ييري مينزل: عودة المتمرد من "ربيع براغ" إلى الهولوكوست

الفيلم الأول لييري مينزل يُتوّج بجائزة أحسن فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار ،في إشارة لا تغفلها العين على جرأة الفيلم واجترائه على نقد "النظام" من خلال أسلوب فني متميز.
الأحد 2018/03/04
ييري مينزل: عرف بأفلامه الكوميدية الساخرة

في العام الماضي احتفى مهرجان روتردام السينمائي الدولي بأحد أعلام السينما التشيكية الجديدة، أي المخرج المخضرم يان نيمتش وعرض آخر أفلامه وهو “الذئب من شارع تكعيبة العنب الملكية” (2016) الذي يروي فيه قصة حياته من خلال أسلوبه الذي يمزج بين الروائي والتسجيلي، الخيالي والسوريالي. وهذا العام احتفى مهرجان برلين بقامة أخرى كبيرة من قامات السينما التشيكية هو المخرج ييري مينزل، ومنحه جائزة الكاميرا الذهبية كما عرض أحدث أفلامه ولكن كممثل وليس كمخرج، وهو فيلم “المترجم”. وقد حضر مينزل إلى المهرجان يوم 23 فبراير الذي صادف الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين.

كيف مضى الزمن بمثل هذه السرعة؟ وما الذي حدث خلال خمسين عاما منذ أن تفجرت موهبة ييري مينزل الشاب الذي صدم العالم بفيلمه الروائي الأول “قطارات تحت الحراسة المشددة” عام 1966 ولم يكن قد تجاوز الثامنة والعشرين من عمره؟ كان مينزل مع رفاقه يان نيمتش وميلوش فورمان وايفالد شورم وفيرا كيتلوفا وإيفان باسر، قد دشنوا حركة السينما التشيكية الجديدة. وكانت بمثابة ثورة على التقاليد العتيقة لما عرف بـ”الواقعية الاشتراكية” التي تقوم على تمجيد البطل الإيجابي، ابن الطبقة العاملة، وتلتزم بالدفاع عن تقاليد ومبادئ الحزب الشيوعي. أما الموجة التشيكية الجديدة فقد جاءت نقيضا لذلك، ونتاجا لشعور متصاعد وقتذاك، بالغضب والرغبة في الانتفاض على تلك الهيمنة الفكرية التي كان يمارسها الحزب على الأدباء والفنانين في تشيكوسلوفاكيا، وكانت الأفلام الأولى لمخرجي الجيل الجديد إيذانا بحركة الاحتجاج السياسي واسعة النطاق التي بلغت ذروتها في ما عرف بـ”ربيع براغ” في 1968 الذي انتهى بدخول القوات السوفيتية العاصمة.

جاء ظهور ييري مينزل بفيلمه الأول “قطارات تحت حراسة مشددة” ومضى ليحصل على جائزة أحسن فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار في إشارة لا تغفلها العين على جرأة الفيلم واجترائه على نقد “النظام” من خلال أسلوب فني متميز.

لكن الفيلم ليس عن الحزب الشيوعي، بل يستخدم مخرجه خلفية الحرب العالمية الثانية والاحتلال الألماني النازي لتشيكوسلوفاكيا، للتعبير المجازي عن الغازي، المحتل، القاهر الذي يجب مقاومته، ولكن ليس من خلال صنع أبطال خرافيين على الشاشة، بل من خلال توظيف العلاقة بين التحرر الجنسي والتحرر السياسي.

بطل الفيلم شاب يدعى ميلوش، يعمل مشرفا على محطة نائية للقطارات تمر عبرها أحيانا القطارات الألمانية المحملة بالأسلحة والذخائر. الزمن قرب نهاية الحرب العالمية الثانية. الألمان مازالوا يتعجرفون ويفرضون الانضباط العسكري رغم الهزيمة التي تلوح. وميلوش ينتمي لعائلة من الذين اشتغلوا بالسكك الحديدية وخبروا عالم القطارات. كان جده ناظرا للمحطة وقد تصدى لإحدى دبابات الألمان وحاول تدميرها فسحقته تحت عجلاتها. واستقال والده واعتزل العمل بالقطارات وأصبح يقضي يومه مستلقيا على الأريكة لا يريد أن يتحدث مع أحد بعد أن أصابه الاكتئاب.

