يونس السلطاني: الدعوة إلى إلغاء وزارة الثقافة باطلة وأصحابها أناس حاقدون

القاص يونس السلطاني يؤكد أن القطاع الثقافي بمختلف نشاطاته وتنوع فضاءاته سيبقى رغم تواضع الإمكانيات تلك العلامة المضيئة وسط عتمة هذا الزمان.
الخميس 2020/04/23
النص القصصي سيرة مشفرة

طيلة العشرية الأخيرة في تونس والقاص التونسي يونس السلطاني رفيق المثقفين والكتّاب الجدد والقدامى، حيث فتح أمام جميع المواهب والتجارب أبواب مجلة “الحياة الثقافية” التي تصدرها وزارة الثقافة التونسية، لتقدّم مشهدا ثقافيا كان مكتوما طيلة السنوات الماضية. كما أصدر السلطاني عددا من مجموعاته القصصية ليخط له تجربة مختلفة. “العرب” كان لها هذا الحوار معه حول الكتابة والصحافة الثقافية.

نبدأ حديثنا مع القاص والكاتب التونسي يونس السلطاني من مجموعته القصصية الأخيرة “الممضي حضرة زماني” والتي يمكن اعتبارها قصصا خارجة من ذاكرة طفل، يقول السلطاني “من المعلوم أن العديد من الكتّاب اعتمدوا في مؤلفاتهم على ذاكرة طفولتهم بحلوها ومرّها، بما حوته من مشاهد بهجة ولحظات حزن، وهي كتابات توسم بالدقة من حيث نقل الأمكنة والشخصيات والأحداث التي تبدو كأنها ولدت من جديد وغالبا ما يلجأ إليها القارئ للصدق الذي يلمسه فيها”.

ويضيف “من منطلق هذا الصدق والدفء والوجدان يمكن تنسيب ‘الممضي حضرة زماني‘ باعتبار وأن قصصها لا تخلو أيضا من الحيوية والواقعية ولعل القارئ انتبه أو سينتبه إلى ذلك، وأشير هنا إلى رأي بعض الدارسين ممن اطلعوا على هذه المجموعة أو غيرها من نصوصي التي سبقت أو لحقت هذا الأثر، إذ وقفوا عند أسلوبي السردي في فتح شبابيك الذاكرة، ولكنها ذاكرة ليست بمفهومها الماضوي الذي تنضجه الأيام والسنين بل ذاكرة مستقرئة لجديد إفرازات الحاضر الذي يذكّيه صراع الحياة اليومية”.

القصص والرؤى

بدءا من عتبة النصّ الأولى “الممضي حضرة زماني” يتبين للقارئ أن زمن الحكي ورد عاريا من كلّ تعيين عاديّ للزّمن، كما يقول السلطاني، حيث لم يرتبط بمرحلة طفولة أو ما بعدها، لم يرتبط عنوان هذه المجموعة بيوم محدد أو بشهر معلوم ولا بعام بعينه.

ويتابع “هو ‘حضرة زماني‘ ليس أكثر. لكن تعترض القارئ بعض القرائن اللّفظيّة المنثورة في سطور القصص ليستطيع دون مشقة تحديد الزّمن الذي قصدته ويكتشف أنه تلك السّنوات التي عقبت تاريخ الرّابع عشر من يناير. أي تلك الفترة التي أطلق عليها اسم ثورة الحرية والكرامة في تونس، هو ذاك الزمان، زمن الصّراع الأيديولوجي والسياسوي. زمن الانفصام القيمي والثقافي وتلك السلوكيات التي عانى منها المجتمع التونسي ومازال”.

حول قدرة القصة القصيرة اليوم على نقل رؤى كاتبها، يقول السلطاني “لنتفق أن الكتابة والصياغة والأحداث هي من صنع السارد، في حين أن المواقف هي من شأن القارئ. أعتقد أنه حين يكون الكاتب قادرا على توظيف مختلف خصائص الكتابة القصصية بدءا من عتبة العنوان مرورا بالمتن القصصي وصولا إلى تحقيق متعة القراءة لدى القراء المحتملين فإن نقل الرؤى، سواء تلك التي يحملها كاتب الأثر أو تلك التي يتمثّلها، تصبح ممكنة لدى المتلقي. هذا الأخير الذي يحرص وفقا لمرجعياته الثقافية والمعرفية والاجتماعية على تفكيك مفردات المتن السردي ويملأ بتأملاته الفواصل والبياضات التي لم يكشف عنها المؤلف بشكل مباشر وصريح”.

