يونيو 1967.. يونيو 2017.. هزيمة مقيمة

الأربعاء 2017/06/07

الاثنين الماضي كان اليوم المتمم للخمسين عاما الأولى لكارثة 1967. يطيب لمن عاشوا أجواء الحلم السابق عليه أن يسموه “نكسة”، أما غير المثقلين بالحلم الناصري فيرونه هزيمة.

وأن يلقبَ أعمى بالبصير لا يعني قدرته على الرؤية، وأن يسمى ما جرى في 5 يونيو 1967 نكسة لا ينفي أنها هزيمة. حتى لو استمر النظام، مستندا إلى الخروج الكبير للجماهير في مصر والعالم العربي تطالب القائد المهزوم بالبقاء، فهذا الوعي الشعبي الفطري لا يعفي القيادة من المسؤولية عن “الهزيمة”، وقد تحملها جمال عبدالناصر في خطاب التنحي.

لم تبدأ مقدمات 5 يونيو بسحب القوات الدولية من سيناء. يسجل إسماعيل فهمي في مذكراته أن عبدالناصر “اتخذ قرار طلب سحب قوات الأمم المتحدة من سيناء دون استشارة أي شخص في وزارة الخارجية.. أصدر تعليماته ببساطة إلى وزير الحربية لينقل الرسالة إلى الجنرال ريكي كبير مراقبي الأمم المتحدة”.

وإنما كانت الهزيمة ثمرة دامية لتوحش وتغول “دولة المخابرات”، وليس الاصطلاح جديدا، ولكن عمره من عمر الهزيمة، إذ أطلقه عبدالناصر في مجلس الأمة، في ما يشبه الاعتذار عن سلوك “دولة المخابرات التي تغلغلت وانحرفت.. أعتبرُ أن هذه الدولة سقطت”، وإن لم يشر إلى مسؤوليته عن عدم الانسجام بين أجهزة الدولة، وتجاهل وزارة الخارجية في أداء مهمة من صميم اختصاصها.

المقارنة بين مشهدين بينهما خمسون عاما لا تدعو إلى تفاؤل قريب. في يونيو 1967 كان في العالم العربي عرش واحد على الأكثر يتحالف مع قوة عظمى تدير المشروع الصهيوني، وعرش واحد على الأقل يتواطأ استعجالا لسقوط مصر عبدالناصر، أما تنظيم الإخوان فانتشى بالهزيمة تشفيا في التجربة الناصرية.

وبعد ثلاثين عاما على الهزيمة سيقول الشيخ متولي الشعراوي في حوار تلفزيوني إنه علم بالهزيمة وهو في الجزائر، فسجد لله شكرا “فرحت أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية، لأصبنا بفتنة في ديننا، فربنا نزهنا”.

في يونيو 2017 تفككت دول وانهارت جيوش في مقابل صعود سافر لميليشيات اختطفت دولا ورهنت شعوبا، وصارت أقوى من بقايا الجيوش النظامية، وأعلنت عن ولاء صريح عابر للحدود أو غائم موغل في الأزمنة.

كما غامت الرؤى عن الشعوب التي أجمعت منذ خمسين عاما على أن إسرائيل هي “العدو”، وراهنت على الحرب وسيلة لاستعادة الأرض المحتلة.

ومن السذاجة أن تستعاد الأرض المحتلة في ظل فوضى تهدد بقاء الدول نفسها، بعد تفجر الحروب الأهلية العربية، واختلاق أعداء وهميين، وتناسي العدو القديم القائم، والاستقواء على جار الأمس بصفقات أسلحة ربما لن تخرج من المخازن.

في يونيو 2017 تواصل 22 دولة عربية توسلها إلى إسرائيل لكي تعود إلى خطوط 4 يونيو 1967. موقف رسمي معلن منذ القمة العربية في بيروت 2002 ويكتسب حاليا مظلة أميركية، أما غير المعلن فهو ترتيبات مع إسرائيل، وعلاقات اقتصادية وزيارات لا تخلو من الود، وإنفاق ببذخ يغطيه إعلام احترافي تحقيقا لرغبة غير خفية في سقوط مصر لكي تضبط إيقاعها على التوقيت الأميركي، وكأنها خرجت من الفلك الأميركي.