الفيلم يتضمن الكثير من المشاهد التي تسخر من البيروقراطية، كأن نرى أحد مفتشي القطارات يختم مؤخرات الفتيات بالخاتم الرسمي

ميلوش يحاول إقامة علاقة جنسية مع فتاة جذابة تعمل مفتشة قطارات. لكنه يفشل معها، فيعتقد أنه لا يصلح للعلاقات الجنسية فيحاول الانتحار، لكن طبيبا من أصدقاء الأسرة، يقوم بدوره المخرج ييري مينزل نفسه، ينصحه بالتفكير أثناء ممارسة الجنس في أشياء بعيدة تماما عن “الهدف الجنسي” المباشر، كأن يفكر في مباراة كرة قدم مثلا، كما ينصحه بالبحث عن امرأة مجربة يمكنها مساعدته. يرفض مدير المحطة السماح له بالاستعانة بزوجته، ثم يعثر على فتاة تعمل ضمن صفوف المقاومة ضد الألمان، ينجح معها فتتحول حياته وينتهي إلى الالتحاق بدوره بالمقاومة فيقوم بتفجير قطار ألماني محمل بالذخيرة تعبيرا عن النضج السياسي المتلازم مع التحقق الجنسي.

يتضمن الفيلم الكثير من المشاهد التي تسخر من البيروقراطية، كأن نرى أحد مفتشي القطارات يختم مؤخرات الفتيات بالخاتم الرسمي.

كان موضوع كهذا في تلك الفترة أكبر من أن يمر على الرقابة التي وجدت فيه الكثير من الإشارات الرمزية التي تهجو بيروقراطية الحزب مع الجرأة في استخدام الإشارات الجنسية في فيلم يفترض أن يتمتع بقدر من “البيوريتانية”. لذلك تعرض الفيلم للمنع من العرض لبعض الوقت، لكنه عرض على نطاق واسع في نوادي السينما والمهرجانات الدولية في العالم.

ييري مينزل كما أشرت، يمارس التمثيل إلى جانب الإخراج. وقد أخرج حتى الآن 29 فيلما من بينها عدد من الأفلام القصيرة أخرجها في بداية مسيرته السينمائية. ومن أشهر أفلامه بعد “قطارات..” فيلم “صيف متقلب” (1967) وهو أيضا من نوع الكوميديا السوداء الساخرة شأن معظم أفلام مينزل، ويروي فيه كيف تنقلب تماما حياة ثلاثة من الأصدقاء ذهبوا لقضاء عطلة بجوار بحيرة، يسبحون ويلهون، وعندما يظهر لاعب سيرك وبصحبته فتاة جميلة هي مساعدته، يحاول الرجال الثلاثة اغواء الفتاة الجميلة بشتى الطرق، لكن اللاعب هو الذي ينجح في إغواء زوجة أحد الرجال الثلاثة. نتيجة هذه المفارقات تتغير حياة الجميع ولا تعود نظرتهم القديمة إلى عالمهم كما كانت. يقوم بدور لاعب السيرك الذي يسير على الحبل ويمتلك موهبة محدودة ييري مينزل نفسه.

قام مينزل بالتمثيل في نحو 70 عملا دراميا وفيلما سينمائيا، من أحدثها فيلم “المترجم” الذي أخرجه المخرج السلوفاكي مارتن شوليك، وهو من الإنتاج المشترك مع ألمانيا وتدور أحداثه في مناطق مختلفة ريفية بديعة من سلوفاكيا، ويشترك في بطولته أمام مينزل الممثل الألماني بيتر سيمونشيك الذي سبق أن تألق في فيلم “توني إيردمان”. والفيلم بأسره يعتمد على بطليه الاثنين، مع شخصيات ثانوية قليلة للغاية. يقوم مينزل بدور “علي أونغار” وهو يهودي سلوفاكي جاء إلى النمسا للبحث عن الضابط النازي الذي يعتقد أنه كان مسؤولا عن قتل والديه في “الهولوكوست”. وعندما يطرق باب شقة الرجل، مسلحا بمسدس، يفتح له رجل في نهاية الستينات هو ابن الرجل الذي يبحث عنه. يقول له هذا الابن ويدعى “جورج” إن الرجل الذي يبحث عنه قد توفي.

يتحايل “علي” لدخول الشقة بدعوى أنه يريد الذهاب إلى الحمام، لكنه يريد أن يتأكد أولا من اختفاء الرجل كما يريد أن يلم بطبيعة هذا المنزل الذي عاش فيه قاتل والديه. وعندما يعلم جورج بسبب قدومه وبأنه يهودي فقد والديه في الحرب يطرده فيضع له “علي” نسخة من الكتاب الذي ترجمه عن حياة والده في صندوق البريد مع عبارة تصمه بالعداء للسامية. ما يحدث بعد ذلك أن يتصل جورج بهذا اليهودي ويقابله ويطلب أن يصحبه في جولة إلى سلوفاكيا لمعرفة الأماكن التي عاش وعمل فيها والده الذي يقول إنه شطب على حياته من زمن بعيد ونسى كل ما يتعلق به وبماضيه الكريه. إنه يحاول أن يثبت له أنه ليس كما وصفه معاديا للسامية. ويتفق جورج مع الرجل على أن يعمل مترجما له مقابل أجر يومي معلوم.