قصص خارجة من ذاكرة طفل
قصص خارجة من ذاكرة طفل

ويتابع القاص “من هنا يكون النص القصصي بمثابة السيرة اليومية المشفرة، سيرة الكاتب من جهة في صراعه مع ذاته ومحاكاته للواقع الإنساني ومن جهة أخرى سيرة المتلقي وهو يستنطق بتشوق الأثر محاولا الإجابة عن الأسئلة التي أملتها الأحداث والأفعال في المتن القصصي وهي بالأساس كيف ولماذا ومتى وأين؟ ومن ثمة يتحقق ذاك التغيير الفكري أو السلوكي الذي وضعه الكاتب صوب مشروعه السردي وتوسل الأسلوب المناسب واللغة السليمة والقيم الإنسانية بغاية إيصالها إلى ‘قارئ متربص‘. وحتى وإن اتخذت الذات الساردة موقعها على مسافة من مواضيع الحكي فإن المؤلف يكون قد ترجم أفكاره ورؤاه عبر تلك الرسائل المبثوثة والموكول للقارئ فك شيفراتها“.

أحيانا تحضر اللغة وتغيب الحبكة وأحيانا يحدث العكس، في سؤالنا ليونس السلطاني حول علاقة اللغة بالحبكة، يجيبنا بأنه “لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن نص قصصي جيد دون توفّر عنصر الحبكة الذي يعتبر أهم عناصر الكتابة القصصية. فالحبكة باعتبارها سلسلة الأحداث المتشابكة التي تصل بداية القصة بذروتها فانفراجها، هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى القارئ، فكلّما صمّم القاص عنصر الحبكة بكل عناية كلّما ضمن تحقيق التأثير المنشود في نفس المتلقي”.

أما عن اللغة في الكتابة القصصية، فيرى أنها كما بقية الأجناس الأدبية، فإنها تمثّل أداة إنجاز الأثر الإبداعي برمّته، ومن البديهي في هذا السياق أن يتوفر القاص والكاتب عموما على زاد لغوي يتيح له أن يختار الدلالة الأساسية للألفاظ اللغوية سواء تلك المباشرة أو تلك، وهذا هو الأهم، الألفاظ الإيحائية المخاتلة التي تدفع بالقارئ إلى استقراء عوالم أخرى غير تلك الصورة الانطباعية. وهنا يكمن ذكاء القاص الذي ينجح بتوظيف لغته وتحبيك سرده في شحن نصه وتوليده في فكر المتلقي وخياله.

ويشدد القاص التونسي على أنه لا وجود لمفاضلة بين اللغة والحبكة، فهما عنصران متلازمان لكتابة نص قصصي مميز.

وحول واقع القصة القصيرة التونسية، يقول السلطاني “ربما من باب شعوري بالانتماء إلى هذا الجنس الأدبي أسجّل ارتياحي لارتفاع منسوب الاهتمام بالقصة القصيرة، حيث نُشرت المئات من القصص وصدرت العشرات من المجموعات القصصية خلال السنوات الأخيرة لعديد الكتّاب التونسيين، منهم من اقتحم حديثا عالم القصة، وهذا مؤشر إيجابي يبعث الأمل في مزيد تطور هذا الجنس في قادم الأعوام كمّا وكيفا”.

لكن السلطاني يلاحظ أن هذا الجهد الذي يذكر فيشكر في ترسيخ المدونة القصصية التونسية لم يرافقه اهتمام النقاد والدارسين بالقدر الكافي، فلم تجد القصة حظها في البحوث ورسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه مثلما هو شأن القص في دول عديدة. في تونس الشعر والرواية حظيا باهتمام أكبر وتركيز من النقاد أكثر من بقية الأجناس. وهما جنسان أدبيان عرفا انتشارا واسعا وصفه البعض بالإسهال، كما يقول.

ويضيف “نأمل الاهتمام أيضا بالقصة التونسية بأن تُنظم ندوات علمية ومسابقات حولها وأن تُدرج ضمن مسالك البحث الأكاديمي، وذلك درءا للتحقير وحصول خيبة أمل لدى كتّاب القصة وما قد ينجرّ عنه من عزوف وتراجع في مستوى هذا الجنس الأدبي”.

نسأل القاص إن كان يفكر في كتابة رواية، فيجيب نافيا “في الوقت الحاضر لا أعتقد ذلك. فرغم نشري لعديد الأقاصيص وبنهاية هذا العام أكون قد أصدرت أربع مجموعات قصصية، إلا أنني أشعر بحاجة لمزيد الغوص في ميكانيزمات السرد وخصوصا القصة القصيرة جدا. شغفي بذلك يجعلني متأكدا من عدم خيانتي لجنس القصة على الأقل في المستقبل القريب”.