“في ذكرى خمسين عاما “على”- الأكثر دقة “من”- هزيمة العقل العربي والجيوش العربية، لم تفكر عاصمة عربية في تنظيم ندوة علمية تبحث أسباب الهزيمة وتفكك عناصرها، وفي مقدمتها تغييب المواطن الفرد الواحد الأحد لصالح الجهاز الأمني الباطش، وهل تراجعت هذه العناصر أم تضاعفت؟

العالم العربي لا ينقصه التسليح العسكري، ولكنه يفتقر إلى التسلّح بالوعي الحضاري بداية بالحق الآدمي في الصحة والتعليم والثروة والعمل، وإطلاق طاقات الخيال وفتح آفاق الحريات وتكافؤ الفرص في تولي الوظائف من أدنى السلم إلى أعلاه.

لا مجال لأي خيال أو تقدم في ظل تحالف نظام بوليسي مع جماعة بوليسية. في نهاية أكتوبر2010 هاجمت إسرائيل “أسطول الحرية” المتجه إلى قطاع غزة، وكان يضم سفن إغاثة منعتها قوات مشاة البحرية من الوصول إلى القطاع وأوقعت قتلى وجرحى.

وفي مظاهرات بالقاهرة احتجاجا على هذه البلطجة الإسرائيلية هتف الإخوان بفداء فلسطين وغزة بالروح والدم، وقدموا التحية لرجب طيب أردوغان، متجاهلين استمرار تركيا أكبر حليف اقتصادي وعسكري للعدو الصهيوني.

ولم تتردد فصائل اليسار في تسمية الأشياء بأسمائها؛ فحصار غزة ليس عملا ارتجاليا تقوم به إسرائيل التي استمرأت قتل مواطنين وجنود مصريين على الحدود المصرية الفلسطينية، وفي السنوات العشر الأخيرة لحكم حسني مبارك قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 20 مصريا منهم 13 ضابطا ومجندا، استشهدوا في غير حرب، كما استشهد مواطنون وهم يجمعون الزيتون، وأطفال يلعبون أمام بيوتهم في رفح.

ومع كل جريمة نكتفي بضبط النفس، في عجز وتواطؤ صامت مع القتلة. في المظاهرة قال كمال خليل إننا لن نتمكن من تحرير فلسطين وتقديم مساعدة حقيقية لأهلنا في غزة، “إلا إذا اتحدنا كلنا من أجل إسقاط نظام الدكتاتور حسني مبارك”، وهتف بسقوط مبارك، فاعترض ممثلو الإخوان في المظاهرة وغيروا الهتاف، فصار “على غزة رايحين شهداء بالملايين”.

في 9 أبريل 2003 سقطت بغداد واختفى صدام حسين. وفي 20 أكتوبر 2011 قتل معمر القذافي. اختفاء بلا وداع وموت بلا عزاء، بعد طيّ صفحة دامية لم تحث مواطنا على المناداة ببقاء هذا أو الترحم على ذاك. من حسن حظ عبدالناصر أن الشعب عصمه من مصير مماثل خططت له القوى الإمبريالية، رغبة في ضرب تجربة وطنية في الاستقلال السياسي والاقتصادي تشمل تعميم التعليم وتحديث الصناعة والزراعة، ليلحق بمصير محمد علي، ولكن الشعب المقهور المحروم من ثمار دولة الباشا لم يخرج لنصرته على القوى الإمبريالية عام 1840، وانحاز إلى عبدالناصر رغم المعاناة من “دولة المخابرات”، واستعلى على الألم، متوعدا بالحرب.

بقيت من محمد علي وعبدالناصر والاتحاد السوفييتي أفكار يمكن تطويرها، ولكن التجارب الثلاث تجاهلت فطرة الإنسان الفرد على الحرية، فلم تصمد في مواجهة قوى الرأسمالية، ولم تكن الآلة البوليسية إلا أداة لإطالة عمر التجربة إلى حين.

تؤكد هذه التجارب أن حرية المواطن يجب أن تكون مقدسة، وأن تقدم على أي شيء يطلق عليه استسهالا “المصلحة العليا للدولة”، وأن المعركة الحضارية والعسكرية مع العدو لا بد أن يخسرها شعب يشعر بالتهميش والإهانة ويهدد بالاعتقال ولا يثق في الجهاز القضائي، فالأحرار وحدهم ينتصرون، أما غيرهم فسوف “يعيدون السنة” وينهزمون، ويبحثون للهزيمة عن اسم آخر.

روائي مصري

8