فيلم طريق

أصبحنا إذن أمام فيلم طريق يجمع يهوديا هو ابن لوالدين من الذين هلكوا في الهولوكوست، وابن لضابط نازي يريد أن يستعيد ماضي والده ويواجهه وربما يكفر عنه أيضا. طبيعة الموضوع القاتمة لا تسمح بالكوميديا ولكن رغم ذلك ينجح المخرج في خلق الكثير من المواقف الطريفة بين الرجلين، من خلال التناقض بين شخصيتيهما، فالنمساوي يتمتع بروح المرح، والإقبال على الحياة، والرغبة الدائمة في مداعبة الفتيات، واحتساء الخمر والرقص وغير ذلك. وهو يقول إنه سيتولى الإنفاق على الرحلة لكنه سرعان ما يقع ضحية السرقة من جانب فتاتين ذهبتا معه إلى غرفته في الفندق وهو ثمل، فيضطر “علي” إلى تغطية النفقات مع مواصلة الرحلة.

التناقض بين الشخصيتين هو أساس الفيلم، فبينما يميل جورج للعبث، يلتزم علي بالتجهم والعبوس، يرفض الاستجابة للمداعبات، لا يتخلى بسهولة عن دور المترجم المحترف، لا يريد أن يقيم علاقة صداقة مع ابن قاتل والديه الذي يقول له بكل بساطة في البداية إن والده قتل المئات من الأشخاص وإنه لم يعد يريد أن يعرف شيئا عن ماضيه. وعلى الرغم من المناظر الخلابة التي يعبرها الرجلان خلال الرحلة، إلا أن هناك شيئا ما يظل معلقا في المنتصف يدور حول سؤال: وماذا بعد؟ أي ما الذي سيحدث لهما بعد كل هذه الرحلة، خاصة وأننا لا نشاهد الكثير عن ماضي الأب النازي، باستثناء مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة، ومع استجواب شخص أو اثنين نفشل في تكوين صورة محددة واضحة عن ذلك الوحش النازي، بل نستمع فقط إلى بعض القصص الشفوية عن عمليات القتل والحرق حسب الروايات التقليدية المعتادة عن الهولوكوست.

يلتقي الاثنان في القرية التي ينتمي إليها “علي” بابنة الأخير “إديتا”، وهي شابة تستنكر بشدة أن يصادق أبوها “ابن النازي”.. لكنه يجيبها بأن جورج لم يكن نازيا، بما يعني أن من الخطأ تعميم الحكم أو سحبه على جيل الأبناء الذين لم يكن لهم ذنب في جرائم الماضي. وهي رسالة الفيلم التي يتمسك بها حتى النهاية، لكن نتيجة لشعور ما بأن هذا لا يكفي، وأن على “ابن النازي” أن يثبت حقا تخلصه التام من الماضي، ينتهي الفيلم بمفاجأة غير متوقعة وصادمة، ربما تقلل بعض الشيء من قيمة الفيلم، عندما نكتشف في المشهد الأخير بعد عودة جورج من الرحلة إلى بيته، أن والده “النازي القديم”، مازال حيا، وهو يرقد على فراش الموت، فيصر الابن على أن يرغمه على الاستماع لشهادات نساء ممن نجوا من الموت في معسكرات الاعتقال. ثم يضع المسدس (الذي حصل عليه من علي) بجواره لكي يتيح له أن يصنع نهايته بيده. وهي نهاية من نوع تحصيل الحاصل بالطبع.

تنتج الكوميديا في البداية من تناقض الشخصيتين الرئيسيتين، ثم يتحول الفيلم قرب النهاية إلى دراما أكثر جدية، ربما تليق بموضوع جوهره البحث في الهوية، والنبش في الذاكرة، والرغبة في الوصول إلى الحقيقة بغرض التصالح مع الحاضر والقدرة على دفن الضحايا والماضي كله، مع التحذير من الصعود الجديد للفاشية في أوروبا.

ربما يبالغ الممثل النمساوي في أداء دور الرجل المرح العدمي الذي يميل إلى الاحتفال بالحياة والنهل من مباهجها حتى الثمالة، الذي لا يقيم وزنا لتبعات الإفراط أو المغالاة، على نحو يذكرنا بالشخصية الكاريكاتورية التي أداها في فيلم “توني إيردمان”، وربما يبدو ييري مينزل متخشبا أكثر مما ينبغي في بعض المواقف التي كانت تستحق ليونة أكثر وتجاوبا أكثر مع الشخصية الأخرى، إلا أن الأداء لا يخرج عن مجال السيطرة بوجه عام.

الفيلم مأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب التشيكي بوهميل هاربال (1914- 1997) الذي يعتبر من أهم الكتاب التشيك في القرن العشرين، وقد سبق أن اقتبس ييري مينزل من رواياته بعض أهم أفلامه منها “قطارات تحت الحراسة المشددة”، و”خدمت ملك إنكلترا”، و”عصافير فوق السلك”، كما أخرج فيلما تسجيليا عنه.

التحقق العاطفي معادل للنضج السياسي في فيلم "قطارات"
التحقق العاطفي معادل للنضج السياسي في فيلم "قطارات"

 

15