الثقافة في تونس

يعتبر يونس السلطاني من أبرز الأسماء الصحافية الثقافية، حيث يدير على مدى هذه السنوات مجلة تونسية عريقة هي “الحياة الثقافية” التي استضافت تقريبا جل كتّاب تونس وكتّابا عربا كثيرين، نسأله كيف يوفّق في الجمع بين العمل الصحافي والكتابة الإبداعية؟ فيجيبنا “نعم هناك صعوبة خاصة من حيث ندرة الوقت، فكل وقتي يذهب تقريبا لصالح عملي اليومي بالمجلة سواء كان في مستوى التحرير أو المتابعة المطبعية، لذلك تجدني قليل الكتابة الإبداعية. لكن أحاول قدر الإمكان استغلال ما تيسر من وقت لتحبير أقصوصة أو ما شابه”.

“الحياة الثقافية” أبرز منبر ثقافي تونسي تعيش اليوم في أزمة، يحدثنا السلطاني عمّا تعيشه اليوم من مشاكل قائلا “عديدة هي الصعوبات التي تمرّ بها ‘الحياة الثقافية‘، بدءا بعدم خلاص المطبعة مرورا بعدم تمكين المساهمين فيها من مستحقاتهم الزهيدة لعشرات الأعداد وصولا، وهذا مهم، إلى افتقارها لهيكلة إدارية ومالية واضحة المعالم تساعد على التصرّف بمرونة وتكرّس استقلالية المجلة”.

ويأمل السلطاني أن تتحرك وزارة الثقافة في عهدتها الجديدة لحلحلة كل العقبات المذكورة وتدعم المجلة من حيث الموارد المادية والبشرية، وتبعث موقعا إلكترونيا خاصّا بالحياة الثقافية.

جميع المثقفين التونسيين منشغلون هذه المدة بحال المجلة التي كانت منبرهم الأول، وحول رؤيته لمستقبلها في هذا الظرف الصعب، يقول السلطاني “تعتبر ‘الحياة الثقافية‘ أجمل هدية أدبية تقدّمها الدولة التونسية منذ سنة 1975، تاريخ بعث المجلة، إلى الكتّاب التونسيين. وقد ضحّت أجيال كثيرة من أجل استمرارية صدورها وانتظام دوريتها وإثراء محتواها، لذلك من واجبي كرئيس تحرير المحافظة على هذا المكسب ومزيد تطويره والأكيد أنه بمجرد استقرار الوضع بعد زوال هذه الجائحة ‘كورونا‘ ستعود الحياة الثقافية إلى الصدور”.

الكتابة والصياغة والأحداث هي من صنع السارد في حين أن المواقف هي من شأن القارئ

وراجت في الآونة الأخيرة دعوات إلى إلغاء وزارة الثقافة، نسأل القاص حول رأيه في هذا وهو من أبناء هذه الوزارة فيقول “نعم باتت وزارة الثقافة اليوم مستهدفة أكثر من أي وقت مضى. فلم نسمع بهكذا أصوات قبل هذه العشرية ‘الثورية‘. ذلك أن الدعوة إلى إلغاء وزارة الثقافة رافقت سنوات ما اصطلح على تسميته بثورة الحرية والكرامة. ومن المعلوم أن أغلب هذه الأصوات لها من الحقد والكراهية لكل مظاهر الحياة وتجلياتها خاصة الفعل الإبداعي في شتى مجالاته من مسرح وموسيقى وسينما وفنون تشكيلية وكتابة الشعر والنثر والنقد. هم لا يريدون لهذه الفنون التنويرية أن تستمر في الوجود حتى يعمّ الجهل والفوضى والعنف.. لكن لا أعتقد أن دعواتهم السخيفة تلك قد وجدت تفاعلا ولن تجد رواجا وسط عموم الشعب التونسي المؤمن بتاريخه وقيمه والمستمر في تمسّكه بالحياة”.

ويتابع “هناك أيضا في سياق مماثل قلّة أخرى من الأفراد أو الجمعيات ممن يتحفظون على كيفية إدارة وزارة الثقافة، وربما ذلك مردّه بالأساس منظومتها التشريعية التي أكل عليها الدهر وشرب، وأصبحت تعيق عمل الوزارة بالشكل المأمول وتبعث الشكوك لدى المتعاملين مع الشأن الثقافي”.

في الختام يقول يونس السلطاني “سيبقى القطاع الثقافي بمختلف نشاطاته وتنوع فضاءاته من دور ثقافة ومكتبات ومعاهد الموسيقى ومراكز الفنون الدرامية وقاعات السينما وأروقة الرسم والمنشورات الأدبية والمعالم والمتاحف. سيبقى رغم تواضع الإمكانيات تلك العلامة المضيئة وسط عتمة هذا الزمان”.

15