرج من كل باب فيصير منظر المدينة كئيبا رماديا لكنه لا يكلف الكثير من دموع الوفاء.

في زمان الأبيض والأسود النقي النبيل، كنا نبكي على شاديتنا الجميلة وهي لم تمت بعد.

كنا معها ليلة جرحها صلاح قابيل ومحمود مرسي وشكري سرحان وعباس ابن أخت نبوية القاسية، بل وقفنا حتى ضد كتلة عاطفة تمشي على قدمين واسمها عبدالحليم حافظ، ليلة طعنها بأغنية “بلاش عتاب يا حبيبي” وكانت عيناها الساخنتان تريدان أن تقول لحليم أنا التي طلبت من الناس أن يغنوا خلفك “قولو لعين الشمس ما تحماشي، لحسن حبيب القلب صابح ماشي” ثم صعدنا فوق تلة “اللص والكلاب” وتوسلنا كمال الشناوي أن لا يقتل حبيبها سعيد مهران، لكن دون جدوى حيث نامت طلقات الشاويش وانتهت الحكاية.

شيء ما قد سقط من تلك اللوحة البعيدة. التلفزيون الخشبي ذو اللمبات وجلسة الأب المهيبة في حوش الدار. جرة تبريد الماء المعمولة من فخار والتي يسميها أهل العراق الحِب وابنتها الأصغر الحُبّانة وتحتها صينية الرقّي والبطيخ، والأم العظيمة وهي منشغلة بتخدير الشاي، بانتظار فقرة فيلم السهرة، الذي ستشاهده العائلة بشغف وقلق ثم يصعد الجميع إلى سطح البيت وأرضه التراب التي إن رششتها بماء لهطلت عليك بعطر لا شبيه له.

في فقرة فيلم السهرة الطيبة، كان دائما ثمة من شاهد الفيلم من قبل، وهنا سيقوم هذا الولد المشاكس بدور قتل المفاجأة، فبينما نحن ننتظر مصير البطل أو البطلة، سيقول لنا هذا الكائن المزعج، إنّ شادية المسكينة ستموت وإن محمود ياسين سيتزوج وبعد قليل سنستمع إلى بكائية دامية هي “لا لينا أهالي يابه يسألوا علينه، ولا قلب حنيّن واحد في اللي حوالينه، وبنبكي في قلوبنه يابه ولا دمعة في عنينا يابه”.

ماتت شادية وأيام الرومانس البديعة لكننا لم نخسر الكثير من الدمع، فلقد امتلأت خيام البلاد بأكداس من شاديات لا عزاء لهن ولا من مجيب.

24